
١٠ دقائق بس.. ده كان الوقت اللي فاضل وبنتي تفارق الحياة، لأن أهلي قرروا إن نقلها للمستشفى «دراما مالهاش لازمة»! من اللحظة دي.. مسحت كلمة «عيلة» من قاموسي، وبدأت خطتي!
على ما وصلت لمستشفى الأطفال، كانت بنتي «ليلى» محطوطة على وجهها ماسك أكسجين شفاف، ورابطين في يديها الصغيرتين اللتين كانتا دائماً تختفيان داخل يدي خرطومين للمحاليل.. جهاز نبض القلب بجانب السرير كان يخرج صوت صفير منتظم.
قبل أن أسرع وأدخل إليها، أمسكت الممرضة بيدي عند باب الطوارئ وقالت لي بثبات: «اهدئي وخليكي متماسكة لحد ما تشوفك.. هي محتاجة تحس إنك جنبها وقوية.» عشان كده وقفت على حيلتي.
ما صرختش.. ما وقعتش على الأرض.. وقفت أراقب بنتي صاحبة الـ ١٠ سنوات وهي بتعافر عشان تسحب الهواء من خلال الماسك البلاستيك.. كل ده لأن الناس اللي ائتمنتهم عليها قرروا إن دور الحساسية الشديدة من الفول السوداني ده «مجرد دلع وبكش بنات»!
قبل السلسلة دي بثلاث ساعات، كنت قاعدة في اجتماع مهم في الشركة وبقدم العرض الربع سنوي.. تليفوني كان صامتاً. لما بصيت فيه أخيراً، لقيت ١٢ مكالمة فائتة من مدرسة ليلى، وفويس نوت من ممرضة المدرسة، ورسالة واحدة من مرام، أخت زوجي: (ليلى أكلت حاجة فيها فول سوداني. إحنا اتصرفنا ومفيش داعي تعملي دوشة وتكبري الموضوع).
اتصلت بممرضة المدرسة، فردت عليّ من أول رنة بصوت يرتعش: «يا مدام، ليلى مشيت من المدرسة مع حماتك.. البنت كانت بتتنفس بالعافية ونفسها مكتوم! أنا قلت لهم يستعملوا حقنة الإبيبن الفورية ويطلبوا الإسعاف فوراً، بس قالوا إن عندهم مواعيد ومش فاضيين وهيتصرفوا هما!»
جسمي كله اتجمد والدم هرب من وشي. اتصلت بحماتي.. ماردتش. اتصلت بـ «أحمد» زوجي.. ماردش.
الأكثر قراءة الان
الكرسي رقم 2A:
منذ ٣ أيام
رجعت وأنا ناوي اربي بنتي واعلمها الأدب
منذ ٣ أيام
حكاية عبير حكايات ملك إبراهيم
منذ يومين
وأخيراً مرام ردت عليّ، وكان جاي من ورائها صوت ضحك أطفال وصوت مياه وزيطة! سألتها بالراحة: «ليلى فين؟» سكتت شوية، سكوت طويل لدرجة إني سمعت حد في الخلفية بيطلب صن بلوك للمياه! قالت لي ببرود: «اهدئي كده يا بنتي.. هي مع طنط هدى الجارة اللي جنبنا.. إحنا ماكانش ينفع نلغي حجز القرية السياحية وحمام السباحة، الولاد الصغار كانوا متحمسين جداً ومش ذنبهم نكد!»
ضغطت بيدي على حائط قاعة الاجتماعات لأن الأرض تحت رجلي فجأة بدأت تتسحب.. «أنتم سبتم بنتي مع الجارة وهي عندها صدمة حساسية وبتموت؟!» قالت لي: «كانت بتتنفس لما مشينا!»
الجملة دي نزلت عليّ أصعب وأقسى من الخوف نفسه.. هو التنفس بالعافية بقى هو المعيار؟! إنها تبقى على قيد الحياة بالعافية بقى هو الطبيعي؟! الأمان هو الأهم.. وهما سابوها ودوروا ظهرهم ومشوا!
قفلت معاها وطلبت الإسعاف بنفسي. الموظف أخذ مني عنوان الجارة، وبعث سيارة الإسعاف فوراً، وفضل يكلمني ويهديني وأنا سايقة العربية وسط زحمة القاهرة وإيداي ماسكتان الدركسيون بكل قوتي عشان ماترعشش.
الجارة طنط هدى كانت لقت ليلى متكومة على الكنبة، شفايفها ابتدت تزرقّ، شنطتها مرمية على الأرض، وحقنة الطوارئ زي ما هي جوه الشنطة محدش لمسها لأن حماتي «ماكانتش عاوزة تكبّر الموضوع وتعمل دراما»!
في المستشفى، الطبيب قالها لي بصراحة: «لو كانت تأخرت ١٠ دقائق كمان.. كان الوضع اختلف تماماً.» لما الممرضة شاورت لي بالراحة، دخلت جنب سرير ليلى. رموشها كانت بتهتز وراء ماسك الأكسجين، ولما حطيت إصبعي في كفها الصغير، ضغطت عليه.. ضغط ضعيف جداً.. بس ضغطت. في اللحظة دي بالظبط.. عرفت أنا مفروض أعمل إيه.
قبّلت جبينها، وخرجت الطرقات.. وتلفنت للمحامي بتاعي. وبعدها اتصلت بـ «أحمد» زوجي. كان لسه في القرية السياحية مع أهله.. كان طنش مكالماتي ورسائلي لأن أمه قالت له إن مراتك «مهووسة وبتهوّل الأمور كالعادة».
سبته لما خلص كل كلامه ومبرراته. وبعدين قلت له بصوت هادئ جداً يقطع الأسفلت: «بنتك في الطوارئ حالياً بين الحياة والموت.. لأن أهلك رفضوا يطلبوا لها الإسعاف.. إياك أسمعك بتقول لي اهدئي أو كبري عقلك.» بدأ يتلعثم ويقول إن أمه كانت فاكرة إن ليلى بقت كويسة.. قفلت السكة في وشه.
المكالمة الثالثة كانت للشرطة. ما عملتش خطب ورغي.. إديتهم حقائق وتواريخ بالساعة والدقيقة:
الفويس نوت بتاع ممرضة المدرسة. رسالة مرام على الواتساب. تقرير المدرسة الطبي للطفلة. التقرير الطبي لغرفة الطوارئ في المستشفى. تقرير المسعفين لحظة وصولهم.
كل ورقة وكل إثبات كان بيقول نفس الحقيقة بطريقة مختلفة: هما كانوا عارفين إن ليلى في خطر يهدد حياتها، واتقال لهم يتصرفوا إزاي، ورغم كده اختاروا الفسحة والبسينة وسابوها تموت!
ضابط الشرطة اللي كان واقف في الطرقات قرأ رسالة مرام مرتين، وبص من الزجاج على ليلى وهي تحت ماسك الأكسجين، وبص لي وقال: «هما فين دلوقتي؟»
الأكثر قراءة الان
الكرسي رقم 2A:
منذ ٣ أيام
رجعت وأنا ناوي اربي بنتي واعلمها الأدب
منذ ٣ أيام
حكاية عبير حكايات ملك إبراهيم
منذ يومين
إديته العنوان بالظبط.. مسك جهاز اللاسلكي بتاعه ورفع إيده—
—ولما الشمس غربت، كانت فسحة القرية السياحية انتهت تماماً.. حماتي ما بقاش ليها عين تقول إن الموضوع «أفرة وتهويل»، كانت قاعدة بتترد على أسئلة وتحقيقات عن السبب اللي يخلي طفلة عندها حساسية حادة تهدد حياتها تتاخد من المدرسة وهي بتتنفس بالعافية، وليه حقنة الطوارئ فضلت جوه الشنطة محدش قرب لها، وليه كل الكبار اللي كانوا عارفين باللي بيحصل كملوا فسحتهم عادي جداً وكأن مفيش حاجة!




