قصص وروايات

خدعة المصيف

رسالة مرام على الواتساب كانت إدانة صريحة، لأنها اتبعتت بعد ما ممرضة المدرسة حذرتهم بالشرط إنهم يطلبوا الإسعاف فوراً. (إحنا اتصرفنا). بس التواريخ والأوقات على الموبايل أثبتت إنهم ما تصرفوش في أي حاجة!

أحمد اتصل بيا تاني وأنا قاعدة جنب سرير ليلى.. صوته المرة دي كان هادي وخايف، وضاع منه أسلوب الضيق والزهق اللي كان بيتكلم بيه الصبح. قال لي: «أمي قالت إن ليلى كانت بتتنفس لما سابوها!» بصيت لإيدين بنتنا الملزوق فيها الخراطيم، وسمعت صوت الأكسجين وهو بيتحرك جوه الماسك، وقلت له: «وكانت شفايفها بدأت تزرقّ كمان.. وأنت طنشت مكالماتي ورسائلي عشان أمك قالت لك إني مهووسة وبكبر الموضوع!»

حاول يلف ويدور ويخلي الموضوع مجرد سوء فهم، أو سوء تقدير، أو غلطة عائلية كبرت غصب عنهم.. بس أنا رفضت تماماً أساعده إنه يصغّر الكارثة أو يقلل من حجمها.

على وقت العشاء، كانت حماتي محطوطة في موقف التحقيق بيتاخد منها أقوالها.. وفي نفس الوقت، كان المحامي بتاعي معاه نسخ من كل الأوراق والتقارير اللي سلمتها للشرطة.

لما حالة ليلى استقرت والأطباء ووطوا أضواء الأوضة عشان تنام، قلت لأحمد إنه مش هيدخل البيت الليلة دي.. قال لي إن كده بعاقبه على غلطة أمه عملتها مش هو! رديت عليه بوضوح: «لا.. أنا بحمي بنتي من كل واحد اختار إنه ما يحميهاش.»

على نص الليل كده، أحمد اتصل بيا وهو واقف على عتبة باب الشقة.. مفتاحه ما كانش راضي يفتح الباب لأن الكوالين كلها اتغيرت! بصيت لشاشات الموبايل وهي بتنور باسمه جنب سرير ليلى.. والمرة دي، رديت عليه.

رديت عليه وصوتي كان أهدى من الهدوء نفسه، هدء يدوّخ ويخوف أكثر من الزعيق. سمعت صوته جاي من السماعة بيرتعش وبيخبط على الباب بالراحه: «شيرين.. المفتاح مش راضي يلف في الباب! أنتِ غيرتي الكوالين؟ افتحي لي أنا واقف في الطرقات والناس في العمارة هتبص علينا!»

قلت له ببرود: «بيتك؟ أنت مالكش بيت هنا خلاص يا أحمد. هدومك وأ حاجتك الشخصية المحامي بتاعي هيسلمها لك بكرة في شنط، وأي كلام بينّا بعد كده هيكون عن طريق المحكمة.»

صرخ في التليفون: «محكمة إيه وجنان إيه؟! أنتِ عاوزة تخربي بيتنا عشان أمي أخطأت تقدير الموقف؟ أمي ست كبيرة ومريضة ضغط، والشرطة دلوقتي بتطلبها للتحقيق رسمي بسبب البلاغ اللي عملتيه! أنتِ متخيلة أنتِ بتعملي إيه؟ بتدخلي أمي وأختي القسم؟!»

بصيت على ليلى وهي نايمة على السرير، وشفايفها اللي ابتدت ترجع للونها الطبيعي بعد ما كانت هتروح مني، وقلت له كلمة واحدة: «أمك وأختك سابوا بنتك تموت عشان يلحقوا حمام السباحة.. والغياب عن وعيهم ده هيتحاسبوا عليه بالقانون. سلام يا أحمد.»

قفلت السكة في وشه وعملت لرقمه بلوك، وبقيت الرقمين التانيين بتوع أمه وأخته في قائمة المحظورين كمان.

رجعت وأنا ناوي اربي بنتي واعلمها الأدب

تاني يوم الصبح، كانت الأجواء بدأت تشتعل. المحامي بتاعي، أستاذ سامح، جه المستشفى ومعه أوراق وقضايا تزلزل. بص لي وقال لي: «التقرير الطبي بتاع الطوارئ ومعاه شهادة ممرضة المدرسة وشهادة الجارة طنط هدى، مع رسالة الواتساب بتاعة مرام.. كل دي أدلة بتقطع بالتقاعس وتعريض حياة طفلة للخطر (شروع في قتل غير عمد أو إهمال جسيم يؤدي للموت). البلاغ اتصعد للنيابة خلاص.»

في نفس اليوم، النيابة استدعت حماتي ومرام للتحقيق. مرام أخت أحمد كانت فاكرة إن الموضوع «مكالمتين من أخوها وهيخلصوا الأمر»، بس لما لقت نفسها واقفة قدام وكيل النيابة وبتتسال عن الرسالة اللي كتبتها: (إحنا اتصرفنا ومفيش داعي تعملي دوشة) وعن السبب اللي خلاهم يمنعوا الجارة من استخدام حقنة الإبيبن الفورية، بدأت تبتدئ في البكاء وتنهار وتلم التهمة على أمه!

حماتي من ناحية تانية، حاولت تلعب دور الست الكبيرة المريضة اللي «ماكنتش تقصد» وإنها «افتكرت البنت بتتسامخ ودلع بنات»، بس وكيل النيابة واجهها بشهادة ممرضة المدرسة اللي أكدت إنها بلغتهم نصاً: (البنت في حالة صدمة حساسية ولازم إسعاف وحقنة فورية).

الساعة ٢ الضهر، أحمد جه يحاول يدخل أوضة ليلى في المستشفى وهو معاه ورقة من محاميه، بس أنا كنت عاملة حظر زيارة رسمياً من إدارة المستشفى ومفيش حد مسموح له يدخل غيري. الأمن منعه على الباب ووقفوه بره. وقف يصرخ في الممر: «أنا أبوها! من حق أشوف بنتي!»

خرجت له في الممر والناس كلها بتبص علينا. وقفت قدامه وبصيت في عينيه وقلت له: «حقك كأب سقط اللحظة اللي اخترت فيها تسد ودانك وتصدق إن مراتك مهووسة وبنتك بتدلع، بينما كانت روحها بتتسحب.. لو قربت خطوة واحدة كمان، هطلب الأمن يخرجك بتقرير تعدي وضوضاء في مستشفى أطفال.»

أحمد بص لي وهو مش مصدق القوة اللي بقيت فيها.. أنا اللي كنت دايماً بسكت وبسلك عشان المراكب تسير، بقيت واقفة زي السد المنيع.

قبل ما اليوم يخلص، المحامي بتاعي رفع ٣ قضايا دفعة واحدة:

قضية إهمال وتعريض حياة طفلة للخطر ضد حماتي ومرام. دعوى طلاق للضرر مع المطالبة بحضانة ليلى الكاملة ونفقة علاجها. أمر وقتي بمنع أحمد وأهله من الاقتراب من ليلى أو مدرستها.

وفي وسط كل الدوشة دي، ليلى فتحت عينيها أخيراً من غير ماسك الأكسجين.. بصت لي وابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت لي بصوت ضعيف: «ماما.. أنتِ مش تمشي وتسبيني تاني صح؟»

مسكت إيدها وبستها وقلت لها: «ولا عمري هسيبك.. والناس اللي أذوكي، حقك هييجي لحد عندك بالقانون.»

في اللحظة دي بالظبط، جالي إشعار على الموبايل من المحامي بتاعي رسالة فيها: (النيابة أصدرت قرار باستدعاء رسمي وأمر ضبط وإحضار لحماتك ومرام بعد ثبوت حقيقة المماطلة متعمدة).

الرد كان قاسي.. بس دي كانت مجرد بداية الحساب!

المحامي أستاذ سامح وصل المستشفى ومعاه صور رسمية من محاضر النيابة وقرار الضبط والإحضار. بص لي وقال بلهجة حاسمة: «كده الكارت الأكبر بقى في إيدنا. النيابة وجهت رسمياً تهمة الإهمال الجسيم والامتناع عن تقديم المساعدة لشخص في حالة خطر لحماتك ومرام، وبناءً عليه التنازل عن القضية بقى مستحيل بدون إذنك.»

في الوقت ده، كانت الأخبار بدأت تتسرب في عيلتهم زي النار في الحطب. أحمد كان بيكلمني من تليفونات أصحابه وأرقام غريبة بعد ما عملت له بلوك، وكان بيعيّط في التليفون: «شيرين أرجوكي! أختي مرام محجوزة في القسم وأمي جابولها طبيب في التخشيبة لأن ضغطها علي! أنتِ كده بتدمر العيلة كلها! فكي البلاغ وهنعمل كل اللي أنتِ عاوزاه.»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى