قصص وروايات

حصلت علي درجة

كانت أمي تقف خلفها تعدّل السحّاب. وحين رأتني، خفضت عينيها فورًا. كانت تعرف. رمى سيف هاتفه فوق الأريكة وقال بضيق: “لا تنظري بهذه الطريقة يا مريم. يوم الحفل ارتدي شيئًا بسيطًا فقط. أنتِ طويلة أصلًا، ولا نريدكِ أن تطغَي على تبارك أمام الكاميرات.”

لم أُجب. دخلتُ غرفتي، أغلقتُ الباب، وأخرجتُ حقيبة السفر. وضعتُ فيها بطاقتي الشخصية، وشهاداتي، وخطاب القبول، وبعض الملابس، وميدالياتي، وذاكرة ال التي احتفظتُ فيها بلقطات شاشة من مجموعة الأربعة. ثمانية عشر عامًا عشتُها داخل ذلك المنزل، وكلّ ما أملكه كان يتّسع داخل حقيبة ظهر، وحقيبة سفر صغيرة.

وفي صباح اليوم التالي، عند الخامسة تمامًا، دوّى صوت سيف في غرفة الجلوس: “تبارك، أسرعي! خبيرة المكياج وصلت.” خرجتُ من الغرفة وحقيبة الظهر فوق كتفي. وكانت أمي أول من رآني. تجمّدت في مكانها، بتعبير مرتبك، بين الخجل والخوف: “إلى أين تذهبين؟”

نظرتُ إلى تبارك بفستاني الأزرق، وإلى سيف بابتسامته الباردة، وإلى أبي الذي كان يراجع هاتفه منتظرًا بدء حفل المدرسة الذي لن أكون جزءًا منه. وفي تلك اللحظة، اهتزّ هاتفي.

في اللحظة التي اهتزّ فيها الهاتف، لم ترفع مريم عينيها فورًا. نظرت إليه فقط وكأنها تخشى أن يكون مجرد اسمٍ آخر يطلب منها أن تبقى، أن تصمت، أن تتنازل. اسم المتصل ظهر على الشاشة: الأستاذة هناء. تجمّد شيء خفيف داخل صدرها. رفعت الهاتف ببطء: “أستاذة؟”

جاء صوت هناء مختلفًا هذه المرة، أقل رسمية وأكثر قلقًا: “مريم أين أنتِ؟ مديرية التربية وصلت، وكل شيء جاهز للتصوير، والصفحة التعليمية تنتظركِ. الناس بدأت تسأل عنكِ.” سكتت مريم لحظة. نظرت إلى البيت خلفها. تبارك ما زالت واقفة أمام المرآة، تبتسم للفستان الأزرق. أمها تضع لمسة أخيرة على شعرها وكأنها تستعد لحياة كاملة. وسيف يضحك في زاوية الغرفة على مقطع في هاتفه، كأن شيئًا لم يحدث. أما أبوها فكان منشغلًا بتقويم الوقت.

قالت مريم: “أنا لن آتي يا أستاذة.” الصوت خرج هادئًا أكثر مما توقعت هي نفسها. سكتت هناء لثوانٍ: “مريم هذا قرار كبير. أنتِ الأولى على المحافظة. هذه لحظة حياتك.” ابتسمت مريم ابتسامة صغيرة بلا روح: “لحظتي انتهت قبل أن تبدأ.” وأغلقت الخط.

في تلك اللحظة، التفتت الأم أخيرًا نحوها: “إلى أين تذهبين يا مريم؟” صوتها كان أقل حدة من المرة السابقة، فيه ارتباك، كأنها لم تكن تتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد. رفعت مريم حقيبة ظهرها على كتفها: “بغداد.” رفع سيف رأسه بسرعة: “بغداد؟! على أي أساس؟” واقترب خطوة منها: “بتتدلعي؟ بعد شوية حفل وتتصوري وخلاص.”

نظرت له مريم مباشرة هذه المرة. نظرة طويلة، هادئة، مختلفة: “أنا مش هتتصور.” ضحك بسخرية: “بقى كده؟ بعد كل اللي عملناه؟” لم ترد. لأنها لأول مرة فهمت أن أي رد لن يغيّر شيئًا. تقدّم الأب قليلًا، صوته أكثر برودًا: “ارجعي أوضتك يا مريم. ما يحصلش مشاكل يوم زي ده.” لكنها لم تتحرك. كانت واقفة فقط كأنها تقيس لأول مرة المسافة بينها وبين حياتها القديمة. ثم قالت: “أنا مش ماشية علشان أزعلكم، أنا ماشية علشان ما أضيعش نفسي أكتر.”

سكت الجميع. حتى تبارك توقفت عن الابتسام للحظة. في الخارج، صوت سيارة رنا كان قد اقترب. بوق خفيف. انتبهت مريم له. هذه أول مرة منذ أيام تشعر أن هناك شيئًا ينتظرها خارج هذا الباب. تقدمت الأم خطوة أخيرة، صوتها انكسر قليلًا: “يعني خلاص؟ هتمشي؟” لم تجب مريم مباشرة. نظرت إلى البيت كله، إلى الحائط، إلى الصور، إلى المطبخ، إلى باب غرفتها. ثم قالت بهدوء: “أنا ما كنتش عايشة هنا، كنت بس بحاول أكون مناسبة ليكم.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى