
مكنتش اتخيل في حياتي إن تحالف الشر مع الإنسان ممكن يهلك الحرث والنسل، ممكن يعيث في الأرض الفساد، كنت فاكر إن الدنيا مش مُعقدة للدرجة دي، بس القدر كان له رأي تاني، لأني بعد أيام بس هشوف الكابوس ده شخصيًا، بس خلينا نحكي من البداية، وسامحوني لأني لسة تعبان من ليلتها، بس خلونا نرجع لأول الأسبوع لما صحيت يوم السبت بعد الضهر لقيت أمي قاعدة على الكنبة ونظراتها النارية متوجهة ناحيتي..
وصلة جديدة من التوبيخ واللوم والعِتاب، وبصراحة الست عندها حق، مهو لما أبقا شاب عندي ٢٨ سنة ولسة مش لاقي شغل وبنام لحد العصر يبقا كدا فيه حاجة غلط، وفي قاموس أمي دي كارثة كبيرة، لأني في خيالها أنا شاب متجوز ومخلف وبشتغل ومعايا فلوس كتير، لكن الواقع بيقول غير كدا، الواقع بيقول إن أختي هناء اللي بتشتغل وبتجيب فلوس وأنا لا.. وبدأت وصلة التوبيخ أول ما شافتني:
ـ عملت أيه في الشغل اللي قدمت فيه امبارح؟؟
بصتلها وأنا بنفخ وقولت:
ـ وهي الشركة ميتة عليا عشان تقبلني بعد يوم من تقديمي..
ـ يابني أنا مش هعيشلك العمر كله، اسعى واتعب شوية الحياة عايزة راجل يعض فيها..
ـ حاضر يا أمي هعض فيها لحد ما أعملها ساعة في إيديها..
مكملتش الكلمة لأن شبشب أمي الوقور كان بيصفق على وشي، دكتورة في الرماية أمي برضه، خدت الضربة وضحكت ودخلت على الحمام، وأمي برة ماسكة في تليفونها بتتوشوش كالعادة، ومسافة ما خرجت لقيتها بصالي بنظرات حادة أوي، نظرات بتقول إن اللي هتقوله مينفعش يترفض:
ـ خير يا ست الكل؟؟
ـ أنا كلمت مرات عمك وهخليها تكلم عمك محروس تروح تشتغل معاه..
ـ أنت في وعيك يا حاجة ولا كبرتي وعقلك طار..
وطبعًا فردة الشبشب سلمت على خدي التاني وهي بتقول:
ـ أنا عرفت إنه كان هيشغل حد معاه يتعين في الحراسة..
ـ ياما حراسة أيه، ده حارس مقابر، بيحرس المكان بالليل..
ـ مقابر مقابر أنت أولى من الغريب، والمرتب مش وحش، روح معاه لحد ما الشركة تبعتلك..
ـ ياما أنتي مستوعبة أنت بتقولي أيه!!
لقيتها ثارت ثورة غريبة وكانت على وشك البكاء، وعرفت إني مينفعش أرفض، خاصة إنها خلصت كلامها بجملة:
ـ هغضب عليك لو مرحتش تشتغل معاه..
بوست على راسها وقولتلها:
ـ حاضر هكلمه..
ـ لا، تكلمه ولازم يوافق..
ـ حاضر يا أمي حاااااضر..
بعد صلاة المغرب طلعت على بيت عمي قبل نزوله الشغل وكلمته على الشغل، الغريب إنه رفض رفض قاطع كأني طلبت منه حاجة غير مناسبة مثلًا، لدرجة إني اتصدمت من رد فعله الغريب ده، رغم إني عارف إنه مُطالب يعين شاب معاه لأنه عدى الستين من عمره، كرامتي وجعتني من رد فعله بس افتكرت أمي اللي خلاص تعبت من قعدتي في البيت..
قررت أحاول أقنعه بأي طريقة، خاصة لما لعبت على وتر إني لازم أجهز نفسي عشان أقدر أتقدم لبنت عمي، طبعًا هو سمع الكلمة دي واتغيرت معاملته تمامًا، كان نفسه يجوزني بنته وأنا رافض، بس مفيش مانع استغل الكارت ده عشان يوافق مؤقتًا، حاجة مش كويسة أنا عارف والله بس أنا خلاص جبت أخري.. وبعد نقاش طويل أخيرًا وافق، وقالي إنه هيبعت اسمي لشيخ الغفر عشان اتعين في الوحدة المحلية المسؤولة عن التعيين في الحراسة، ومن بكرة هروح معاه الشغل وبالمرة هو يرتاح شوية، وتاني يوم جهزت حالي وعلى بعد المغرب طلعت على المقابر بعد ما بصيت في عيون أمي وأنا حزين..
كانت فخورة بيا وأنا يادوب رايح اشتغل حارس، ست طيبة وغلبانة ونفسها تشوفني ناجح وواقف على رجلي، يالا أهو الشغل مش عيب، مشيت في البلد اللي قفلت أبوابها كأن فيه أوقات صعبة بتفرض نفسها بالليل، ياما كرهت بلدي بسبب العادة الغريبة دي..




