قصص وروايات

خياطة شابة

خياطة شابة أصلحت مجانًا البدلة الوحيدة الممزقة لرجل غريب، رغم أنها كانت غارقة في دين قدره 6 آلاف و800 جنيه تركه والدها وراءه.

قال لها الدائن  :

«بنت زيك المفروض تقبل باللي بيتعرض عليها.»

لكنها التزمت الصمت، وفتحت دفتر الحسابات القديم… من غير ما تتخيل للحظة مين كان الراجل اللي ساعدته للتو.

في الصباح الذي عرض فيه الحاج لطفي عليها أن يسامحها في دين والدها مقابل أن تختفي من البلد، أدركت أمينة السعدي أن الرجل لم يكن يريد تحصيل المال منها…

كان يريد أن يشتري كرامتها.

لكن ده حصل بعد أسابيع من بداية الحكاية، يوم دخل رجل غريب إلى محل الخياطة الصغير بتاعها، وهو لا يملك إلا بدلة واحدة ممزقة من عند الكتف، وفوق كل ده، لم يكن في جيبه غير شوية عملات معدودة.

كان ذلك في عام 1956، في قرية صغيرة من قرى الصعيد.

كانت أمينة تفتح محلها قبل دقات الساعة السابعة صباحًا. وفوق الباب، كان لا يزال معلقًا لافتة والدها:

«خياطة السعدي»

كان والدها، الحاج عبد الرحيم، قد توفي منذ خمسة أشهر، وهي حتى الآن لم تستطع أن تغيّر اللافتة.

كانت أمينة في الثالثة والعشرين من عمرها، وشريط القياس لا يفارق رقبتها.

تعلمت الخياطة منذ كانت طفلة، وكانت تعرف كيف تصلح ظهر بدلة مائل، أو تنقذ بنطلونًا كاد أن يصبح بلا فائدة.

لكن الشيء الوحيد الذي لم تكن تعرف كيف تفعله…

هو كيف تجمع خلال أربعة أسابيع مبلغ 6 آلاف و800 جنيه، وهو الدين الذي كان الحاج لطفي يؤكد أن والدها تركه عليه.

كان الرجل تاجرًا كبيرًا، يملك أكبر متجر في البلدة ومستودعين، وكان يتحدث دائمًا بهدوء…

ولا ينسى دينًا أبدًا.

في ذلك اليوم، وقبل أن تغلق أمينة المحل لتتناول الغداء بقليل، رن جرس الباب.

دخل رجل طويل، أسمر من الشمس، والغبار يغطي حذاءه، ولحيته لم تُحلق منذ عدة أيام.

كان يرتدي بدلة رمادية جيدة التفصيل، لكنها بدت مستهلكة من كثرة الاستخدام، وكان فيها قطع واضح بجوار الكتف الأيمن.

خلع الرجل قبعته وقال:

— مساء الخير. حضرتك بتعملي إصلاحات للهدوم؟

رفعت أمينة عينيها إليه وقالت:

— لو القماش لسه عايز يعيش… آه.

ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، ووضع الجاكت على الطاولة.

— عندي اجتماع مهم بكرة، ولازم أكون لابس بشكل يليق بالمناسبة.

فحصت أمينة مكان القطع بعناية.

— ينفع يتصلح.

أدخل الرجل يده في جيبه، وأخرج بعض العملات، ووضعها فوق الخشب.

— قبل ما تبدأي، محتاج أعرف التكلفة كام. دي تقريبًا كل الفلوس اللي معايا.

نظرت أمينة إلى العملات.

وفهمت فورًا ذلك الشعور الذي تعرفه جيدًا…

شعور الإنسان لما يكون محتاج مساعدة، لكنه مش عايز يطلبها.

قالت بهدوء:

— تعالى بكرة الساعة ستة.

قطّب الرجل حاجبيه.

— وهكون مديون لكِ بكام؟

— ولا حاجة.

نظر إليها باستغراب.

— آنسة، أنا ما جيتش أطلب صدقة.

— وأنا مش بديك صدقة.

ثم أضافت:

— أبويا كان دايمًا بيقول إن الشغل قيمته بتزيد لما يساعد حد إنه يقف قدام الناس ورأسه مرفوعة. النهارده الدور عليك… وبكرة يمكن ييجي دورك تساعد حد تاني.

ظل الرجل صامتًا للحظات.

ثم قال:

— اسمي ياسين.

ابتسمت وقالت:

— أمينة.

— يبقى يا أمينة، في يوم من الأيام هرد لكِ الجميل ده.

— لو قدرت، اعمله. ولو ما قدرتش… يبقى خلصنا.

في تلك الليلة، جلست أمينة حتى وقت متأخر.

قوّت بطانة الجاكت من الداخل، وأخفت أثر الخياطة بعناية، ثم كوت منطقة الكتف مرات متتالية، حتى بدا الجاكت وكأنه لم يتمزق أصلًا.

وفي السادسة تمامًا من صباح اليوم التالي…

عاد ياسين.

وقف أمام المرآة القديمة المعتمة داخل المحل، وارتدى البدلة.

وحين اعتدل في وقفته، بدا للحظة وكأنه لم يعد ذلك الرجل المسافر المرهق الذي دخل المحل بالأمس.

كان في وقفته شيء مختلف.

هيبة رجل اعتاد أن يستمع إليه الآخرون.

قال وهو يتفحص كتفه:

— ده مش باين عليه إنه اتخيط.

أجابته أمينة:

— لأنه ما ينفعش يبان.

ابتسم وقال:

— إيديكِ شاطرة جدًا.

خفضت أمينة عينيها حتى لا يلاحظ ابتسامتها.

ودّعها الرجل، ثم خرج باتجاه ميدان البلدة.

حاولت أمينة أن تنساه.

لكنها لم تستطع.

في الأحد التالي، كانت

كانت ساحة البلدة مزدحمة بعد انتهاء القداس، حين طلب شيخ البلدة من الناس أن يلتزموا الصمت.

ثم قال:

— عايز أعرّفكم بالحاج ياسين العزّام، المالك الجديد لأرض الكرم الكبير. جه علشان يعيد فتح الأراضي، ويوظف عمال، ويرجع الحركة للمنطقة دي من جديد.

شعرت أمينة وكأن الهواء توقف في صدرها.

نهض ياسين من الصف الأول.

كان حليق الذقن، شعره مرتب، ويرتدي…

نفس البدلة الرمادية.

الرجل الذي دخل محلها قبل أيام وقال لها إنه لا يملك تقريبًا أي مال…

كان هو صاحب الأرض الكبير الذي كان الجميع في البلدة يتمنون التقرب منه.

وخارج المكان، تجمع نصف أهل البلدة حوله لتحيته.

حاولت أمينة أن تمر من جانبه دون أن تتوقف.

لكن صوته أوقفها:

— آنسة السعدي.

توقفت.

اقترب منها ياسين وقال:

— أنا عارف إنتِ بتفكري في إيه.

نظرت إليه وقالت:

— ما أظنش إنك تعرف.

— فاكرة إني خدعتك.

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى