
في نفس الوقت، في البيت القديم، الجو كان أهدأ من المعتاد. سيف كان ماسك موبايله، وواقف قدام الشباك. قالت الأم: “هي ما ردتش؟” هز سيف رأسه: “مش بترد، بس بتعيش.” رفع الأب عينه: “ده فرق كبير.” سكت سيف. ثم قال: “أنا أول مرة أحس إني كنت أخوها من بعيد، مش من جوه.”
في المستشفى الجامعي، وقفت مريم قدام الباب الكبير. لبس أبيض بسيط، وشها هادي، بس عينيها فيها توتر طبيعي. رنا كانت جنبها: “جاهزة؟” أخذت مريم نفس عميق: “مش جاهزة، بس هادخل.” دخلوا. أول يوم في عالم مختلف. دكاترة، طلبة، مرضى، أصوات أجهزة، حياة سريعة جدًا. لكن وسط كل ده، مريم كانت لأول مرة مش بتدور على مكان يثبت وجودها. هي بس كانت موجودة.
في نهاية اليوم، الدكتور المشرف نادى عليها: “إنتِ اسمك مريم؟” هزّت رأسها. قال: “كنتِ مركزة جدًا في الملاحظة، مين علّمكِ كده؟” سكتت لحظة. وبعدين قالت: “أنا اتعلمت لوحدي، وإتأخرت شوية.” ابتسم الدكتور: “المهم إنكِ وصلتي.”
في المساء، رجعت بيت الطالبات. قعدت على السرير. فتحت الموبايل. لقيت رسالة جديدة من رقم سيف: “إحنا محتاجين نتكلم، مش كأخ وأخت بس، كناس فاهمة إنها خسرت بعض.” قعدت مريم تقرأ الرسالة بهدوء. ثم قفلتها. ما ردتش. بصّت لها رنا: “لسه؟” هزت مريم رأسها: “مش دلوقتي.” سكتت لحظة. ثم أضافت: “في فرق بين إنكِ تسامحي، وإنكِ ترجعي لنفس المكان اللي أذاكِ.”
في الليل، فتحت مريم الكشكول. كتبت: “أنا مش محتاجة أثبت إني كنت صح، كفاية إني بطلت أكون غلط علشانهم.” قفلت الكشكول. ونظرت للسقف. ابتسامة خفيفة ظهرت على وشها. مش لأن كل حاجة بقت تمام، لكن لأن لأول مرة، هي مش مستنية حد يقول لها إنها كويسة.
الأيام اللي بعدها بدأت تاخد شكل أسرع داخل حياة مريم، لكن إحساسها الداخلي كان أهدى من أي وقت فات. في المستشفى الجامعي، بدأت تبقى مألوفة للناس. مش لأنها الأذكى أو الأسرع، لكن لأنها موجودة بتركيز، كأنها بتستعيد كل لحظة كانت بتضيع منها قبل كده.
في أحد الأيام، وهي بتراجع ملف مريض بسيط، الدكتور المشرف وقف جنبها: “إنتِ بتسألي أسئلة دقيقة زيادة عن اللازم.” رفعت عينيها: “ده غلط؟” ابتسم: “ده نادر، مش غلط. بس بيحتاج حد متحمل يشوف الحقيقة من غير ما يهرب منها.” سكتت لحظة. الكلمة دي لمستها بشكل غريب. من غير ما يهرب.
في نفس اليوم، وصلها إشعار على الموبايل. رسالة من سيف: “مريم أبوكِ تعبان وعايز يشوفك.” قفلت الموبايل فورًا. لكن إيدها اتجمدت شوية وهي ماسكة الشاشة. لاحظت رنا: “مش هتروحي؟” بصت مريم قدامها: “مش كل تعبان معناه إني أرجع لنفس الدائرة.” سكتت. ثم أضافت: “ولو تعبان بجد، هيعرف إن العلاج مش إني أرجع أذبل تاني.”
في البيت القديم، كان الأب نايم على الكنبة. الإرهاق باين عليه بوضوح. الأم قاعدة جنبه، وسيف واقف في النص، صوته منخفض لأول مرة: “هي ما ردتش.” همست الأم: “مش شايفة نفسها هنا خلاص.” قعد سيف على الكرسي. إيده على راسه: “أنا كنت فاكر إنها هتفضل زي ما هي مهما عملنا فيها.” ردت الأم بهدوء: “هي اللي ما بقتش زي ما كانت، مش إحنا.”
في المستشفى، كانت مريم بتساعد في متابعة حالة مريض كبير في السن. المريض بص لها وقال فجأة: “إنتِ شكلِك زعلانة بس بتشتغلي كويس.” رفعت عينيها، ابتسمت ابتسامة خفيفة: “أنا كنت زعلانة، بس اتعلمت أكمّل.” هز المريض رأسه: “اللي بيكمّل وهو موجوع بيبقى أقوى من اللي بيكمّل وهو مبسوط.” الجملة وقفت جواها لحظة طويلة.
في المساء، فتحت رنا الباب وهي شايلة كيس أكل: “تعالي النهارده هنخرج شوية.” رفعت مريم حاجبها: “نخرج؟” قالت: “أيوه. كفاية مستشفى ومذاكرة. إنتِ بقيتي شبه الروبوت.” ابتسمت مريم: “أنا لسه بتتعلم أبقى إنسانة.”
في الخارج، المشي كان هادي في شارع قريب من الجامعة. أضواء المدينة خفيفة، والهواء أبرد شوية. قالت رنا فجأة: “لو رجعوا يكلموكي تاني بشكل مختلف، هتعملي إيه؟” سكتت مريم. ثم قالت: “مش هقول لأني مش هسامح.” سكتت لحظة أطول: “بس يمكن أسمع من بعيد. مش من جوه.” بصت لها رنا: “يعني مش رجوع.” قالت مريم: “لا. ده اسمه فهم، مش رجوع.”
في نفس الوقت، كان سيف واقف في البلكونة. موبايله مفتوح على صورة قديمة لمريم وهي بتضحك في المدرسة. لكن المرة دي، ما كانش بيبتسم. كان بيحاول يفهم إزاي نفس الشخص اللي كانت بتضحك بسهولة بقت قادرة تمشي من غير ما تبص وراها. همس لنفسه: “إحنا كنا بنكسرها وهي كانت ساكتة.” سكت. ثم أضاف: “ولما قامت، إحنا اللي بقينا مش عارفين نمسكها.”
في بيت الطالبات، دخلت مريم أوضتها. قعدت على السرير. فتحت الكشكول. وكتبت: “أنا مش راجعة لنفسي القديمة، أنا باخد نفسي الجديدة واحدة واحدة.” قفلت الكشكول. وبصت قدامها. المرة دي ما فيش دموع. ولا وجع. بس فيه حاجة أخطر من كل ده: قرار مستمر. وهي أول مرة في حياتها مش ناوية تتراجع عنه.
الأيام اللي بعدها، مريم بدأت تحس إن حياتها الجديدة مش مجرد هروب، لكنها بناء بطيء لحاجة ما كانش ليها وجود قبل كده. في المستشفى، بقى ليها ركن ثابت. مش بس كمُتدربة، لكن كحدّ الناس بدأت تعتمد عليه في الحاجات الصغيرة: ترتيب ملفات، متابعة مرضى، أو حتى تهدئة مريض متوتر بكلمة بسيطة.




