
من ٣ سنين حصلت لجوزي حادثة وهو في الشغل، اتسببت إنه يبقى كفيف ويفقد بصره تمامًا. عملنا كل حاجة ولفينا على كل المستشفيات، لكن الكل أجمع إنه استحالة يرجعله البصر مرة تانية. ورغم إن الموضوع كان صعب، وهو وأخواته عرضوا الطلاق، إلا إني اتمسكت بيه أكتر، لأني اعتبرته بلاء نزل علينا احنا الاتنين ومينفعش مقبلوش وأحمد ربنا عليه، ولأني متأكدة إن لو الأوضاع اتبدلت مكنش هيطلقني ويسبني.
وبعدها أخواته بدأوا يتصرفوا في الميراث عشان ياخد حقه بزيادة، لأن أمورنا اتغيرت من بعد ما ساب الشغل. ومن يومها وإحنا مقضيين حياتنا في إيجار، سنة هنا وسنة هناك، وست شهور في المكان الفلاني، لأن الميراث مكنش هيجيب شقة، والمكان اللي كنا فيه كان إيجاره غالي. وفضلنا نتنقل لأكتر من مكان، لحد ما أخواته جمعوا مبلغ واشتروا مكان متواضع في بلد جنبنا عشان يشيلوا عننا عبء الإيجار. والأكل والشرب كان سهل، وكانوا شهريًا يبعتوا مبالغ أو زيارات فيها أكل كتير يكفيني أنا وجوزي، ولأننا معندناش أطفال فكان الموضوع سهل والأمور ماشية.
ورغم إن المكان كان بيت صغير قديم أوي ومش كويس، إلا إني حمدت ربنا ونضفته بكل طاقتي عشان يكون صالح للمعيشة. ورغم إن الوضع كان صعب، إلا إن جوزي كان مبسوط لأن الجامع كان قريب جدًا من البيت، وبقت حياته كلها عبارة عن انتظار وقت الأذان، ويتحرك للجامع يصلي ويرجع بالعصاية بتاعته بعد ما حفظ الطريق.
الجيران تقبلونا وسطهم، رغم إنها كانت منطقة أهالي ومكنوش بيدخلوا أي حد غريب وسطهم، لكن راجل كفيف ومراته فالوضع مقبول نوعًا ما. ومن وقت للتاني كانت بتوصلنا أطباق أكل من الجيران، وكنت بحاول أعمل زيها وابعتها، رغم إن الموضوع كان صعب عليا.
واستقرت حياتنا نوعًا ما، لكن أسوأ ما في الموضوع إننا كنا قريبين من الترعة، والمكان كان عامل زي مزرعة الفئران. كل شوية يظهر فار في البيت، وأنا للأسف كانت عندي خوف شديد منهم ومكنتش بتحمل أشكالهم أبدًا، لدرجة إن كانت بتجيلي حالة عصبية أول ما أشوف الفار بيجري في الشارع، فما بالك في بيتي.
أوقات كنت بصرخ، وأوقات كنت بتجمد قدامه، وجوزي مكنش بيقدر يتخلص منهم ولا يطردهم لأنه مش شايفهم من الأساس. وبعد شهرين لقيت الباب بيخبط، وكان جوزي بيصلي، وفتحت لقيت شاب شكله غريب شوية، سألني على جوزي وقولتله إنه بيصلي. تفحصني بعينيه بنظرات غير محترمة، وعرفني بنفسه.
قالي إنه جارنا واسمه عياد، وإنه ابن فلان، ولو احتجت حاجة أتواصل معاه. استغربت التصرف اللي هو فيه، وقفلت الباب بطريقة حازمة عشان يفهم إني مش متقبلة إنه يعمل كده مرة تانية. لكن كان واضح إنها مجرد بداية، لأني عرفت إنه غير منضبط ومبيعملش أي حاجة في الدنيا غير إنه يثير المشاكل مع الناس.
ولأن أبوه كبير العيلة وكان تاجر كبير، فمحدش كان بيتعامل معاه، والغالبية كانوا بيسلموا من شره بقلة التعامل معاه. وكان واضح إنه حطني في دماغه لسبب أنا معرفوش، وبقيت كل ما أطلع أنشر الغسيل ألاقيه واقف تحت البيت يبص عليا.
ولما جوزي كان بيخرج للصلاة، كنت بسمع صوته بيسلم عليه ويفضل يقوله تعالى أوصلك، كأنه شخص خدوم. ومن جوايا راح شعور الأمان غصب عني، وبقيت أغلب الوقت خايفة، خايفة أخرج، خايفة أروح اشتري حاجات، بل خايفة وأنا نايمة أحسن يدخل علينا.
وكل كام يوم كانت بتحصل مشكلة في المنطقة، ودايمًا كان هو البطل، وهو اللي بيشتم ويزعق ويتخانق. وكان أسهل حاجة إنه يلجأ للتهديد والعدوانية، كانت منطقة أهالي لكن طلعت أسوأ من المناطق الشعبية بسبب العيلة دي بس.
والأسوأ كان خروجي للسوق، لما بقى يمشي ورايا ويطاردني، ويفضل يقرب ويحاول يتكلم معايا. زعقتله كتير وهددته وحاولت معاه باللين، لكن كل اللي كان طالبه رقمي، عايز يتكلم معايا. وبعدها بدأ يتجرأ أكتر ويذم في جوزي، يقولي إنه كفيف، وإزاي واحدة زيي تدفن نفسها مع واحد كفيف زي ده، وإني لو وافقت واستجبت لطلباته غير اللائقة هيديني فلوس وهيحميني ومش هيخلي حد يقرب مننا أبدًا.
يومها واجهته في السوق، والناس كلها اتجمعت على صوتنا. بص وقتها ناحيتي بصة غاضبة ومهددة، ومن خوفي استغثت بالله إنه ينجيني منه، لأن النظرة كانت بتقول إنه مش هيسكت. وأنا استحالة أسمحله بس يقرب مني. وبدأت أفكر: أحكي لجوزي الكفيف وأورطه في مشكلة كبيرة، ولا أحكي لأخواته اللي زياراتهم قلت خالص بسبب مشاغل الحياة؟ طيب لو مشينا هنجيب مكان تمليك تاني ازاي؟
وفضلت كده لحد ما في مرة كنت في البلكونة ولقيت فار قدامي، صرخت كالعادة وحاولت إبعاده لحد ما هرب. ومكنتش أعرف إن عينين الشخص المؤذي اللي اسمه عياد بتراقبني في الوقت ده. وتاني يوم وأنا بطبخ وشباك المطبخ متوارب، لمحت حاجة بتترمي جوه. لوهلة مفهمتش ده إيه، لحد ما استوعبت إنه حيوان صغير ميت. قشعريرة مسكت جسمي كله وحسيت برعب غير طبيعي، وبعد معاناة قدرت أشيله وارميه بره البيت بدون علم جوزي.
لكن الموضوع بدأ يتكرر كتير أوي، ولما حاولت في مرة أشوف، لقيت طفلين هما اللي بيعملوا كده، وعياد كان واقف بعيد بيضحك. واتأكدت إن الشخص ده هو اللي بيعمل كده. روحت على بيته بعد تفكير طويل وكلمت والده، واتفاجئت إن أبوه أسوأ منه، وقالي لو رميت ابنه بالباطل مرة تانية هيمشينا من البلد خالص، وإني ست كاذبة ومضللة.
رجعت مقهورة لبيتي، عشان اتفاجئ بيه ماشي ورايا، وهددني تهديدًا شديدًا، هددني إنه هيأذي جوزي لو مطاوعتوش وروحتله بيته بالليل. دخلت بيتي منهارة وخايفة، وفضلت أستغيث بالله كتير أوي. وبقى خروج جوزي بالنسبالي رعب، كنت بفضل أراقبه من البلكونة وأنا خايفة حد يتعرضله، وحاولت أقنعه يصلي في البيت لكنه رفض تمامًا.
ومع الوقت بقى العيال يخلوا جوزي ماشي ويرموا عليه حيوانًا صغيرًا ميتًا. ومرة تانية مسكوا حيوانًا صغيرًا قدام عينيا وحطوه في الجلبية بتاعته من عند رقبته، وفضلوا يضحكوا عليه وهو بيتحرك بجسمه من الخضة، لحد ما الحيوان خرج من هدومه.
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي
وبعد تفكير طويل قررت أحكي لجوزي، وقررت أترجاه نسيب المكان كله، وربنا هيرزقنا في مكان تاني. طالما مستضعفين هنا، يبقى أرض الله واسعة. ولما حكيت، اتقهرت أكتر بسبب إحساس العجز اللي مسك جوزي. لكن الغريب إنه بعدها ابتسم، وقالي إن مفيش حد مستضعف وهو موكل ربنا بحياته، وأنا يوم ما بقيت كفيف وكلت ربنا بحياتنا وبيك وبكل خطوة بنمشيها، فوّضت الأمر لله وهتتحل.




