
عدت أيام، والهدوء بدأ يرجع لروحي تدريجياً في بيت أمي، البيت اللي كان دايماً حضن دافي ليا. كنت بحس إن كل زاوية فيه بتطبطب على قلبي المكسور. خالد ما سابنيش لحظة، كان هو اللي بيتابع مع المحامي كل الإجراءات القانونية، وكل يوم كان بيجيب لي أخبار عن اللي بيحصل مع عصام ورشا، اللي بقوا في دايرة تحقيقات مش عارفين يخرجوا منها، وكل كدبة رشا كانت بتنكشف قدام النيابة وبدليل مادي.
عصام حاول يبعت لي ناس يتوسطوا، يطلب مني التنازل، كان بيبعت رسايل كلها ندم مصطنع، بس أنا كنت خلاص قفلت الباب ده بالمفتاح ورميت المفتاح في البحر. كنت بشوف بنتي وهي بتلعب في الصالة، لأول مرة ضحكتها كانت طالعة من قلبها، من غير خوف من صوت عالي أو خبطة باب.
في يوم، كنت قاعدة بجهز حاجتي عشان أبدأ إجراءات الطلاق الرسمي، ولقيت موبايلي بيرن.. كان رقم غريب. رديت، كان صوت محامي عصام، بيطلب مني بأسلوب هادي جداً إني أقبل بتسوية مقابل مبلغ مالي كبير. ضحكت بسخرية وقلت له: “الفلوس ما تشتريش كرامة اتداس عليها سنين، ولا تشتري طفولة بنتي اللي ضاعت في الرعب.. أنا مش عايزة منه حاجة غير حريتي، والعدل ياخد مجراه”.
قفلت الموبايل، وحسيت براحة مش طبيعية. خالد دخل الأوضة، شافني ببتسم، ابتسم لي وقال: “عارفة يا ندى؟ إنتي النهاردة بقيتي أشجع ست أعرفها. اللي عملتيه ده مش بس نجاة، ده درس لكل واحدة بتسكت على حقها”.
بصيت لصورنا القديمة، لكل كدمة كانت على جسمي، وقررت إني مش هنسى، مش عشان أحقد، لكن عشان أتذكر دايماً إني كنت ضعيفة وقدرت أكون قوية. الحياة لسه قدامي طويلة، والأيام اللي جاية مش هتبقى سهلة، بس أنا مش خايفة.. لأني اكتشفت إن القوة مش في الراجل اللي بيسندك، القوة هي إنك تعرفي قيمتك، وتعرفي إنك غالية، وما فيش مخلوق على الأرض من حقه يقلل منك.
فتحت ورقة وقلم، وبدأت أكتب تفاصيل حياتي الجديدة، مش كضحية، لكن كناجية.. وبدأت أرسم ملامح بكرة، بكرة اللي ما فيهوش “عصام”، ولا كدب “رشا”، بكرة اللي فيه “ندى” وبس.
#انجي_الخطيب
…….
بعد مرور شهور، كنت واقفة قدام باب المحكمة، لابسة طقم بسيط وهادي، وشعري اللي كان دايماً مداري تحت طرحة محكمه، كان واخد حريته، ووشي اللي كان بيغطي الكدمات بالميك أب، كان باين بنضارة طبيعية وهدوء مريح. خالد كان واقف جنبي، زي الجبل اللي بيسندني، وبنتي ماسكة إيدي بقوة، وكأنها حاسة بالأمان اللي بقالنا سنين محرومين منه.
خرجنا من القاعة، ومعايا ورقة الطلاق في إيدي.. الورقة دي مكنتش مجرد ورقة رسمية، دي كانت صك حريتي. عصام كان طالع من القاعة وهو مطاطي راسه، شكله كان مكسور، والندم مش باين عليه غير بالخيبة، وبص وراه لقى رشا، اللي بقت لوحدها تماماً بعد ما فقدت كل نفوذها وتأثيرها عليه، وبعد ما انكشفت كل ألاعيبها قدام الكل.
بصيت لعصام نظرة أخيرة، مكنش فيها كره، ولا حتى حقد.. كان فيها شفقة على حاله وعلى الضياع اللي هو فيه. هو خسر “عصام” الحقيقي عشان يرضي أخته، وخسر بيته عشان صدق الكدب.
ركبنا العربية، خالد بصلي وقالي: “مبروك يا ندى.. النهاردة ولادتك التانية”.
ابتسمت، ومن غير ما نرد على أي حد، بدأت حياة جديدة خالص. قدمت على شغل في شركة محترمة، وبدأت أعتمد على نفسي مادياً، وبنتي دخلت مدرسة كويسة، وبقت أشطر في دراستها. مابقتش محتاجة أداري كدمات، ولا محتاجة أسمع صوت عالي يرهبني.
وعرفت حاجة مهمة أوي؛ إن الست لما بتقرر تكسر دايرة الخوف، الدنيا كلها بتفتح لها أبوابها، وإن السند الحقيقي مش دايماً راجل، السند الحقيقي هو إيمانك بنفسك، وقرارك إنك تعيشي بكرامتك.
النهاردة، وأنا بكتب الفصل الأخير من حكايتي، حبيت أقول لكل واحدة بتمر بنفس اللي مريت بيه: “ماتسكتيش.. الصوت اللي بتسكتيه جوه نفسك، هو اللي بيكبر وجعك. الحقيقة مهما كانت صعبة، هي أول خطوة لطريق الحرية”.
أنا ندى.. وبقيت حرة.
#انجي_الخطيب
تمت




