قصص وروايات

حصلت علي درجة

وسحبت حقيبتها. قال سيف بسرعة، لأول مرة بنبرة غير واثقة: “مريم استني.” لكنها لم تتوقف. فتحت الباب. الهواء البارد دخل مرة واحدة، كأنه يمسح عنها شيء ثقيلًا جدًا. وخارج الباب، كانت رنا واقفة عند السيارة، ترفع يدها بابتسامة صغيرة: “يلا.”

نظرت لها مريم. ثم نظرت خلفها مرة أخيرة. لم يكن هناك صراخ الآن، ولا اتهام. فقط صمت مختلف عن كل الصمت السابق. صمت لا يطلب منها أن تعتذر، بل يتركها تمشي. خطت خطوة خارج البيت، ثم خطوة أخرى، ثم أغلقت الباب خلفها. ليس بعنف، بل بهدوء يشبه قرارًا تم تأجيله سنوات.

وفي اللحظة التي جلست فيها بجانب رنا داخل السيارة، سألتها الأخيرة بصوت منخفض: “ندمانة؟” نظرت مريم للأمام. الشارع كان يمتد واسعًا، أوسع من البيت، وأخف. قالت: “مش ندمانة، أنا بس متأخرة.” ثم أضافت بعد لحظة صمت: “بس أخيرًا بدأت.” وانطلقت السيارة. وخلفها ظل البيت ثابتًا في مكانه. لكن مريم كانت لأول مرة تتحرك للأمام.

السيارة كانت تمشي ببطء في شوارع بغداد الصباحية. الهدوء داخلها كان غريبًا على مريم، كأنه شيء جديد لا تعرف كيف تتعامل معه. رنا كانت تقود، بين الحين والآخر تنظر إليها من طرف عينها: “عايزة تروحي فين الأول؟ بيت الطلبة؟ ولا نروح نشرب حاجة ونفوق؟” ظلت مريم تنظر من النافذة. البيوت تمر، الناس، المخابز، الأطفال في الطريق إلى المدارس، كل شيء يبدو عاديًا جدًا، وكأن حياتها لم تكن قبل ساعة تنكسر بالكامل. قالت أخيرًا: “بيت الطالبات.” هزّت رنا رأسها بدون أسئلة زيادة: “تمام.”

لكن بعد دقائق، هاتف مريم اهتز مرة أخرى. نظرت إليه بتردد. رسالة من رقم سيف: “ارجعي حالًا. أبوكِ مش راضي عن اللي حصل. الموضوع بيتفاقم.” لم تفتح الرسالة كاملة. قفلت الشاشة. ثم حطت الهاتف في حقيبتها وكأنها بتقفل باب قديم من حياتها. رنا لاحظت: “هو بيضغط عليكِ؟” ابتسمت مريم ابتسامة خفيفة جدًا، أول ابتسامة حقيقية من أيام: “هو مش عارف إن الباب اتقفل أصلًا.”

وصلوا بيت الطالبات قرب الجامعة. مكان بسيط، جدرانه قديمة، لكن فيه حياة واضحة: بنات يدخلن ويخرجن، ضحك خفيف في الممرات، وكتب على الطاولات. لما نزلت مريم من العربية، وقفت لحظة. نفس الهواء، لكنه مختلف. هنا لا أحد يعرف تبارك. ولا أحد ينتظر منها أن تكون خلفية لحد.

صاحبة البيت، امرأة خمسينية بابتسامة دافئة، خرجت تستقبلهم: “أهلاً يا بنتي أنتِ مريم؟” هزّت رأسها: “أيوه.” نظرت لها المرأة نظرة قصيرة ثم قالت: “رنا كلّمتني عنكِ، تعالي.”

دخلت مريم. في الداخل، كان هناك عالم بسيط لكنه حيّ. بنات يذاكرن، أخرى تطبخ في المطبخ المشترك، صوت غلاية ماء، وضحك في الخلفية. لا أحد يسألها ليه ساكتة؟ ولا أحد يقول خليكِ زي تبارك. جلست في غرفة صغيرة لها سرير ومكتب. بس كان كافي. وضعت حقيبتها على الأرض، وجلست على طرف السرير. لأول مرة منذ وقت طويل لم تشعر أن أحدًا يراقبها.

في نفس اللحظة، في البيت القديم، كانت تبارك واقفة في نفس الفستان الأزرق، لكن ابتسامتها بدأت تهتز. سيف كان يمر في الصالة ذهابًا وإيابًا: “هي فاكرة نفسها هتروح وتختفي كده؟” الأب كان صامتًا هذه المرة. لكن الأم كانت تنظر للأرض، كأنها لأول مرة لا تجد جملة جاهزة.

في بيت الطالبات، دخلت رنا الغرفة، ووضعت كوب شاي أمام مريم: “هتفضلي ساكتة كده كتير؟” رفعت مريم عينيها: “أنا مش ساكتة، أنا بس أول أول مرة ما عنديش حاجة أثبتها لحد.” سكتت رنا. ثم ابتسمت: “ده أحلى شعور ممكن توصلي له.”

في تلك الليلة، فتحت مريم شنطتها. طلعت ميدالياتها، شهاداتها، ورقة القبول في كلية الطب. حطتهم على المكتب. بصّت لهم. لكن المرة دي ما كانتش بتتأكد إنها تستحقهم. كانت بتتأكد إنها ما ضاعتش علشانهم. وبهدوء أغلقت النور.

وفي بيتها القديم، لأول مرة، لم تكن هي التي تفكر فيهم. بل هم الذين بدأوا يفكرون: هي راحت فين؟ وليه ما رجعتش؟

في الصباح التالي، استيقظت مريم على صوت غير مألوف: ضحك خفيف في الممر، وصوت غلاية الشاي، وخطوات بنات رايحين جايين. لكن الأهم، إنها لأول مرة ما سمعتش صوت سيف بينادي باسمها. فتحت عينيها ببطء. السرير بسيط، السقف فيه شقوق صغيرة، لكن الإحساس كان أخف من أي يوم في بيتها القديم. جلست على طرف السرير. ثواني صمت. ثم مدّت إيدها للموبايل. لا رسائل جديدة. ولا مكالمات. غريب. كأن البيت اللي كان بيخنقها طول عمرها فجأة قرر يسكت.

في نفس اللحظة، الباب خبط. رنا دخلت وهي شايلة فطار بسيط: “صحيتِ؟” هزّت مريم رأسها. بصّت لها رنا لحظة طويلة، ثم قالت: “في حد كان بيكلمني امبارح من رقم غريب، صوت سيف.” رفعت مريم عينيها فورًا، لكن ملامحها ما اتغيرتش: “قال إيه؟” سكتت رنا ثواني: “كان متعصب وبيقول إنكِ لازم ترجعي، وإنكِ بتكسري العيلة.” أخذت مريم نفس ببطء، ثم قالت بهدوء: “أنا ما كسرتش حاجة، أنا بس بطلت أمسكها وهي بتقع عليّا.” سكتت رنا، كأن الجملة دي فهمت حاجات كتير.

في نفس الوقت، في البيت القديم، الجو كان مختلف تمامًا. تبارك لسه لابسة الفستان الأزرق، لكن المكياج بدأ يثقل على ملامحها بدل ما يجمّلها. الأم كانت بتلف في الصالة وهي ماسكة الموبايل: “لسه ما ردتش؟” الأب بصوت منخفض: “سيبيها يومين هتهدى وترجع.” لكن سيف كان واقف عند الباب، عينيه مش ثابتة: “دي أول مرة تعملها مريم، عمرها ما خرجت كده.” ردت الأم بسرعة: “علشان دلع، هترجع لما تفهم إنها غلطت.” لكن سيف ما كانش مقتنع. كان في حاجة في دماغه بتوجعه، إحساس جديد ما يعرفش اسمه. مش غضب بس. لا. قلق.

في بيت الطالبات، كانت مريم قاعدة قدام مكتب صغير، وبتفتح كشكول جديد. كتبت في أول صفحة: “مريم كلية الطب.” بس وقفت لحظة. وبعدها مسحت “مريم بيت العيلة” اللي كانت لسه متعلقة جواها، وكتبت بدلها: “مريم لوحدي.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى