
عينيكي.
اتوترت.
عينيّ؟
أيوه.
قرب خطوة.
كنتِ طول الوقت بتحاولي تخبي نفسك… لكن
عينيكي عمرها ما عرفت تكذب.
ماعرفتش أرد.
قال
أنا مش عايزك تبقي معايا عشان أنا حميتك.
سكت.
ولا عشان إنتِ هربانة من ماضيك.
بصلي مباشرة.
أنا عايزك تختاري.
سألته
أختار إيه؟
قال
تكملي حياتك لوحدك… أو تسمحيلي أكون جزء منها.
نزلت عيني.
طول عمري كنت بخاف من كلمة جواز.
لكن معاه…
ماحسيتش بالخوف.
رفعت عيني وقلت
ولو اخترتك؟
ابتسم.
هتفضلي سلمى.
يعني؟
مش هغير فيكي حاجة.
ضحكت.
ولا حتى شغلي؟
خصوصًا شغلك.
مد إيده.
المرة دي ماكانش بيساعدني أهرب.
ولا بينقذني من حد.
كان بس مستني قراري.
حطيت إيدي في إيده.
وقلت
أنا اخترتك.
ابتسامته كانت أهدى من أي ابتسامة شفتها قبل كده.
وقال
يبقى من النهارده… مفيش هروب تاني.
ضحكت.
وعد.
وبعد سبع شهور من اختفاء سلمى روسو…
رجعت سلمى من جديد.
لكن المرة دي ماكنتش بنت أبوها.
ولا خطيبة فؤاد.
ولا الشاب اللي اسمه يوسف.
كانت نفسها.
وكان ده أول يوم فعلًا بدأت فيه تعيش حياتها حكايات_شروق_خالدمرّت شهور، وحياة سلمى اتغيرت تمامًا.
بقت واحدة من أهم الميكانيكية في ورشة الدمنهوري، والكل بقى عارف إن البنت اللي كانت مستخبية ورا اسم يوسف قدرت تثبت نفسها بشغلها.
لكن الماضي ماكانش ناوي يسيبها بسهولة.
في ليلة، كانت سلمى بتقفل الورشة، لقت ظرف بني محطوط فوق مكتبها.
مفيش اسم.
مفيش عنوان.
فتحت الظرف.
جواه صورة قديمة ليها وهي طفلة، ومعاها ورقة مكتوب فيها
فاكرة إنك هربتي؟ لسه فيه سر أبوكي مخبيه عنك.
إيديها بدأت ترتعش.
دخل ياسين فجأة.
سلمى؟
خبّت الورقة بسرعة.
مفيش حاجة.
ياسين بص في عينيها.
إنتِ بتكدبي.
مد إيده.
هاتِ.
سلمى ترددت، وبعدها ادته الورقة.
قرأها.
ملامحه اتغيرت.
مين بعتها؟
معرفش.
بص للصورة.
دي مش مجرد تهديد.
يعني إيه؟
حد عايزك تدوري ورا حاجة.
في نفس الليلة، راحوا لقصر والد سلمى.
لكن المرة دي أبوها هو اللي كان مستنيهم.
أول ما شاف الصورة في إيد ياسين، وشه اتغير.
سلمى قربت منه.
إيه السر؟
سكت.
بابا، أنا تعبت من الأسرار.
قال بصوت مكسور
أمك كانت تعرف.
سلمى اتجمدت.
أمي؟
قبل ما … قالتلي لو في يوم عرفتي الحقيقة، أقولك إنك مش البنت اللي فاكرة نفسك عليها.
ياسين بصله.
وضح.
والدها فتح درج قديم وطلع منه ملف.
حطه قدام سلمى.
فتحت الملف.
وكانت أول ورقة شهادة ميلاد.
الاسم سلمى محمود رشدي.
لكن اسم الأم…
ماكانش اسم أمها اللي تعرفه.
سلمى رفعت عينيها بصدمة.
دي مش شهادة ميلادي.
أبوها هز راسه.
دي الحقيقة.
يعني إيه؟
قال
إنتِ اتولدتِ من واحدة كانت بتشتغل عندنا زمان.
سلمى شهقت.
وأمي؟
أمك الحقيقية ماتت بعد ولادتك بفترة قصيرة.
الدموع نزلت من عينيها.
وأنت أخدتني؟
أيوه.
ليه؟
أبوها سكت.
ثم قال
عشان كان فيه ناس بيدوروا عليك.
ياسين سأله
مين؟
أبوها بصله.
عيلة كبيرة… وكانوا عايزين ياخدوها.
سلمى مسحت دموعها.
ليه؟ أنا كنت طفلة.
قال أبوها
لأن أمك كانت شاهدة على جريمة كبيرة.
سكت المكان كله.
ياسين قال
إيه الجريمة؟
أبوها بص لسلمى..
سلمى رجعت خطوة.
مين ؟
أبوها ماجاوبش.
وفي اللحظة دي، صوت موبايل ياسين رن.
رد.
صوته اتغير.
إيه؟
سكت وهو بيسمع.
وبعدين بص لسلمى.
لقينا الست اللي بعتت الظرف.
سلمى قربت.
مين؟
ياسين قال
واحدة بتقول إنها صاحبة أمك الحقيقية.
سلمى شهقت.
هي عايشة؟
أيوه.
فين؟
قال
في المستشفى.
بعد ساعة، كانت سلمى واقفة قدام غرفة في مستشفى بالقاهرة.
إيديها كانت بترتعش.
ياسين وقف جنبها.
لو مش مستعدة، مش لازم تدخلي.
بصتله.
أنا هربت سبع شهور من الحقيقة.
مسكت مقبض الباب.
المرة دي مش ههرب.
فتحت الباب.
على السرير كانت ست كبيرة في السن، ملامحها متعبة.
أول ما شافت سلمى، دموعها نزلت.
وقالت بصوت ضعيف
يا بنت فاطمة…
سلمى اتجمدت.
فاطمة؟
الست ابتسمت وسط دموعها.
أمك الحقيقية.
وقتها سلمى فهمت إن هروبها من الجواز كان مجرد أول فصل…
لكن الحقيقة اللي كانت مدفونة من يوم ولادتها، لسه هتغيّر حياتها كلها سلمى فضلت واقفة مكانها، مش قادرة تنطق.
بصت للست اللي على السرير، وبعدها بصت لياسين كأنها مستنية حد يقول لها إن اللي بتسمعه ده كله غلط.
قالت بصوت متقطع
إنتِ… تعرفي أمي؟
الست مدت إيدها ناحيتها.
أنا كنت أقرب واحدة ليها.
سلمى قربت خطوة، لكن رجليها كانت تقيلة عليها.
اسمها إيه؟
الست ابتسمت بحزن.
فاطمة.
فاطمة إيه؟
فاطمة عبدالسلام.
سلمى كررت الاسم بهدوء
فاطمة عبدالسلام…
وكأنها بتحاول تحفظه جوا قلبها.
إنتِ كنتي معاها يوم ما ماتت؟
الست غمضت عينيها.
أيوه.
سلمى قربت أكتر.
قوليلي الحقيقة.
ياسين حط إيده على كتفها.
سلمى، بالراحة.
لكنها هزت راسها.
لا يا ياسين… أنا عايزة أعرف. حتى لو الحقيقة هتوجعني.
الست أخدت نفس طويل.
أمك ما ماتتش في حادثة زي ما أبوكي قالك.
سلمى اتجمدت.
أمال ماتت إزاي؟
.
الهواء اختفى من الغرفة.
سلمى حطت إيدها على بقها.
مين؟
الست بصت ناحية الباب كأنها خايفة حد يسمعهم.
أبوكي كان موجود.
سلمى رجعت لورا.
أبويا؟!
لا… مش هو اللي .
سلمى سكتت.
أمال كان موجود ليه؟
الست قالت
كان بيحاول ينقذها.
ياسين قرب.
احكي كل حاجة.
الست بدأت تتكلم.
فاطمة كانت بتشتغل في بيت كبير من بيوت القاهرة. البيت ده كان تابع لعيلة غنية جدًا. وفي يوم شافت حاجة ماكانش المفروض تشوفها.
إيه؟
سمعت اتنين بيتكلموا عن تحويل فلوس وغسيل أموال… وأسماء ناس كبار.
ياسين عقد حاجبيه.
ومين كانوا؟
الست هزت راسها.
مش فاكرة كل الأسماء… بس فاكرة اسم واحد.
سلمى سألت
مين؟
الست بصت لياسين.
السيوفي.
الصمت وقع عليهم.
سلمى شهقت.
فؤاد؟
مش فؤاد لوحده.
سلمى بدأت تفهم.
عيلته؟
الست هزت راسها.
أيوه.
ياسين شد فكه.
يعني الجواز اللي كانوا عايزين يفرضوه عليها…
الست قاطعته
ماكانش جواز عادي.
سلمى بصتله.
كانوا عايزين يتجوزوني عشان يسكتوني؟
الست قالت
كانوا عايزين يربطوا العيلتين ببعض… ويضمنوا إن السر يفضل مدفون.
سلمى حست إن الأرض بتتهز تحت رجليها.
طب ليه أنا؟
الست ابتسمت بحزن.
لأنك آخر حاجة فاضلة من فاطمة.
دموع سلمى نزلت.
أنا مش فاهمة.
أمك قبل ما ، سلمت أبوكي حاجة.
إيه؟
الست أشارت للدرج.
مفتاح.
ياسين فتح الدرج.
جواه علبة صغيرة قديمة.
طلع منها مفتاح نحاسي صغير.
سلمى مسكته.
ده بيفتح إيه؟
الست قالت
صندوق.
فين؟
في بيت أمك القديم.
سلمى بصت لياسين.
إنت تعرف البيت؟
قال
هعرف أوصله.
الست مسكت إيد سلمى.
بس اسمعيني كويس…
سلمى قربت.
قبل ما تروحي هناك، لازم تعرفي حاجة.
إيه؟
اللي أمك… لسه عايش.
سلمى سكتت.
وياسين عينيه ضاقت.
وإنتِ متأكدة؟
متأكدة.
مين؟
الست قالت
أنا ما شفتش وشه يومها… لكن فاطمة قالتلي اسمه قبل ما .
سلمى همست
اسمه إيه؟
الست بصت لها مباشرة.
وقالت
فؤاد السيوفي.
سلمى حست إن قلبها وقف.
خرجت من المستشفى وهي مش قادرة تستوعب.
ركبت عربية ياسين، وفضلت ساكتة طول الطريق.
بعد وقت طويل قالت
كنت فاكرة إني بهرب من فؤاد.
ياسين بص لها.
إنتِ كنتي بتهربي من حاجة أكبر.
أنا عايزة أرجعله.
مين؟
فؤاد.
ياسين وقف العربية على جنب.
مستحيل.
ليه؟
لأنك مش هتروحي له لوحدك.
أنا مش خايفة.
وأنا مش مستعد أخسرك.
سلمى بصتله.
لأول مرة عينيها ماكانش فيها خوف.
كان فيها قرار.
يبقى تعالى معايا.
ياسين سكت.
وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة.
كنت مستنيكي تقوليها.
في اليوم التالي، رجعت سلمى للقصر.
لكن المرة دي ما كانتش العروسة الهاربة.
كانت بنت داخلة تدور على حق أمها.
فؤاد كان موجود.
أول ما شافها، وقف من مكانه.
سلمى؟
قالت
أيوه.
قرب منها.
رجعتي ليه؟
سلمى بصت في عينه.
عشان أسألك سؤال.
ضحك بسخرية.
اتفضلي.
إنت تعرف واحدة اسمها فاطمة عبدالسلام؟
ضحكته اختفت.
ثانية واحدة بس.
لكن سلمى لاحظتها.
وياسين كمان.
فؤاد قال
مين قالك الاسم ده؟
سلمى ابتسمت لأول مرة.
يعني تعرفها.
فؤاد سكت.
ياسين تقدم خطوة.
جاوبها.
فؤاد بص له بغضب.
إنت مالك؟
ياسين رد بهدوء
كل حاجة تخص سلمى تخصني.
سلمى رفعت إيدها.
سيبه.
وبصت لفؤاد.
أمي ماتت إزاي؟
فؤاد وشه اتغير.
أمك؟
آه. أمي.
إنتِ ماكانش ليكي أم.
الكلمة نزلت على سلمى زي الصفعة.
لكنها ما انهارتش.
طلعت من شنطتها صورة قديمة.
وحطتها قدامه.
دي فاطمة عبدالسلام.
فؤاد بص للصورة.
إيده ارتعشت.
سلمى قالت
ودي شهادة ميلادي.
وبعدين قربت منه.
ودي آخر فرصة ليك تقول الحقيقة.
فؤاد بص لها.
وسكت.
وفي اللحظة دي، موبايل ياسين رن.
رد.
ثواني معدودة، وبعدين قفل.
قال لسلمى
الصندوق اتلاقى.
سلمى اتنفست ببطء.
فين؟
في بيت فاطمة.
سلمى بصت لفؤاد.
يبقى هنروح نفتحه.
فؤاد صرخ
لا!
الكل اتجمد.
سلمى ابتسمت.
ليه؟
فؤاد أدرك إنه غلط.
لكن كان فات الأوان.
ياسين قال
عشان جواه الحقيقة.
سلمى بصت لفؤاد وقالت
وأنا المرة دي… مش ههرب.
ثم خرجت مع ياسين.
وخلفهم، فؤاد فضل واقف مكانه، لأول مرة مش عارف يعمل إيه.
لأن الصندوق اللي خباه سنين…
كان على وشك يفتح سر ممكن يوقع عيلة السيوفي كلها حكايات_شروق_خالدوصلت سلمى وياسين للبيت القديم قبل المغرب بشوية.
كان بيت صغير في حارة قديمة في شبرا،
بابه الخشب متآكل، والشبابيك عليها تراب سنين.
سلمى وقفت قدامه وسكتت.
هنا كانت أمي عايشة؟
ياسين هز راسه.




