
— أنت اخترت تظهر قدامي كرجل ما معاهوش فلوس.
هز رأسه
— لأ. أنا فعلًا وصلت من غير سيولة، لأن حاجتي كانت لسه متأخرة في الطريق من القاهرة. لكن آه… أنا قررت ما أقولش مين أنا.
نظرت إليه أمينة باستغراب.
فأكمل:
— كنت عايز أعرف البلد وأهلها الأول، قبل ما كل الناس تعرف قيمة الأراضي اللي بقيت أملكها.
ثبتت أمينة عينيها عليه وقالت:
— يعني كنت بتختبر الناس؟
رد بهدوء:
— كنت بحاول أحمي نفسي.
ثم نظر إليها مباشرة وأضاف:
— ولقيت الشخص الوحيد اللي عاملني باحترام، وهو فاكر إني مش هقدر أدي له أي حاجة.
وقبل أن تتمكن أمينة من الرد…
ظهر الحاج لطفي بجوارهما.
كان يبتسم، لكن عينيه كانتا تشتعلان غضبًا.
قال:
— يا حاج ياسين، يا ألف أهلا وسهلا! أنا وبنتي كنا منتظرين فرصة نعزمك على العشا.
رد ياسين بأدب:
— متشكر جدًا. لكن الأول عندي موضوع لازم أخلصه مع الآنسة السعدي.
اختفت الابتسامة من على وجه لطفي، وحل مكانها توتر واضح.
أما أمينة…
فلم تكن تعرف أنها، في تلك اللحظة، أصبحت العقبة الأساسية أمام رجل اعتاد أن يحصل على كل شيء يريده.
لكن لا أحد كان مستعدًا لما كان على وشك أن يظهر للعلن…
لأن الحقيقة القادمة كانت ستقلب حياة أمينة وياسين والحاج لطفي رأسًا على عقب.
الجزء الثاني
خلال الأسابيع الثلاثة التالية، اتغير محل أمينة تمامًا.
ياسين طلب منها 18 قميصًا للمشرفين على الأراضي، و12 بنطلون شغل، بالإضافة إلى إصلاح مجموعة من البدلات القديمة الموجودة في أرض الكرم الكبير.
كان يدفع في مواعيده، ولم يكن يساومها أبدًا.
وأحيانًا كان يأتي بنفسه ليستلم الملابس.
قالت له أمينة ذات مساء:
— ممكن تبعت حد يستلمهم بدل ما تتعب نفسك.
وضع ياسين يده على طرف المنضدة وقال:
— ممكن.
— طيب، بتجي ليه بنفسك؟
ابتسم وقال:
— لأن القهوة هنا طعمها أحسن من القهوة اللي في بيتي.
رفعت أمينة حاجبها.
— وأنا أصلًا مش بقدم لك قهوة.
— عشان كده لسه عندي أمل.
ضحكت أمينة رغمًا عنها.
وبعدها ندمت، لأن امرأتين كانتا تمران أمام المحل سمعتا ضحكتها.
وفي اليوم التالي، كانت الحكاية قد انتشرت في البلد كلها.
قالوا إن بنت الخياط بتحاول تصطاد عريس غني.
وقالوا إنها أصلحت بدلة ياسين مجانًا علشان تلفت نظره.
وقال آخرون إن واحدة من غير ميراث لازم تعرف مقامها كويس.
كانت أمينة تتظاهر بأنها لا تسمع.
لكن كل كلمة كانت توجعها.
والأسوأ حصل عندما دخلت نوال، جارتها، إلى المحل وهي غاضبة ووجهها شاحب.
قالت:
— أمينة، الكلام ده مش طالع لوحده.
رفعت أمينة رأسها.
— كلام إيه؟
— الإشاعات. الحاج لطفي هو اللي بينشرها في الدكان. بيقول إنك بتستغلي ياسين، وإنك عايزة توصلي لأرض الكرم الكبير.
غرست أمينة الإبرة في القماش بقوة أكبر من اللازم.
— يقول اللي يقوله.
لكن نوال اقتربت منها وقالت:
— وبيقول كمان إن الحاج ياسين المفروض يتجوز بدرية.
كانت بدرية الابنة الوحيدة للحاج لطفي.
جميلة، متعلمة في القاهرة، ومتعودة إن أبوها هو اللي يقرر عن الجميع.
وفي نفس المساء، دخل الحاج لطفي إلى محل أمينة من غير ما يخلع جلبابه ولا حتى يرفع قبعته.
ووضع سند الدين على المنضدة.
— جاي بخصوص دين أبوكِ.
مسحت أمينة يديها.
— فاضل 8 أيام.
— أنا مش جاي أحصّل الفلوس النهارده. جاي أعرض عليكِ حل.
— أنا ما بحبش حلولك.
— الحل ده في مصلحتك. تسيبي البلد يا أمينة. تقفلي المحل. وأنا أعتبر الدين انتهى.
احتاجت أمينة بضع ثوانٍ حتى تستوعب كلامه.
— يعني عايز تشتري خروجي من البلد؟
— أنا عايز أوفر عليكِ الإهانة. ياسين العزّام محتاج زوجة من مستواه. بنتي عندها اسم، وأرض، وتعليم. إنتِ عندك إبر وخيوط ودين.
شعرت أمينة بيديها ترتعشان.
لكن صوتها خرج ثابتًا:
— أبويا ساب لي دين…
ثم نظرت في عينيه وقالت:
— ما سابليش تمن.
ضيق لطفي عينيه.
— فكري في كلامي.
— فكرت.
— لما تخسري المحل ده، ما تقوليش إني ما اديتكيش فرصة.
خرج من المحل.
ومن شدة إغلاقه للباب، سقط جرس الباب على الأرض.
في تلك الليلة، لم تتناول أمينة العشاء.
أشعلت المصباح وأخرجت صندوق الأوراق الخاص بوالدها.
كانت تتذكر شيئًا.
والدها، عندما كان مريضًا، قال لها ذات مرة إنه اقترض أقل من 3 آلاف جنيه علشان العلاج والأطباء.
إذن…
من أين جاء مبلغ 6 آلاف و800 جنيه؟
راجعت أمينة الإيصالات والرسائل، ثم فتحت دفترًا أسود قديمًا.
وقرب الثالثة فجرًا، وجدت صفحة مؤرخة قبل وفاة والدها بسبعة أشهر.
كان مكتوبًا فيها:
«استلمت من لطفي كمال مبلغ 2350 جنيهًا. الفائدة المتفق عليها: 6% سنويًا. الضمان: أدوات المحل.»
وتحتها توقيع والدها.
قرأت أمينة الصفحة ثلاث مرات.
لم يكن هناك أي ذكر لمبلغ 6800 جنيه.
مع طلوع الفجر، ذهبت إلى الأستاذ محمود رفاعي، كاتب المحكمة القديمة وأحد عملاء والدها المقربين.
قارن الرجل بين سند الدين وبين دفتر والدها.
ثم قال:
— هنا فيه حاجة خطيرة.
سألته أمينة:
— تقدر تثبتها؟
— الورقة اللي كتبها أبوك بتتكلم عن 2350 جنيه. لكن الورقة التانية فيها مبلغ مختلف مكتوب بحبر أحدث.
ثم أشار إلى الهامش.
— وبصي هنا.
اقتربت أمينة.
كان الرقم قد تم تعديله فوق رقم آخر.
قالت بقلق:
— أعمل إيه؟
— ما تدفعيش حاجة النهارده. هنراجع السجل الرسمي الأول.
وفي الوقت نفسه، كان الحاج لطفي يقوم بخطوته التالية.
ذهب إلى أرض الكرم الكبير.
استقبله ياسين في الشرفة الرئيسية.
قال لطفي:
— جاي أكلمك عن أمينة السعدي.
تغير وجه ياسين.
— يبقى اختار كلامك كويس.
— البنت عندها مشاكل. ديون وطموح. وأنا مش عايزك تخلط بين الامتنان والمشاعر.
اقترب ياسين منه خطوة.
— بتلمح لإيه؟
— بقول بس إن فيه ستات بتعرف تستغل الفرصة لما تيجي قدامها.
وفي اللحظة نفسها، جاء أحد العمال يحمل جوابًا لياسين.
كان الجواب من المحكمة.
قرأه ياسين.
ثم رفع عينيه إلى لطفي وقال:
— غريبة يا حاج لطفي.
ارتبك الرجل.
— غريبة إيه؟
— إنت جاي تحذرني من أمانة أمينة، وفي نفس اليوم المحكمة طالبة مراجعة سند دين خاص بيك بسبب احتمال التلاعب فيه.
لأول مرة، اختفى اللون من وجه الحاج لطفي.
وفي اليوم التالي، داخل مكتب مليء بالملفات والأوراق، وضع الأستاذ محمود أمامهم ثلاثة مستندات:
دفتر والد أمينة.
الإيصال الأصلي.
ونسخة رسمية كانت مسجلة قبل شهور.
كانت الحقيقة واضحة.
الدين الحقيقي كان 2350 جنيهًا فقط.
أما مبلغ 6800 جنيه فقد تم تعديله وإضافته بعد ذلك.
ضرب لطفي يده على المكتب.
— الست دي عايزة تدمرني!
وقفت أمينة.
— لأ.
ثم قالت بهدوء:
— إنت اللي دمرت نفسك يوم افتكرت إن بنت مش هتعرف تقرأ حسابات أبوها.
أمسك الأستاذ محمود الأوراق.
— هبعت المستندات دي لقاضي المحكمة.
عندها، وقد أصبح لطفي محاصرًا، صرخ فجأة:
— اسألوا أبوكِ المتوفي ليه وافق أصلًا ياخد الفلوس دي!
تجمدت أمينة في مكانها.
— يعني إيه؟
ابتسم لطفي بمرارة.
— يعني الدين ما بدأش بسبب العلاج.
ثم نظر إليها وقال:
— أبوكِ طلب الفلوس مني علشان يحميكِ إنتِ.
—
الجزء الثالث
ساد الصمت في الغرفة.




