
شعرت أمينة وكأن الجدران تضيق حولها.
قالت:
— وضّح كلامك.
تدخل الأستاذ محمود:
— يا لطفي، لو هتتكلم، اتكلم للآخر.
تنفس التاجر بصعوبة.
لم يعد يبدو كالرجل الواثق الذي دخل المكان منذ دقائق.
قال:
— من سنة تقريبًا، أمينة كانت هتخسر المحل من غير ما تعرف.
عقدت أمينة حاجبيها
— كدب
— لأ. أبوكِ كان متأخر عليه ضرائب المحل، وكمان عليه حسابات لاثنين من الموردين اللي بيجيب منهم البضاعة. لكنه ما قالكيش حاجة.
سكت لحظة ثم أضاف:
— كان عايزك تفضلي فاكرة إن كل حاجة كويسة.
نظرت أمينة إلى الدفتر.
وتذكرت الليالي التي كان والدها يظل فيها مستيقظًا حتى وقت متأخر، يجلس تحت ضوء المصباح ويحاول ترتيب الحسابات.
قالت:
— وإنت عملت إيه؟
— اديته 2350 جنيه.
— وده كان صحيح؟
— آه.
— طيب ليه زورت الرقم؟
خفض لطفي عينيه.
— لأنه مات.
ثم قال بصوت منخفض:
— وأنا افتكرت إن محدش هيطالبني بحاجة.
حدقت أمينة فيه.
— افتكرت إني ست لوحدي، وتقدر تاخد المحل مني؟— افتكرت إنك مش هتقدري تحافظي عليه.
نظرت إليه أمينة بنظرة هادئة لكنها مليئة بالاحتقار.
— ده مش جواب سؤالي.
ثم قالت:
— ليه كنت عايزني أسيب البلد؟
شد لطفي فكه.
تدخل الأستاذ محمود:
— أعتقد إننا كلنا عارفين السبب.
لكن ياسين، الذي ظل واقفًا عند الباب طوال الوقت، تقدم خطوة.
— أنا عايز أسمعه منه.
التفت لطفي إليه.
— لأنك كنت بتبوظ اتفاق.
— أي اتفاق؟
— بنتي بدرية.
وفجأة انفتح الباب.
كانت بدرية لطفي تقف هناك، وعيناها ممتلئتان بالغضب.
قالت:
— كفاية يا أبويا.
شحُب وجه لطفي.
— روحي البيت.
— لأ.
دخلت بدرية ووضعت خطابًا على المكتب.
ثم قالت:
— يا أستاذ محمود، اقرأ ده.
فتح الرجل الخطاب.
كان عبارة عن اقتراح تجاري لربط متجر لطفي ومستودعاته بأرض الكرم الكبير من خلال عقود حصرية.
وفي إحدى الفقرات كان هناك حديث واضح عن:
«توحيد العائلتين من خلال زواج مستقبلي.»
أغمض ياسين عينيه للحظة.
ثم قال:
— إنت كنت بتتاجر في بنتك؟
صرخ لطفي:
— كنت بأمّن مستقبلها!
ضحكت بدرية بمرارة.
— مستقبلي مش بند في عقد.
ضرب لطفي عصاه في الأرض.
— كل اللي عملته كان علشان العيلة!
نظرت إليه بدرية وقالت:
— لأ.
ثم أضافت:
— عملته لأنك مش قادر تستحمل إن أي حاجة تحصل من غير ما تكون إنت اللي مسيطر عليها.
جمع الأستاذ محمود الأوراق.
— التلاعب في سند الدين هيتبلغ عنه رسميًا. ومحاولة تحصيل مبلغ تم تغييره والتلاعب فيه هتتحقق فيها المحكمة كمان.
جلس لطفي على الكرسي.
وفجأة بدا أكبر سنًا بكثير.
أما أمينة فلم تشعر بالانتصار.
كانت تشعر بالتعب فقط.
خرجت من المحكمة وهي تضم دفتر والدها إلى صدرها.
لحق بها ياسين.
— أمينة.
لم تتوقف.
— مش دلوقتي.
— مش عايز أتكلم عن لطفي.
— يبقى بلاش.
سار إلى جوارها.
— عايز أتكلم عن الدين الحقيقي.
توقفت والتفتت إليه.
— هدفعه.
— أنا ما قلتش إنك مش هتدفعي.
— ومش محتاجة إنك تدفعه عني.
— وأنا ما قلتش كده.
نظر ياسين إليها، ثم أخرج ظرفًا من جيبه.
— ده باقي حساب ملابس العمال بتوع أرض الكرم الكبير، وكمان مقدم شغل لـ24 قطعة جديدة.
ثم قال:
— شغل.
نظرت إليه.
— مش صدقة.
فتحت الظرف.
كان بداخله المبلغ المتفق عليه بالضبط.
قالت:
— بالمبلغ ده أقدر أسدد الدين.
— أيوه.
— عملت كده عن قصد؟
— أنا محتاج الملابس، وإنتِ محتاجة تقبضي تمن شغلك.
احتفظت أمينة بالظرف.
— شكرًا.
ابتسم ياسين.
— ما تشكرينيش على إني دفعت لكِ حقك.
خلال الشهور الماضية، كانت تسمع من الجميع أنها لازم ترضى بنصيبها، وتعرف مكانها.
لكن ياسين كان يتعامل مع شغلها وكأنه شيء لا يحتاج إلى إذن من أحد كي يكون له قيمة.
وبعد يومين، دفعت أمينة الدين الحقيقي أمام الأستاذ محمود.
ثم عادت إلى محل الخياطة.
أخرجت سند الدين القديم.
مزقته إلى أربع قطع.
وعادت إلى ماكينة الخياطة.
أما أهل البلد، فلم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى عرفوا الحقيقة.
نفس الناس الذين كانوا يتناقلون الإشاعات أصبحوا يخفضون أصواتهم عندما تمر أمينة أمامهم.
وفي يوم، دخلت نوال إلى المحل وهي تحمل سلة مليئة بالكعك.
قالت:
— أنا طول عمري بقول إن الحاج لطفي ضميره مش مريح.
نظرت إليها أمينة.
— يا نوال، من أسبوع واحد بس إنتِ قلتي لي يمكن الأحسن أروح القاهرة.
ارتبكت نوال وقالت:
— الواحد ممكن يغلط… بس بأناقة.
ضحكت أمينة لأول مرة منذ أيام.
أما قضية لطفي، فاستمرت.
واضطر إلى إعادة أموال كان قد حصل عليها بزيادة من ثلاث عائلات أخرى، بعدما ظهرت مستندات مشابهة.
وشهدت بدرية ضده.
ولأسابيع، لم يتحدث الأب وابنته معًا.
ثم جاء موسم الأمطار.
هطلت عاصفة قوية، وأسقطت جزءًا من سقف المخزن الرئيسي الخاص بلطفي.
ابتلت أجولة الذرة، ولفائف القماش، وصناديق البضائع.
جاءت نوال إلى المحل تحمل الخبر.
— بيقولوا إن لطفي خلاص بقى لوحده.
واصلت أمينة قص القماش.
— لوحده إيه؟ عنده عمال.
— محدش عايز يبيع له بالأجل.
لم ترد أمينة.
وفي ذلك المساء، جاء ياسين إلى المحل ليستلم بعض القمصان.
قال:
— عرفت اللي حصل للحاج لطفي.
ردت أمينة:
— كل البلد عرفت.
— ممكن أشتري جزء من القماش اللي عنده. أنا محتاجه للعمال.
رفعت أمينة عينيها.
— اشتريه.
نظر إليها باستغراب.
— بعد كل اللي عمله؟
— بسعر عادل.
ثم أكملت:
— لا جنيه زيادة… ولا جنيه ناقص.
— ليه؟
وضعت أمينة المقص على المنضدة.
— لأن لو استغليت مصيبته دلوقتي علشان أوقعه، أبقى بقيت نسخة تانية منه.
ثم قالت:
— أنا كنت عايزة عدل، مش انتقام.




