
رجعت من الغربة بعد شهور من الشغل علشان ألاقي أمي مختفية… لكن صوت خافت جنب الطريق الزراعي خلاني أبص لتحت. أول ما شفت اللي في القاع… الدم اتجمد في عروقي. اسمي محمود الشاذلي…وفي اللحظة دي… إيدي كانت بتترعش لدرجة إني بالعافية عرفت أمسك الموبايل…بقالي خمس شهور شغال في السعودية.
شغل 12 ساعة كل يوم…كل ده علشان أبعت فلوس لأمي الحاجة أمينة، اللي عندها 76 سنة، وعايشة في بيتها القديم في إحدى قرى المنوفية.كل يوم…
كانت تكلمني.تسألني أكلت ولا لأ.وتوصيني أصلي.
وتدعيلي.لكن من أسبوعين…المكالمات وقفت فجأة.
أختي سلوى كانت كل شوية تبعتلي رسائل.
وتقول:”ماما عندي في البيت… وقعت واتعورت شوية، والدكتور قال ترتاح، والموبايل مش شغال.”
لكن قلبي…ما ارتاحش…الغريب…
إن جروب العيلة اللي كانت أمي ماليّاه دعوات وضحك…
بقى ساكت.وفي المقابل…سلوى كل يوم بتنزل صور.
عفش جديد…أجهزة كهربائية.
وعربية حديثة اشتراها جوزها حسام.
مع إنهم من شهر…كانوا غرقانين في الديون.
فضلت أسأل نفسي…جابوا الفلوس دي منين؟
ما استحملتش…ركبت عربيتي..وسافرت من غير ما أقول لحد…وصلت البلد قبل المغرب.و إحساس غريب خلاني …
بدل ما أروح البيت…عديت من جنب أرض أمي.
وبعدين…لفيت ناحية ترعة قديمة مهجورة.
هناك…شفت عربية واقفة وسط الغيطان.الأبواب مفتوحة.
ومفيش حد.قلبي وقع.نزلت أجري.وفجأة…سمعت أنين خافت.جاي من جوه حفرة عميقة.شغلت كشاف الموبايل.
وبصيت لتحت.واتجمدت… كانت…
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
كانت…
أمي.
الحاجة أمينة.
مرمية في قاع الحفرة، هدومها كلها تراب، وإيديها مربوطة بحبل قديم، ووشها شاحب، لكنها كانت لسه عايشة.
أول ما نور الكشاف جه على وشها، فتحت عينيها بالعافية، وهمست بصوت متقطع:
“محمود… إوعى… تصدق سلوى…”
حسيت إن رجليا مش شايلاني.
صرخت بأعلى صوتي، واتصلت بالإسعاف والنجدة، ونزلت للحفرة بأي طريقة. جرحت إيديا وأنا بحاول أوصلها، لكن ما حسيتش بالألم.
كل اللي كان في دماغي وقتها إني أطلع أمي.
بعد دقائق طويلة وصلت عربية الإسعاف، وساعدوني نطلعها.
الدكتور بص عليها بسرعة وقال:
“لو كنتوا اتأخرتوا ساعة كمان… كانت فقدت حياتها.”
الكلمات دي ضربتني زي الرصاصة.
ركبت معاها الإسعاف، وهي ماسكة إيدي بقوة غريبة، وكأنها خايفة تسيبها.
قبل ما تغمض عينيها، قالت جملة واحدة:
“خد بالك… الورق…”
وسكتت.
—
في المستشفى…
الدكتور أكد إن أمي عندها جفاف شديد، وكدمات في جسمها، وآثار ربط في الإيدين.
يعني…
ما وقعتش زي ما سلوى قالت.
حد احتجزها.
ولما خرجت من العناية، سألتها بهدوء:
“مين عمل فيكي كده يا أمي؟”
بصت حواليها، واتأكدت إن مفيش حد بيسمع.
وبعدين قالت:
“أختك… وجوزها.”
حسيت إن الدنيا لفت بيا.
قلت:
“إيه؟!”
قالت وهي بتعيط:
“كانوا كل يوم يضغطوا عليا أمضي على بيع البيت والأرض.”
“ولما رفضت… خدوا الموبايل… وحبسوني في المخزن.”
“ولما عرفوا إنك راجع… نقلوني للحفرة دي علشان أموت، ويقولوا وقعت.”
إيدي كانت بتترعش من الغضب.
لكن كنت محتاج دليل.
—
رجعت البيت كأني معرفش أي حاجة.
سلوى أول ما شافتني، جريت حضنتني.
وقالت:
“حمد لله على السلامة يا أخويا.”
بصيت في عينيها.
ولا لأول مرة…
ما شفتش أختي.
شفت واحدة غريبة.
حسام جه يسلم عليا، وهو بيضحك.
وقال:
“ربنا يرحم الحاجة… أقصد… ربنا يقومها بالسلامة.”
غلط.
قال الجملة قبل ما يعرف إن أمي لسه عايشة.
ابتسمت وأنا بكتم غضبي.
وقلت:
“آه… الدكتور قال حالتها مستقرة.”
وشه اصفر.
في اللحظة دي…
عرفت إنهم متورطين.
—
دخلت أوضة أمي.
كانت متبهدلة.
الدولاب مفتوح.
والأوراق كلها متقلبة.
لكن وأنا بفتش…
افتكرت كلمة أمي:
“الورق.”
رفعت المرتبة القديمة.
ولقيت ظرف بلاستيك متغلف.
جواه…
عقد الأرض.
وعقد البيت.
ووصية مكتوبة بخط إيدها.
وفي آخرها جملة:
“أي تصرف يتم في أملاكي دون حضوري يعتبر باطل.”
وكمان…
فلاشة صغيرة.
—
وصلت البيت بتاعي بالليل.
وشغلت الفلاشة.
ظهر تسجيل من كاميرا كانت أمي مركباها في الصالة بعد ما اتسرق البيت من سنة.
بدأ الفيديو عادي.
لكن بعد دقائق…
دخلت سلوى وحسام.
كانوا فاكرين البيت فاضي.
سمعت حسام بيقول:
“امضي يا حاجة… بدل ما نخلي ابنك يرجع يدفنك.”
وأمي كانت بترد:
“حتى لو موتوني… مش هامضي.”
بعدها…
ظهر وهو بيشدها من دراعها.
وسلوى بتقفل الكاميرا.
لكنها ما عرفتش…
إن التسجيل كان اتحفظ تلقائيًا.
قعدت أبكي.
دي أختي.
لكن اللي شوفته…
ما كانش له علاقة بالأخوة.
—
تاني يوم الصبح…
رحت لمباحث المركز.
وسلمت التسجيل.
والوصية.
وتقرير المستشفى.
الضابط بصلي وقال:
“إحنا هنشتغل بهدوء… ومتواجههمش.”
وافقت.
لكن ما كنتش أعرف…
إن المفاجأة الأكبر لسه جاية.
بعد ساعات…
طلع تقرير من البنك.
بيأكد إن فيه محاولة سحب كل مدخرات أمي بتوكيل جديد.
التوكيل…
مزور.
والتوقيع…
متقلد.
وده حول القضية من شروع في استيلاء…
لجناية تزوير واحتيال.
—
في نفس الليلة…
الشرطة طلبت مني أتصرف طبيعي.
رجعت البيت.
وقلت لسلوى:
“أنا مسافر القاهرة يومين أخلص شوية أوراق.”
ابتسمت.
ولأول مرة من أيام…
شفتها مرتاحة.
واضح إنها افتكرت إن الطريق بقى فاضي قدامها.
لكن رجال المباحث…
كانوا بيراقبوا البيت من بعيد.
الساعة اتنين بعد منتصف الليل…
خرجت سلوى وحسام.
ركبوا العربية.
وراحوا ناحية الأرض.
الضباط لحقوهم.
وشافوهم بيحفروا في مكان قريب من الترعة.
ولما قبضوا عليهم…
كانوا بيطلعوا حقيبة حديد.
جواها…
ذهب أمي.
وعقود ملكية.
وختم مزور.
وأوراق بيع مجهزة.
في التحقيق…
أنكروا كل حاجة.
لكن لما شافوا الفيديو…
انهار حسام.
واعترف.
قال إن الديون كانت هتدخله السجن.
ولما عرف إن محمود بيبعت فلوس كتير لأمه…
قرر يستولى على كل أملاكها.
وسلوى…
وافقت.
طمعًا في الميراث.
أما أمي…
فكانت العقبة الوحيدة.
بعد شهور…
صدر الحكم.
السجن المشدد.
ورد كل الممتلكات.
وأمي رجعت بيتها
لكنها عمرها ما رجعت تثق في حد بسهولة.
وفي أول يوم رجعت فيه أقعد معاها في البلكونة…
قدمتلي كوب شاي.
وقالت بابتسامة ضعيفة:
“كنت فاكرة إن الفلوس هتجمعكم.”
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
“طلعت… بتفرق بين القلوب.”
بصيت لها.
وقلت:
“أنا هرجع السعودية أشتغل.”
هزت راسها بالرفض.
وقالت:
“ولا أرض… ولا فلوس… تستاهل تغيب عن أمك تاني.”
بعت استقالتي بعدها بأسبوع
واخترت أبدأ مشروع صغير جنبها.
يمكن أربح أقل…




