
الدكتور المشرف لاحظ ده: “إنتِ بتعرفي تسمعي قبل ما تشتغلي، ودي مهارة مش موجودة عند الكل.” ردت مريم بهدوء: “يمكن لأن زمان محدش كان بيسمعني، فتعلمت أسمع كويس.” سكت الدكتور لحظة: “ده ممكن يخليكي دكتورة مختلفة.” هي ما ابتسمتش، لكن جواها حاجة خفيفة اتحركت.
في نفس الوقت، في بيت الطالبات، كانت رنا بتراقبها من بعيد. مش لأنها قلقانة، لكن لأنها شايفة حاجة بتتكوّن. قالت: “إنتِ بقيتي أقوى، بس مش بطريقة قاسية.” بصت لها مريم: “أنا مش عايزة أبقى قاسية.” سكتت. ثم أضافت: “أنا بس عايزة أبقى ثابتة، حتى لو الدنيا حاولت تهزّني.” ابتسمت رنا: “دي أخطر قوة ممكن حد يوصلها.”
في البيت القديم، كان سيف قاعد في أوضة الصالة، الموبايل في إيده، لكن مش بيرسل حاجة. دخلت الأم وسألته: “لسه ما اتكلمتش؟” رد سيف بصوت هادي: “أنا كل ما بفكر أكلمها، بحس إني هكون داخل على حد مش محتاجني.” ردت الأم: “هي مش مش محتاجاكم، هي بس بطلت تجرّب تثبت إنها محتاجاكم.” الجملة وقعت تقيلة. سكت سيف.
في الجامعة، كانت مريم قاعدة في المكتبة، وبتذاكر تشريح. زميلها الجديد قرب منها: “إنتِ دايمًا هنا، مش بتزهقي؟” ردت من غير ما تبص: “أنا كنت عايشة في مكان أتعلم فيه أستنى الإحساس الصح علشان أبدأ. دلوقتي أنا ببدأ، وبعدين الإحساس بييجي.” ابتسم الزميل: “إنتِ غريبة.” رفعت مريم عينيها: “غريبة أهدى من اللي كنت عليه.”
في الليل، وصلها إشعار جديد. رسالة من تبارك: “مريم أنا آسفة.” قفلت الموبايل فورًا. لكن المرة دي مش بغضب. بل بتعب بسيط. لاحظت رنا: “لسه مش هتردي؟” قالت مريم بهدوء: “في ناس لازم تتعلم تعتذر لنفسها الأول قبل ما تعتذر لحد.” سكتت. ثم أضافت: “ولو أنا رديت بدري، هبقى بس بصلّح حاجة لسه ما اتصلحتش جواهم.”
في نفس اللحظة، في البيت القديم، كانت تبارك قاعدة لوحدها. الفستان الأزرق في الدولاب، والمراية قدامها، لكن الصورة اللي شايفاها مش نفسها. همست: “هي عرفت تمشي، وأنا لسه واقفة.” سيف كان في أوضته. بيكتب رسالة ويمسحها. يكتب تاني ويمسح. لحد ما وقف. وساب الموبايل. وقال لنفسه بصوت واطي: “هي مش عايزة كلام، هي عايزة وقت.”
في المستشفى، كانت مريم بتساعد في حالة طارئة بسيطة. ركض، أصوات، ضغط. لكن وسط كل ده، كانت هادية بشكل مقلق. قال لها الدكتور بعد ما خلصوا: “إنتِ تحت ضغط وبتفضلي ثابتة.” ردت: “علشان أول مرة في حياتي ما فيش حد بيحكم عليا وأنا بشتغل.” هز الدكتور رأسه: “إنتِ بتتعافي.”
في المساء، رجعت مريم الأوضة. فتحت الكشكول. وكتبت: “مش لازم أرجع عشان أكون كويسة، أحيانًا البعد هو اللي بيخلّي الحقيقة تبان.” قفلت الكشكول. وبصت للسقف. مش بتفكر ترجع. ولا بتفكر تنسى. هي بس بتكمل.
الهدوء اللي كان داخل حياة مريم ما بقاش هدوء مؤقت، لكنه بدأ يتحول لروتين جديد. روتين فيه تعب، لكن من نوع مختلف: تعب طبيعي، مش تعب ضغط نفسي. في المستشفى، الدكتور المشرف بدأ يديها مسؤوليات أكبر شوية: “مريم، تابعي الحالة دي وقوليلي ملاحظاتك.” استلمت الملف، وقرأت بهدوء، وبعدين بدأت تكتب. بس المرة دي، إيدها ما كانتش بترتعش زي الأول. لاحظ الدكتور وسكت ثواني قبل ما يقول: “إنتِ بتتقدمي أسرع من المتوقع.” ردت مريم من غير ما تبص له: “أنا كنت متأخرة في العيش، مش في الفهم.” الجملة دي خلت الدكتور يرفع عينه عليها: “تقيلة دي.” هي ابتسمت ابتسامة بسيطة: “بس حقيقية.”
في نفس اليوم، وصلها إشعار جديد. رسالة من سيف: “مريم ممكن نتقابل، حتى لو نص ساعة؟” قفلت الموبايل فورًا. لكن المرة دي إيدها ما ارتجفتش. رنا كانت قريبة منها: “لسه؟” هزّت مريم رأسها: “مش دلوقتي.” سألت رنا بهدوء: “خايفة ترجعِ لنفس الدوامة؟” بصّت لها مريم: “مش خايفة أرجع، أنا خايفة أرجع وأنا لسه مش عارفة أنا مين من غيرهم.” سكتت لحظة. ثم أضافت: “أنا لسه ببني نفسي، مش مستعدة أسيب البناء يقع.”
في البيت القديم، كان سيف قاعد قدام باب الشقة من جوه، لأول مرة مش عارف يعمل إيه. قالت الأم: “كل يوم نفس السؤال: هترجع إمتى؟” رد سيف بهدوء: “مش هترجع زي الأول.” رفع الأب عينه: “يعني خلاص خسرناها؟” ما ردش سيف بسرعة. ثم قال: “يمكن إحنا اللي خسرنا شكلها القديم، بس لسه ما خسرناهاش هي.” سكت. ثم أضاف: “لو فضلنا نطلب القديمة، هنخسر الجديدة كمان.”
في الجامعة، كانت مريم ماشية في الممر. زميلة من الدفعة نادت عليها: “مريم! فيه إعلان تدريب جديد في قسم الأطفال، إنتِ لازم تقدمي.” وقفت مريم: “ليه أنا؟” ابتسمت الزميلة: “عشان إنتِ الوحيدة اللي بتشوفي المريض كإنسان، مش رقم.” الكلمة دي وقفت جواها لحظة طويلة. مش رقم.
في المساء، كانت رنا بتقلب في موبايلها: “عارفة؟ سيف بقى بيكلمني كل فترة أطول.” مريم ما رفعتش عينها: “بيقول إيه؟” قالت رنا: “إنه مش عارف يتكلم معاكي، بس عايز يفهمك.” سكتت مريم. ثم قالت بهدوء: “الفهم مش سؤال واحد، ده وقت.” هزت رنا رأسها: “وإنتِ عندك وقت ليهم؟” ابتسمت مريم: “عندي وقت ليا الأول.”




