
. لكن إيدها كانت بتترعش لأول مرة. رنا لاحظت: “هتردي؟” بصت مريم قدامها: “لو رجعت دلوقتي مش هارجع، أنا هيرجعوا هم اللي كانوا عايزينني أكونه.” سكتت، ثم أضافت: “وأنا مش قادرة أكون حد تاني تاني.”
في اللحظة دي، الباب خبط بقوة غير معتادة. صوت صاحبة البيت: “مريم في حد بره عايز يشوفك.” بصّت لها رنا فورًا: “مين؟” قامت مريم ببطء. وخرجت للممر. وقفت عند الباب. وبمجرد ما فتحته، اتجمدت. كان واقف سيف. لكن مش زي الأول. لا ضحك، لا ثقة، لا استهزاء. وشه كان مرهق وعينيه فيها حاجة جديدة: ارتباك. ولأول مرة، صوته طلع هادي: “مريم لازم نتكلم.”
مريم وقفت مكانها. مشيت خطوة للوراء تلقائيًا، كأن وجوده عند الباب رجّعها ثانية واحدة لورا في الزمن، لبيت الصراخ، والاتهام، والصفعة اللي ما اتنسيتش. سيف لاحظ الحركة. وسكت لحظة: “مش جاي أزعلك.” قالها بهدوء غريب عليه. رنا كانت واقفة ورا مريم مباشرة، عينيها ما بينه وبينها بحذر. قالت مريم بصوت ثابت: “اتكلم.”
سيف خد نفس طويل: “أمي تعبانة من امبارح، من ساعة ما مشيتي.” سكت ثانية: “وأبويا مش بيقول حاجة بس واضح إنه مش مرتاح.” مريم ما اتحركتش: “و؟” الكلمة كانت قصيرة لكنها قاسية. بص لها سيف مباشرة: “إحنا ما توقعناش إنك تمشي كده.” ابتسمت مريم ابتسامة خفيفة جدًا، بدون أي فرح: “وأنا ما توقعتش إنكم تشوفوني بالشكل ده.”
شد سيف على إيده، كأنه لأول مرة مش عارف يرد. ثم قال بسرعة، وكأنه بيحاول يلحق حاجة بتضيع: “موضوع تبارك مش زي ما إنتِ فاهمة.” رفعت مريم حاجبها بهدوء: “مش زي ما أنا فاهمة إيه؟” سكت سيف. وهنا ظهر أول ارتباك حقيقي في صوته: “إحنا كنا بنحاول نخفف عنها، هي أصلًا نفسيتها كانت وحشة.” قاطعه صوت مريم، أهدى من المتوقع: “وكنتوا محتاجين تكسروني علشان تخففو عنها؟”
فتح سيف فمه وبعدين سكت. لأول مرة مفيش جملة جاهزة. تدخلت رنا بهدوء: “هو جاي يبرر ولا جاي يرجّعها؟” بص لها سيف بسرعة، ثم رجع لمريم: “أنا جاي أفهمك إنك غلطتي لما خرجتي بالشكل ده.” هزت مريم رأسها ببطء: “أنا خرجت لما فهمت الحقيقة.” صمت. ثقيل. موجع.
في اللحظة دي، صوت من داخل البيت القديم ظهر في دماغ سيف، مش صوت مريم، صوت السكوت اللي حصل بعد ما مشيت. كأن البيت نفسه فقد حاجة مش متعوّضه. قال سيف بصوت أقل ثقة: “طيب وإيه اللي عايزاه دلوقتي؟” بصت له مريم لحظة طويلة. مش غضب، مش دموع، بس هدوء غريب. ثم قالت: “ولا حاجة منكم.”
الكلمة وقعت عليه كأنها أقوى من أي صراخ. حاول سيف يتمالك نفسه: “يعني خلاص؟ هترمي كل حاجة؟ العيلة؟ البيت؟” ردت مريم فورًا: “أنا ما رميتش حاجة، أنا بس بطلت أكون أنا اللي بيترمي عليه كل حاجة.” سكتت ثانية، ثم أضافت: “البيت اللي محتاج حد يكون أقل عشان غيره يبان، مش بيت.”
اتجمد سيف. بصت رنا لمريم كأنها لأول مرة تشوفها بوضوح. في اللحظة دي، صوت جرس بعيد رنّ في الممر. واحدة من البنات نادت: “في مكالمة ليكي يا مريم!” مريم ما اتحركتش فورًا. لكن سيف قال بسرعة: “ردي، يمكن أمك.” عينيها ثبتت عليه لحظة. ثم قالت بهدوء: “لو كانت أمي، كانت هتجي بنفسها.” وسابته واقف. ورجعت جوه. الباب اتقفل. بس المرة دي، ما اتقفلش بقوة. اتقفل كحدّ بين مرحلتين.
سيف فضل واقف مكانه. مش عارف يتحرك. مش عارف يرجع. وفي البيت القديم، أول مرة الأم سألت بصوت منخفض: “هي فعلاً مش ناوية ترجع؟” ومحدش رد. لكن الإجابة كانت واضحة في السكوت.
أما مريم، فكانت قاعدة على سريرها، إيدها على الكشكول. وبعد دقيقة صمت طويلة، فتحت صفحة جديدة وكتبت: “أنا مش ماشية منكم، أنا رايحة لنفسي.” وبدأت تكتب أول سطر في حياة ما حدش فيها يقرر عنها غيرها.
ساعات الليل في بيت الطالبات كانت أهدأ من أي ليلة عاشتها مريم قبل كده. مش هدوء مريح تمامًا، لكنه هدوء صادق، مفيهوش أصوات متخفية تحتها حكم أو مقارنة أو لوم. كانت قاعدة على طرف السرير، إيدها على الكشكول، بس عينها مش بتكتب. رنا دخلت بهدوء، وقعدت جنبها: “لسه مش قادرة تذاكري؟” هزّت مريم رأسها: “مش المشكلة في المذاكرة، المشكلة إني لأول مرة مش عارفة أبدأ منين وأنا مش شايلة صوت حد في دماغي.”
ابتسمت رنا ابتسامة خفيفة: “ده معناه إنك بدأتِ تعيشي صح.” سكتت لحظة، ثم أضافت: “بس النهارده شكلك اتكسفتي من سيف.” رفعت مريم عينيها بسرعة: “ما اتكسفتش.” قالت رنا: “اتضايقتي؟” سكتت. وبعدين قالت بصوت منخفض: “أنا بس كنت مستنية منه حاجة واحدة: إنه يفهم.” هزت رنا رأسها ببطء: “أحيانًا الناس اللي بنستنى منهم الفهم هم آخر ناس بيفهموا.”
في نفس الوقت، في البيت القديم، سيف كان واقف في أوضة الصالة لوحده. الموبايل في إيده، لكنه مش فاتح حاجة. أول مرة يحس إن البيت كبير زيادة عن اللزوم. الأم كانت قاعدة على الكنبة، صوتها هادي: “هي قالت إيه؟” ما ردش سيف بسرعة. ثم قال: “قالت إنها مش راجعة.” رفعت الأم عينيها له: “هترجع.” لكن سيف هز رأسه ببطء: “مش بالشكل اللي إحنا فاهمينه.”
الصمت دخل المكان تاني. الأب كان بيبص في الأرض كأنه بيفكر في حاجة بعيدة. ثم قال بصوت واطي، كأنه بيسأل نفسه: “إحنا غلطنا؟” محدش رد. لأن لأول مرة السؤال ما كانش له إجابة سهلة.
في صباح اليوم التالي، قامت مريم بدري. لبست هدوم بسيطة، وشالت شنطة صغيرة، وراحت الجامعة مع رنا. أول مرة تدخل المكان ده وهي مش شايلة إحساس إنها لازم تثبت حاجة للعيلة. الجامعة كانت واسعة، مليانة طلبة، صوت ضحك، حركة، حياة. وقفت لحظة عند البوابة. قالت رنا: “جاهزة؟” بصت مريم قدامها: “أنا طول عمري كنت جاهزة، بس كنت متحجزة في مكان غلط.” ودخلت.




