
من بعد صلاة العشاء تقريبًا بتحس إن مفيش كائن حي عايش في المكان، الجو كان برد شديد وأنا ملفوف في الطاقية والكوفية بتاعتي ورايح ناحية مقابر البلد، عمي كانت له أوضة صغيرة على مدخل المقابر، خبطت عليه ودخلت قعدت معاه، بس الغريب إنه مكنش عمي اللي أنا أعرفه، تحس إنه في الشغل كائن تاني، كائن مُخيف، كائن صامت بيمشي على رجليه بوجهه النحيل وعنيه الطافية من بريق الحياة.. شربنا الشاي مع بعض وبدأ يكلمني عن أصول الشغلانة بعُمق غريب، كأنه بيكلمني عن أصل الحياة نفسها، بص ناحية المقابر من الشباك وقال:
ـ أول وأهم سِر لازم تعرفه عن الشغلانة دي إن أي حاجة تشوفها هنا تتجاهلها ومتحكيش عنها أبدًا مهما كانت، وإلا هتواجه مشاكل كبيرة..
كلامه كان مُخيف، غريب، خاصة إنه كان بيتكلم بطريقة غريبة، كأنه إنسان آلي مش بشر، وافقت على كلامه وبعد دردشة قصيرة لقيته طلب ينام شوية، وحذرني مرة تانية من إني اتكلم لو شوفت أي حاجة.. وبعد ساعتين كان شخير عمي تقريبًا مسبب إزعاج لكل المكان، صوت شخيره كان مُزعج أوي، لدرجة إني خرجت من الأوضة رغم البرد اللي في المكان، ووقفت أتأمل المكان غصب عني..
مقابر ضخمة منظرها بيبث جواك رهبة غريبة، مباني عاملة زي الأوض صامتة تمامًا، كأنها أطلال لمدينة قديمة، بتحس إن كل قبر من دول جواه حكاية، بدأت أتخيل الناس اللي سابت الدنيا دي في يوم من الأيام، ووسط تأملاتي وشرودي سمعت صوت احتكاك بالأرض، خطوات خافتة جاية من وسط المقابر، جسمي اترعش بطريقة غريبة، حاولت أعرف مكان الصوت ومشيت بهدوء تام ناحيته، ومن وسط حارة من حارات المقابر ظهر، راجل لابس أسود مُلثم ومش ظاهر أي حاجة من ملامحه، وكان ماشي متوتر وقلقان، وعمال يتلفت حوليه بقلق كبير..
اتخفيت ورا قبر من القبور وفضلت أراقبه في صمت تام، قلبي كان بيدق وأنفاسي بتتسارع بس كنت نوعًا ما متماسك، فضلت أمشي وراه وأنا متخفي وهو كل شوية يبص وراه بقلق وخوف، لحد ما جه عند قبر من القبور وحفر جمبه وحط حاجة عاملة زي الشنطة ودفنها بسرعة، فكرت أهجم عليه أو أعمل أي حاجة بس افتكرت كلام عمي، وخفت أكتر لما توقعت إنه أكيد معاه سلاح..
تتبعته لحد ما خرج من المقابر ورجعت للأوضة وأنا عقلي مشغول بالتفكير، وبعد تفكير طويل وقلق صحيت عمي من نومه، وبكل هدوء حكيتله على اللي شوفته، لقيت نظراته اتغيرت وبدأ ينهج ويغضب، واتكلم بغضب شديد وقال:
ـ مش قولتلك مهما شوفت متتكلمش..
ـ هو أنا بتخيل، ده واحد بيدفن حاجة جمب القبر..
ـ لا أنت بتكذب ونصيحة إياك تنطق بالكلام ده تاني..
ـ أنا مبكذبش..
ـ قولتلك ده محصلش ولو اتكلمت تاني هتمشي من هنا خالص..
خرجت برة الأوضة وأنا غضبان من الراجل ده، الراجل بيتكلم بثقة خلتني أشك في نفسي، كأني بتوهم كل اللي شوفته، وأنا أكتر حاجة أكرهها في حياتي إن حد يقول عليا كذاب، عشان كدا قررت، أنا هعرف أوصل للمكان، وهحفر وأطلع الحاجة دي وأوريها لعمي، أيوة هعمل كدا.
وبدون تفكير دخلت في قلب المقابر، دخلت وأنا غضبان، مخنوق من رد الفعل الغريب من الراجل ده، عصرت ذهني عشان افتكر المكان بالظبط، الأمر مكنش صعب في النهاية، لأني عديت تلت حارات ولمحت الصبار اللي قدام القبر اللي اتدفنت فيه الحاجة دي، جريت على المكان ولقيت مكان الحفر..
حفرت بحماس لحد ما لقيته، كيس أسود ملفوف ومربوط، فكيته بسرعة وقطعت الكيس عشان ألاقي لفافة قماش مربوطة بحبال كتير أوي، فكيت الحبال بتوتر عشان ألاقي حاجة غريبة ملمسها بيتحرك بطريقة غير مألوفة، حسيت بفزع ورميتها من إيدي ورجعت بسرعة لورا، كنت حاسس لسة بحركتها في إيدي رغم إني رميتها، طلعت أجري من المكان وأنا مرعوب، خايف، لحظتها بس سمعت صوت خطوات غريبة بتجري ورايا، كأن فيه خيل بيضرب الأرض بسرعة، جريت أكتر وسط الضلمة وأنا بنهج، خايف، بس الصوت كان بيقرب، بيقرب أوي، حاسس بهزة الأرض تحتيا، وبقربه مني، وفي لحظة عدى من جمبي من غير ما يلمسني، أنا مش شايفه بس سامع صوته كويس أوي، وقفت مكاني أنهج، جسمي بيتنفض..
اتحركت بسرعة ناحية الأوضة اللي فيها عمي، وأول ما وصلت شوفت مشهد مستحيل أنساه مهما عشت، أنا شوفت عمي واقف قدام الأوضة في حالة إعياء شديدة، ووقع من طوله فاقد الوعي، ووقعت أنا من طولي في غيبوبة رهيبة، ولما صحيت لقتني في بيتي وأهل البلد متجمعين حوليا، مرات عمي كانت مالية الدنيا صراخ..
اللي عرفته إنهم لقوا تاني يوم عمي على مدخل المقابر، ولقوني مرمي جمبه، الكل حاول يعرف مني أي حاجة بس أنا كنت في حالة صدمة مش بتكلم، أسبوع كامل وأنا ساكت تمامًا، حتى بعد ما اتدفن عمي وأنا لفيت على دكاترة كتير أوي، وفي النهاية أنا اتكلمت، بس اتكلمت مع شخص حكيم بعيد عن البلد بعد ما سافرت لمحافظة تانية..
وبعد تفكير عميق قالي تفسير منطقي، قالي إن الراجل اللي شوفته ده شخص يقوم بأفعال خبيثة ومضرّة، وإن ده تم بِعلم عمي اللي كان بيأمن له الشغل ده وأكيد بيستفيد بمال أو منفعة، ولما أنا خرجت الحاجة دي تسبب ده في مشكلة كبيرة وانكشاف أمره، وده السبب في صدمة ووفاة عمي..
معرفش ليه وقتها افتكرت جملة عمي: ـ أول سر لازم تعرفه عن الشغلانة إن مش كل اللي بنشوفه بنحكيه.. للأسف أنا حكيت يا عمي، أنت اللي حطيت القاعدة، بس كنت غلطان، اللي يأذي الناس ويعين ظالم يستحق ده، اللي يرضى يشوف الظلم بيقع على الناس من غير ما يدفعه عنهم أو حتى يستنكره يستحق العقاب..
الظلم ظلمات يوم القيامة، وعمي أعان الظالم، عشان كدا كان الهلاك من نصيبه، مش هترحم عليه، ومش هزعل عليه، اللي يعين الظالم يستاهل.. فمن أعان ظالمًا سلطه الله عليه، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ (منْ أعانَ ظالمًا ليدحضَ بباطلهِ حقًّا، فقدْ برئتْ منهُ ذمةُ اللهِ و رسولِهِ)..
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




