
خفضت تبارك رأسها فورًا، ثم قالت بصوتٍ مكسور: “أرجوكم لا تتحدثوا عن هذا الموضوع. أشعر بالسوء.” وفي اللحظة نفسها، التفت إليّ سيف بنظرة امتلأت ضيقًا واتهامًا: “أرأيتِ ما الذي تسببتِ به؟ لو لم تُخفِ ملزمة تبارك، لكان لديها أيضًا ما تحتفل به.”
مدّت أمي يدها تمسّد شعر تبارك بحنان، ثم قالت بهدوء: “مريم، يوم الحفل لا تبالغي في التأنق. ابنة خالتك تحتاج أن تستعيد ثقتها بنفسها. يمكنكِ أن تشاركيها بعض الاهتمام، أليس كذلك؟”
وضعتُ الملعقة فوق الطبق ببطء. أردتُ أن أخبرهم أنّ المقابلة أُلغيت. أردتُ أن أخبرهم أنّني لن أظهر أمام أي كاميرا، ولن أسمح بأن يتحوّل تعبي وسنوات دراستي إلى مجرد خلفية جميلة لشخصٍ دسّ دليلًا مزيفًا داخل وسادتي. لكنني اكتفيتُ بالنظر إليهم. الثلاثة كانوا يحيطون بتبارك وكأنها شيء هشّ قد ينكسر في أي لحظة. أما أنا، الابنة الحقيقية الموجودة بينهم، فكنتُ المذنبة دائمًا، حتى وأنا المتفوّقة. لم أقل شيئًا.
بعد العشاء، أرسلتُ رسالة إلى أعزّ صديقاتي، رنا: “هل يمكنني البقاء عندكم الليلة؟” وصلني ردّها خلال ثوانٍ: “ماذا فعلت الآن تلك البريئة المزيّفة تبارك؟” كتبتُ: “سأخبركِ لاحقًا.” ردّت: “تعالي أمي أعدّت الحلوى.”
وأنا داخل السيارة، فتحتُ تيك توك. وأول ما ظهر أمامي كان فيديو جديد لتبارك. حقيبة وردية فوق السرير، نظارة شمسية، أكواب قهوة من الكرادة، وفستان أزرق معلّق أمام المرآة. أما العبارة المكتوبة على الشاشة فكانت: “لم أصبح من الأوائل لكن لديّ عائلة تحبّني أكثر من أي شهادة.” وكانت التعليقات تنهال أسفل الفيديو: “يا لها من عائلة رائعة.”، “واضح أنهم يدعمونكِ فعلًا.”، “أنتِ تستحقين كل هذا الحب يا جميلة.”
ضغطتُ زر الإعجاب، ثم كتبتُ تعليقًا واحدًا فقط: “أتمنى لكم السعادة دائمًا.” لم تمرّ دقيقة حتى وصلتني رسالة منها: “ابنة خالتي، هل شاهدتِ الفيديو؟ لا تشعري بالسوء. أخوالي فقط يريدون تحسين نفسيتي قليلًا. لديكِ حفل التكريم أصلًا.” لم أُجب.
وبعدها مباشرة، اتصل بي سيف: “هل أنتِ مريضة؟ لماذا كتبتِ ذلك التعليق لتبارك؟” قلتُ: “فقط تمنّيتُ لها السعادة.” ضحك بسخرية قصيرة: “لا تتظاهري بالبراءة. أنتِ دائمًا تفسدين كل شيء عليها.” قلت: “هل هناك شيء آخر؟” تنهد بضيق، ثم قال: “نعم. ابحثي لها عن خبيرة تجميل جيّدة. التصوير قد يساعدها على الانتشار في السوشيال ميديا. وأرجوكِ، لا تفتعلي أي دراما. إذا استمرّ هذا الأسلوب منكِ، فلن يدفع والداي مصاريف جامعتكِ.”
نظرتُ عبر نافذة السيارة. أضواء بغداد كانت تبدو ضبابية خلف الزجاج. فقلتُ بهدوء: “لا أحتاج إليهم.” ثم أغلقتُ الخط.
في منزل رنا، استقبلوني بعصيرٍ بارد وطعامٍ ساخن، وكأنني ضيفة مهمّة لا فتاة تهرب من بيتها. سألتني والدتها وهي تضع الطعام أمامي: “متى سيكون حفل تكريمكِ يا مريم؟ سنحضر جميعًا. هذه النتيجة تستحق الاحتفال.” شعرتُ بغصّة تخنق صوتي. قلتُ: “لن يكون هناك حفل.” رفعت رنا رأسها نحوي فورًا: “ماذا؟” لكن والدتها لم تسأل شيئًا آخر. فقط وضعت قطعة إضافية في طبقي وقالت بهدوءٍ يشبه الطبطبة: “إذًا سنحتفل هنا حتى لو كان الاحتفال بكعكة بسيطة ومشروب غازي.”
في تلك الليلة، بكيتُ فوق سرير رنا بصمت. وفي اليوم التالي، أخذنا والدها إلى متنزّه صغير قرب النهر. أشعلوا الفحم، واشتروا الذرة المشوية، وأجبروني على التقاط صور وأنا أبتسم. ولساعات قليلة فقط، تذكّرتُ أنّ المنزل ليس دائمًا المكان الذي وُلدت فيه. أحيانًا يكون المكان الذي لا تضطر فيه إلى شرح سبب ألمك.
لاحقًا، تحدثت رنا عن خالتها التي تسكن قرب جامعة بغداد. قالت: “ابن خالتي سيُعيد الامتحانات هذا العام، ويحتاج إلى مدرّسة خصوصية. سيدفع أجرًا جيدًا، وخالتي تعرف بيت طالبات قريب من الجامعة. يمكنكِ الانتقال باكرًا قبل بدء الدوام وتبدئين بالاعتماد على نفسك.” نظرتُ إليها بتردد: “بهذه السرعة؟” رفعت رنا حاجبيها وكأنّ الأمر بديهي: “ألن تدرسي في بغداد أصلًا؟”
خفضتُ نظري نحو الكوب بين يدي: “بلى.” اقتربت مني قليلًا وقالت بهدوء: “إذًا اذهبي يا مريم قبل أن يقنعوكِ أنّكِ عبء، بينما هم يعيشون على تعبكِ.” لأول مرة منذ أيام، بدت الفكرة مريحة. أن أستيقظ في مكان لا أشعر فيه أنني دخيلة. أن أعيش قرب جامعتي. أن أتنفس دون أن أراقب تعابيرهم كلما دخلتُ الغرفة. لذلك وافقتُ.
وفي مساء ذلك اليوم، عندما عدتُ إلى المنزل لأجمع أغراضي، كانوا قد عادوا بالفعل. كانت تبارك تقف في غرفة الجلوس ترتدي فستانًا أزرق سماويًا. فستاني. نفس الفستان الذي توقفتُ أمامه مع أمي داخل محلّ في المنصور، والذي وعدتني بشرائه فور ظهور النتائج. استدارت تبارك أمام المرآة بابتسامة ناعمة وقالت: “ابنة خالتي هل يبدو جميلًا عليّ؟ خالتي قالت إنّه يناسبني أكثر.”




