قصص وروايات

حصلت علي درجة

في نفس اليوم، وصلت رسالة جديدة على موبايلها. رقم غريب. فتحتها: “مريم أنا تبارك.” سكتت لحظة. قلبها ما اتحركش بسرعة زي الأول. كانت الرسالة طويلة: “أنا عارفة إنك زعلانة ومش جاية أبرر حاجة. بس من ساعة ما مشيتي كل حاجة في البيت اتغيرت. ومحدش بقي زي الأول.” قفلت مريم الرسالة. ما ردتش. لكن لأول مرة اسم تبارك ما عملش وجع مباشر. بس سؤال صغير جواها: ليه لسه بترسلي؟

في المساء، رجع سيف يقف قدام باب أوضة مريم القديمة في البيت. أو بالأصح، الباب اللي ما بقاش ليه معنى زي الأول. الأم كانت وراه: “هتعمل إيه؟” رد سيف بهدوء: “مش عارف، بس إحنا خسرنا حاجة مش مفهومة.” الأب من بعيد قال بصوت واطي: “هي كبرت قبل ما إحنا نلاحظ.” ضحك سيف ضحكة قصيرة بلا فرح: “لا، إحنا اللي اتأخرنا نفهم إنها كانت بتصغر جوه وهي ساكتة.”

في الجامعة، كانت مريم قاعدة في أول محاضرة. دكتور بيتكلم عن الطب، عن البداية، عن الإنسان. لكن هي كانت بتكتب جملة صغيرة في كشكولها: “مش لازم أكون أقوى واحدة، كفاية أبقى أنا.” رفعت عينيها لأول مرة بدون ثقل. وبس. ومن اللحظة دي، مريم ما كانتش بتبدأ حياة جديدة. هي كانت بس بتكمل حياتها صح.

الأيام بدأت تمشي بشكل مختلف. مش بسرعة، لكن بثبات غريب، كأن مريم بتتعلم تمشي من جديد من غير ما تبص وراها كل شوية. في الجامعة، بدأت تدخل المحاضرات بانتظام، تقعد في الصفوف الأولى، وتكتب ملاحظات صغيرة بخط مرتب لأول مرة بدون توتر. لكن الأهم إن صوت البيت القديم بدأ يخف. مش اختفى تمامًا، لكنه بقى زي ذكرى بعيدة، مش جرح مفتوح.

في بيت الطالبات، كانت رنا قاعدة قدام مريم وهي بتاكل: “عارفة؟ إنتِ بقيتي أهدى.” ابتسمت مريم بخفة: “أنا مش أهدى، أنا بس مش بتخانق جوا دماغي طول الوقت.” ضحكت رنا: “دي أعظم ترقية في الحياة أصلًا.” سكتت لحظة، ثم قالت: “سيف كل يومين بيكلمني.” رفعت مريم عينيها. “بس ما اتفاجئتِش.” قالت رنا: “وبيسأل عليكي.” هزت مريم كتفها: “وإنتِ بتقولي له إيه؟” قالت: “بقول له إنكِ عايشة بس مش متاحة.” سكتت مريم لحظة، ثم قالت بهدوء: “كويس.” كلمة واحدة بس كانت تقيلة على طريقة جديدة في حياتها.

في البيت القديم، كان سيف واقف قدام المراية، لابس نفس الهدوم، بس مش شايف نفسه زي الأول. الأم دخلت: “لسه مكلمتش أختك؟” ضحك سيف بسخرية خفيفة: “هي مش عايزة أختها دلوقتي.” ردت الأم بسرعة: “إنتوا اللي كسرتمها.” الصمت وقع في الغرفة. الجملة دي كانت أول مرة تتقال بصوت عالي. سيف ما ردش. بس عينه اتغيرت.

في الجامعة، الدكتور نادى أسماء الطلبة: “مريم أحمد؟” رفعت إيدها: “معانا.” أول مرة حد ينادي اسمها وما يكونش وراه مقارنة. بعد المحاضرة، زميلة جديدة قربت منها: “إنتِ دايمًا بتكتبي بسرعة، إنتِ شاطرة بجد.” ابتسمت مريم ابتسامة بسيطة: “أنا بس بخاف أنسى اللي بيتقال.” ضحكت الزميلة: “شكلنا هنكون أصحاب.” سكتت مريم ثانية. مش لأنها مش عايزة، لكن لأنها بتتعلم حاجة جديدة اسمها الثقة البطيئة.

في المساء، وصلها إشعار جديد. رسالة من تبارك: “مريم أنا مش كويسة.” بصّت مريم للشاشة فترة طويلة. لكن المرة دي ما فيش صدمة. بس هدوء. فتحت الرسالة: “أنا عارفة إنكِ مش عايزة تتكلمي معايا، بس أنا فعلاً مش مبسوطة من غيرك. البيت كله بقى تقيل. حتى سيف مش زي الأول.” قفلت مريم الموبايل، وحطته على السرير جنبها. سألتها رنا: “مش هتردي؟” قالت مريم: “مش كل وجع محتاج رد.” سكتت لحظة، ثم أضافت: “وفيه ناس لازم تتعلم تعيش من غير ما تعتمد على وجودك علشان ترتاح.”

في نفس اللحظة، في البيت القديم، كانت تبارك قاعدة لوحدها في الأوضة، الفستان الأزرق متحط في الدولاب، بس مفيش فرحة حواليه. أمها مشغولة. أبوها ساكت. وسيف مش بيضحك.

في الليل، خرج سيف يقف في البلكونة. الموبايل في إيده. فتح صورة قديمة لمريم وهي صغيرة، ضحكتها كانت واضحة، بريئة، من غير أي ثقل. فضل يبص لها فترة طويلة. ولأول مرة، قال بصوت واطي لنفسه: “إحنا ما كناش شايفينها أصلًا.”

في بيت الطالبات، كانت مريم نايمة. بس قبل ما تغمض عينيها، ابتسمت. مش لأنها ناسية الماضي، لكن لأنها لأول مرة مش محتاجة تصحي علشانه.

في صباح اليوم التالي، صحيت مريم على صوت خفيف في الممر، مش زي الأول. الصوت بقى جزء من المكان، مش دخيل عليه. فتحت عينيها بهدوء، وبقت لحظة ساكتة كأنها بتتأكد إنها فعلًا في مكانها الجديد. قامت، غسلت وشها، ولبست هدوم الجامعة. بس قبل ما تخرج، لقت ظرف صغير متساب تحت باب الغرفة. انحنت بسرعة، فتحته. جواه ورقة مكتوب فيها بخط بسيط: “لو احتجتي أي حاجة في الجامعة أو الأوراق، أنا موجودة. د. هناء.”

وقفت لحظة. مش متعودة إن حد يساعدها من غير مقابل عاطفي أو ضغط. حضنت الورقة شوية وبعدين حطتها في شنطتها.

في الجامعة، كان اليوم مختلف. في إعلان على لوحة الكلية: “مشروع تطوعي لطلبة الطب الجدد، تدريب ميداني في مستشفى الجامعة.” شافت رنا الإعلان بسرعة: “إنتِ لازم تشتركي.” بصّت لها مريم: “أنا لسه سنة أولى.” ردت رنا بثقة: “وأنا لسه شايفة إنكِ بتفكري كأنكِ متأخرة، مع إنكِ سبقتي نفسك أصلًا.” سكتت مريم لحظة، ثم ابتسمت: “طيب قدميلي اسمي.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى