
كانت عندنا أرض زراعية بتحصل فيها مصايب كل يوم تقريبًا، وده لأن النخل فيها كان كتير أوي وعامل زي السور عليها، وده خلى العيال يدخلوا فيها ويعملوا فيها الحاجات الغلط مع البنات وأوقات يخطفوا فيها عيال، كانت مكان مثالي لأي حاجة أنت ممكن تتوقعها.. ولما الخبر انتشر ووصلنا، أبويا بقا يوميًا بيسهر فيها بالسلاح بتاعه عشان يحرسها من بتوع المواد الضارة والعيال بتوع الأفعال الغلط والقذرة، وكان في أوقات بياخدني معاه عشان نسهر مع بعض، وكنا بصورة يومية بنمسك فيها حد بيعمل حاجة مش كويسة.
مرة كام واحد بيدخلوا يشربوا حاجات غلط وكان أبويا بينزل عليهم بالعصاية لحد ما يكسر عضمهم، وربنا كان مديله صحة يضرب ١٠ رجالة مع بعض، لكن أسلوبه كان بيتغير لما بيمسك بنت مع ولد في وضع مش كويس، كان بيضرب الولد ويربطه، والبنت يديها كلمتين لحد ما تنهار وتعيط وتقسم إنها مش هعمل الحاجة دي تاني ويسبها تمشي، وكانت على لسانه جملة واحدة: «يا ويل اللي بيتخفى من الناس ومبيتخفاش من رب الناس.»
كانت الجملة غريبة على وداني وكنت بسأله دايمًا، كان بيقولي إن الناس مهما عملوا فيك مش هيأذوك، إنما رب الناس بصة غضب واحدة منه كفيلة تمحيك من على وش الأرض، ودايمًا يابني راقب نفسك مع الله مش مع الناس.. ومع الوقت بدأت تنتشر السُمعة، وإن أبويا بيعمل ويسوي في اللي بيفكر بس ينزل الأرض، عشان كدا وبدون مقدمات محدش بقا بيقرب منها، ولا حتى من الأراضي اللي حوليها، حتى لما أبويا مكنش بيسهر فيها مكنش حد بيقرب منها، اسم أبويا كان كفيل يخليهم يخافوا يقربوا منها بعد اللي عملوا.
وعدت السنين لحد ما القوة بدأت تروح وأبويا بقا كل شوية يتعب بحُكم السن وأمراض الشيخوخة، وبقا بيتأخر كتير في إنه يروح الأرض ويسهر هناك، وبدأ الكلام يوصلنا إن الأرض بقا بيدخلها الأغراب، وده خلى المرض يزيد على أبويا أكتر، وبقا عايز يطلع بحالته الصحية دي ويحرس الأرض منهم، بس خروجه كان صعب في البرد ده..
كنا بنخاف يخرج وميرجعش تاني، عشان كدا وصاني واداني الأمانة، وقالي أروح أقف مكانه في الأرض كل ليلة، وقالي إني لو خرجت لوجه الله مفيش حاجة هتقف قدامي، وإني هكون قادر على كل حاجة، إنما لو خرجت لأي سبب تاني هبقا ضعيف وحتى الهوا كفيل إنه يخوفني.. وروحت لأول مرة ولوحدي أسهر في الأرض، المكان منغير أبويا مُخيف، كل حاجة في المكان تخليك خايف، صوت الرياح، الضلمة، الأصوات اللي بتيجي من وقت للتاني، لحد ما بدأت أسمع صوت من وسط النخل، ولما قربت لقتهم تلاتة بيشربوا حاجات غلط وسط النخل، والغريب إني لقيت نفسي خايف رغم إن معايا عصاية أبويا، القوة طلعت مش في العصاية، طلعت في اللي ماسك العصاية.
كان اختبار قوي وللأسف فشلت فيه وسبتهم لحد ما خلصوا قعدتهم ومشيوا، مكنتش عارف إيه اللي ممكن يحصل لو قربت منهم أو اعترضتهم، وروحت مرة تانية وتالتة لحد ما لمحت المشهد القذر ده، شاب صغير ومعاه بنت في وضع سيء جدًا، لكن الغريب إن ده تحديدًا أنا اتجرأت عليه، لأنه ضعيف، وضربته وسحلته وهددته لحد ما هرب من قدامي وسابني معاها، وهي كانت مرعوبة ومش قادرة تتكلم.
وبدأت نفسي تراودني للحاجات الغلط، وجملة أبويا بتتردد في ذهني، يا ويل اللي يتخفى من الناس ومبيتخفاش من رب الناس، لكن أنا كنت ضعيف، أضعف مما تخيلت، وعرضت عليها عرض مقابل إني أسيبها تمشي، موعظتهاش زي أبويا لا، أنا عملت زي الشاب ما عمل، وهي وافقت، وبعد ما وافقت مشيت، وقعدت أنا مش فاهم أنا عملت أيه وازاي.
وبعد يومين فوجئت بالشاب جاي، استغربت أوي لكني فوجئت بيه بيعرض عليا إنه يجيب بنتين، وأسمحله يدخل الأرض يدنسها، طالما أنا عملت ده مرة ما أعمله تاني وتالت، وده أنسب مكان لكل ده، ووافقت، وافقت لأني زي ما قلتلكم أنا ضعيف، والشاب اللي ضربته وكان مرعوب مني، بقا مع الوقت بيتجرأ عليا ويتشرط بل وياخد مني فلوس..
ومع الوقت اتعلمت أشرب الحاجات الغلط، وزي ما عملت مع الشاب عملت مع اللي بيشربوا، يدخلوا يشربوا في الأرض وآخد منهم حصة، مرة أبيعها، مرة أشربها، وأهي كلها مكاسب ليا، وفضلت على الحال ده لحد ما بقت الأرض عاملة زي الغرزة، وبقا بيجي أغراب من أماكن بعيدة، عملت تسعيرة وبقا الكل بيتبسط جوه، الكل بلا استثناء.
لحد ما جت الليلة الأسوأ في حياتي، لما كانت فيه قعدة شرب حاجات غلط والناحية التانية كانت فيه جلسة أفعال غلط، واتفاجئت لأول مرة إن واحد من اللي بيشربوا دخل على الولد والبنت بالمطواة وكان عايز البنت بأي طريقة، ولما الشاب دافع عنها مسكوا في بعض، المشهد كان مرعب وبيقول إن فيه مصيبة ممكن تحصل في المكان، دخلت بسرعة ومسكت الشاب اللي شرب حاجات غلط.
أول ما شافني قالي كلمة وجعتني أكتر من السكينة اللي اتغرزت في بطني.. «ما بقاش إلا أنت يا قواد اللي تمسك إيدي..» وقام غارز السكينة في بطني، وأول ما شافوا الدم كلهم بلا استثناء جريوا وسابوني، ولقيت حنفية دم تنزل مني وألم بشع بينهش فيا، كل اللي قدمته عشانهم مشفعش ليا إنهم حتى يلحقوني أو يودوني المستشفى، حاولت اتشاهد مقدرتش، أنا هموت هنا، وهبقا جثة متعفنة، وهدخل القبر وهقابل ربي باللي عملته ده.
لحظات بشعة متمنهاش لألد أعدائي، لحد ما الدنيا بدأت تسود قدامي فعلًا، وآخر حاجة لمحتها كانت صورة أبويا.. لما صحيت كنت فاكر نفسي في القبر بتحاسب، لكن اتفاجئت إني في المستشفى، أبويا المريض لسبب ما حس بالقلق وجه يطمن عليا ولحقني، شالني بدمي مسافة كبيرة لحد ما طلع على الطريق ولحقني.. مكنتش مصدق نفسي، كان نفسي أصرخ بأعلى صوت من الفرحة، أحمد ربنا لحد ما أموت إنه أداني فرصة تانية.




