قصص وروايات

حكايات اسلام احمد

يأست ومش قادرة ألاقي أي تفسير للي بيحصل، وماكنش قدامي حاجة أعملها غير إني استنى لما يجيب الشاي من المطبخ، وأعمل نفسي نايمة وأعرف هيحصل إيه ساعتها.

لبست ودخلت السرير عادي جداً زي كل يوم، وأول ما جاب كوباية الشاي عملت نفسي بشرب، لكن دلقت نصها بسرعة على السجادة من غير ما ياخد باله، لأن السجادة عندي نوعها تخين فهتشرب أي سوايل تقع عليها ومش هيبان أي أثر للشاي. استنيت بعد كدة دقايق، وعملت نفسي نايمة.

خوفت أوي، وابتدي قلبي يدق بسرعة من كتر التوتر، مش متخيلة أبداً بيعمل إيه. قرب مني أكتر، وبدأ يقول كلام بصوت همس مش مفهوم، زي ما يكون بيطمني أو بيعتذر عن حاجة، وبعدها حسيت بدوخة خفيفة نتيجة بقايا الشاي وغيبت عن الوعي، وما حستش غير تاني يوم الصبح ومعرفش إيه اللي حصل بالضبط.

تاني يوم اتكرر نفس الوضع بالظبط، بس الفرق إن أنا الصبح زوغت من الشغل وروحت اشتريت كاميرا مراقبة صغيرة، وركبتها في زاوية الأوضة، ورجعت الشغل تاني من غير ما يحس. وطبعا أول ما بدأ يحط الدوا في الشاي شربت أجزاء بسيطة ودلقت الباقي، وروحت في النوم زي الليلة اللي فاتت.

استنيت أول ما نزل الشغل وتأكدت إنه فعلا مشى بالعربية، وجريت بسرعة أفتح تسجيلات الكاميرا على الموبايل، واكتشفنا ساعتها المفاجأة الحقيقية!

ظهر في الفيديو وهو بيقرب مني بدموع في عينه، وبيعدل الوسادة تحت رأسي، وبيفتح درج الكمودينو ويطلع “روشتة طبية” تقريرها بيقول إن عندي إرهاق مزمن واضطراب حاد في النوم بسبب ضغط الشغل، وإن الدواء ده ما هو إلا “مخدر خفيف جداً ومقوي للأعصاب” كتبه الدكتور خصيصاً عشان أجبر نفسي على النوم العميق اللي حرمت نفسي منه شهور بسبب السهر والتفكير، وكان خايف يقولي عشان ما أتوترش زيادة!

وفي نفس اللحظة، فتحت درج دولابه ولقيت ورقة حجز في مستشفى كبرى، ومعاها تقرير بيثبت إنه كان بيجهز لي مفاجأة “عملية تصحيح نظر أو استرخاء كامل” في مركز طبي كبير عشان يريحني من تعب الشغل الدائم.

عرفت ساعتها إن خوفه الزائد واهتمامه بيا كان بيتحول أحياناً لتصرفات غريبة خوفاً عليّ، ومن غير أي أذى، ورجعت الحياة بيننا أقوى وأصفى من الأول، لأن الحب الحقيقي دايمًا بيكون وراه نوايا بيضا مش أكتر.

وفجأة ظهر على شاشة الكاميرا ما لم تكن تتوقعه أبدًا؛ فلم يكن يخفي عنها شيئًا مخيفًا كما تخيلت، بل ظهر وهو يفتح درج الكمودينو ويخرج زجاجة دواء ومجموعة من التقارير الطبية الخاصة بها، والتي كانت قد نسيتها أو أهملت قراءتها قبل أشهر.

رأته عبر التسجيل ينحني فوقها بدموع تملأ عينيه، ويمسح جبهتها برفق، وهو يردد بصوت خافت مكسور: “سامحيني يا حبيبتي.. الدواء ده هو الحاجة الوحيدة اللي بتخلیکِ تنامي ساعات عميقة عشان تحمي قلبك وجسمك من الانهيار بعد إرهاق الشغل والسهر المستمر”.

وفي تلك اللحظة، فتحت نادين درج مكتبه الخاص لتكتشف ما لم تكن تراه من قبل: مواعيد لملفات علاج طبيعي دقيقة، وتقارير تؤكد أن إجهادها المزمن كان يهدد صحتها بالخطر، وكان هو يحاول بطريقته الخاصة -رغم قسوتها وغرابتها- أن يجبرها على الراحة التي رفضت أن تأخذها بمحض إرادتها.

فتحت باب الشقة في تلك اللحظة ودخل حاملاً طعاما ساخنا، وما إن رآها تقف ودموعها على خدها، حتى سقطت الكيسة من يده ودرك أنها اكتشفت سره.

نظر إليها باسترخاء وندم وقال بصوت يرتجف: “كنت خايف أخسرك.. كنتي بتشتغلي لحد ما تدوقي وتتعبي، ومكنتيش بتسمعي كلامي لما أقولك ارتاحي.. ملقتش قدامي غير إني أعمل كده عشان أنيمك غصب عنك وترتاحي”.

جلست على الكرسي وهي غير مصدقة حجم الخوف الذي كان يعيشه لأجلها، ووسط دموعها ابتسمت وقالت بصوت هادئ: “كنت تقدر تقولي بدل ما تعيشني في رعب كل يوم”.. اقترب منها واحتضنها بقوة وهو يقول: “كنت خايف تبعدي لو حسيتِ إني بتحكم فيكي.. بس أسف، مش هعمل كده تاني”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى