قصص وروايات

النجدة الاخيرة حكايات انجى الخطيب

عصام وقع على الأرض وهو بيحاول يمسك مناخيره اللي بدأت تنزف، ورشا اتجمدت في مكانها، الصريخ اللي كان مالى البيت تحول لسكون مريب، سكون تقيل بيقطعه بس صوت أنفاسي المكتومة. خالد ما بصش لعصام تاني، كأنه بيحتقر حتى إنه يكمل معاه كلام، التفت ليا وعيونه مليانة غضب ممزوج بوجع على حالي، قالي بصوت واطي بس فيه إصرار: “ندى، ادخلي لمّي هدومك وهدوم البنت.. اللي يمد إيده على أخت خالد ملوش غير إن يتدفن بكرامته أو يتربى بالقانون”.

​دخلت الأوضة وأنا إيديا لسه بتترعش، فتحت الدولاب وبدأت أحط أي حاجة قدامي في الشنطة، بنتي كانت واقفة في ركن الأوضة بتعيط بصوت واطي ومذعورة، خدتها في  وحاولت أهديها وأنا بمسح دموعي، كنت حاسة إني بحلم.. كابوس سنين بينتهي في دقايق.

​خرجت من الأوضة والشنطة في إيدي، لقيت خالد واقف في الصالة، عصام كان لسه قاعد على الأرض ورشا واقفة بعيد، وشها أصفر من الخوف، خالد بصلها وقالها بنبرة حادة: “يا رشا، بيوت الناس مش لعبة، والفتنة اللي كنتِ بتعمليها دي هتتحاسبي عليها، مش بس قدام ربنا، ده أنا هعمل محضر بكل كدمة في جسم أختي، وهجيب تقرير طبي يخليه يلبس قض*ية تنهي مستقبله اللي هو فاكر إنه بيحميه بالضرب”.

​عصام حاول يقوم ويبرر، صوت تقطع ومخارج حروفه مش واضحة: “خالد.. اسمعني، دي مراتي، احنا كنا بنحل مشاكلنا..”.

​خالد قاطعه وهو بيقرب منه، وقفه بإيد واحدة على كتفه خلت عصام يرجع يقعد تاني غصب عنه: “المشاكل بتتحل بالكلام يا راجل يا ناقص، مش بالضرب وإهانة الست اللي صانتك وصانت بيتك، إنت خسرت كل حاجة.. خسرت مرتك، وبنتك، ورجولتك”.

​خالد بص لي وأخد الشنطة من إيدي، مسك إيدي وإيد بنتي، وخرجنا من باب الشقة اللي اتكسر، ونزلنا السلم.. كنت ماشية وأنا مش قادرة أصدق إني أخيراً خرجت من  ده، الهواء في الشارع كان مختلف، رغم الوجع، حسيت لأول مرة من سنين إني بدأت أتنفس. خالد ركبنا العربية، وقبل ما يتحرك، بصلي في المراية وقالي: “من اللحظة دي يا ندى، إنتي في حماية أخوكي، ومحدش في الدنيا دي يقدر يلمس شعرة منك تاني.. إحنا رايحين القسم، مش عشان نشتكي وبس، ده عشان ننهي القصة دي بتقرير طبي يخليهم هما اللي يجروا ورانا عشان نتنازل.. بس أنا مش هتنازل”.

​بصيت ورايا على باب العمارة، شفت رشا واقفة في البلكونة بتبصلي بضعف، وعصام لسه جوه الشقة.. الدنيا كانت بتلف بيا، بس لأول مرة كنت حاسة إن القوة اللي ضاعت مني رجعت تاني، وبدأت صفحة جديدة، صفحة مفيش فيها “عصام” ولا “رشا”، صفحة بطلتها ندى اللي قررت تعيش عشان بنتها، وعشان نفسها.

​#انجي_الخطيب

في القسم، كان الجو مشحون، ريحة الورق والتحقيق كانت بتفكرني بكل لحظة ضعف عشتها، بس وجود خالد جنبي كان مخلي ظهري مفرود لأول مرة من سنين. دخلنا مكتب الظابط، وخالد حط كل الملفات والتقارير الطبية اللي كان مجهزها قبل ما حتى يوصل للبيت، وكأنه كان حاسس بكل اللي بيحصل من قبل ما يرجع من الغربة.

​الظابط بص للتقرير الطبي، وبعدين بص لي بأسف وقال: “يا مدام ندى، التقرير ده كفيل يحبسهم، بس هل إنتِ متأكدة؟ لأن بمجرد ما المحضر يتفتح، مفيش رجوع”.

​خالد مسك إيدي وشجعني بعينه، وقتها شفت صورة بنتي قدامي وهي بتعيط، شفت طفولتها اللي كانت هتضيع في وسط القرف ده. خدت نفس عميق وقلت بصوت ثابت: “أنا متأكدة يا فندم. كفاية خوف، كفاية ذل، أنا عايزة حقي وحق بنتي اللي عاشت كابوس بسببهم”.

​في اللحظة دي، دخل العسكري ومعاه عصام ورشا، شكلهم كان يكسف، عصام وشه وارم من خبطة خالد، ورشا كانت بتترعش، أول ما شافوني، رشا حاولت تصرخ وتدعي عليّ كالعادة، بس خالد قام وقف قدامها وقال بصوت رجولي هز حيطان المكتب: “لسانك ده اللي خرب بيوت الناس، هيتحاسب عليه القانون، هنا مفيش كدب، هنا فيه أدلة”.

​عصام حاول يتكلم، حاول يمثل دور الضحية، بس لما الظابط سأله: “ليه عملت كده؟”، بدأ يتهته، وبدأت الحقيقة تظهر، الحقيقة اللي كان بيخبيها ورا “كلام رشا”.

​بعد ساعات من التحقيقات، خرجنا من القسم، خالد كان ماسك إيدي وبنتي نايمة على كتفه. الجو بره كان هادي، والشمس بدأت تطلع، نورها كان بيمسح سواد الليل اللي فات. خالد وقف قدام العربية وقال: “ندى، إحنا مش هنروح بيت تاني، إنتي رايحة بيت أمك، ومن النهاردة، حياتك بتبدأ من الصفر، لا فيه عصام يكسر بخاطرك، ولا رشا تفتن عليكي”.

​وصلنا بيت أمي، أول ما دخلت وشافت حالتي، وقعت من طولها وهي بتعيط، حضنتني حضن حست فيه بكل الوجع اللي خبيته عنها سنين. “يا بنتي.. كنت حاسة، كنت عارفة إنك بتكذبي عليا!”، قالتها وهي بتملس على شعري.

​قعدت في حضن أمي، وبنتي جنبي، خالد كان واقف بعيد بيكلم المحامي عشان يضمن لي كل حقوقي الشرعية. ولأول مرة من فترة طويلة، بصيت في المراية.. شفت واحدة تانية، واحدة قوية، واحدة قررت تكسر السلاسل، وتعيش حياة تليق بيها وببنتها.

​القصة مخلصتش هنا، القصة بدأت دلوقتي.. بدأت لما ندى قررت تعيش لنفسها، مش عشان ترضي حد، ولا عشان تخاف من حد. ومهما كان الوجع كبير، دايماً فيه باب بيتفتح للنور، بس المهم إننا نكون مستعدين ندخله.

​#انجي_الخطيب

…….

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى