
لكن كل صباح كنت بشوف ابتسامتها.
وده كان أغلى رزق أخدته في حياتي.
بعد اعتراف حسام…
افتكرنا إن القضية خلصت.
لكن الحقيقة…
كانت لسه في أولها.
وأنا خارج من النيابة، تليفوني رن.
رقم غريب.
رديت.
جالي صوت راجل كبير في السن.
قال بهدوء:
“إنت محمود الشاذلي؟”
قلت:
أيوه.”
قال:
“أنا المحامي اللي كان ماسك شغل المرحوم الحاج عبد الرحمن… صاحب الأرض اللي جنب أرض والدتك.”
استغربت.
وسألته:
خير؟”
قال:
“والدتك طلبت مني من تلات سنين ما أكلمكش غير لو حصلها حاجة.”
حسيت بقلبي بيدق بسرعة.
قال:
“فيه أمانة لازم تستلمها.
تاني يوم…
رحت مكتبه في شبين الكوم.
طلع صندوق خشب صغير.
وحطه قدامي.
وقال:
“الحاجة أمينة كانت كل سنة تدفع أتعابي علشان أفضل محتفظ بيه.”
فتحت الصندوق.
لقيت صور قديمة.
وأوراق.
ومذكرة جلد.
أول صفحة فيها كانت مكتوب:
“لو محمود بيقرأ الكلام ده… يبقى أنا مقدرتش أقوله الحقيقة بنفسي.”
فضلت أبص للكلمات وأنا مش مستوعب.
بدأت أقرا.
“أبوك مات وهو بيدافع عن الأرض دي… لأن تحتها سر محدش يعرفه.”
اتجمدت.
المذكرة كانت بتحكي إن جدي قبل أكتر من أربعين سنة اشترى قطعة أرض صغيرة من راجل كان هيسافر.
بعدها بأيام…
الراجل رجع يطلبها بأي تمن.
لكن جدي رفض.
ومن يومها…
بدأت مشاكل وغموض حوالين الأرض.
أبويا حاول يعرف السبب.
وفي ليلة…
اتقتل في حادث اتقال إنه قضاء وقدر.
لكن أمي كانت مقتنعة إنه مدبر.
ولذلك عمرها ما باعت الأرض.
خرجت من عند المحامي.
وأنا حاسس إن كل اللي حصل لأمي…
كان سببه حاجة أكبر من مجرد ميراث.
قررت أروح الأرض.
وقفت في نصها.
بصيت حوالي.
مكان عادي جدًا.
زرع.
وشجر.
وترعة بعيدة.
لكن وأنا ماشي…
لاحظت حجر كبير بارز من التراب.
حاولت أحركه.
كان تقيل جدًا.
استعنت بعامل من البلد.
ولما شلناه…
ظهر غطاء حديد قديم.
فتحناه بالعافية.
كان تحته غرفة صغيرة مبنية بالطوب الأحمر.
نزلت بكشاف.
الهواء كان مكتوم.
وفي آخر الغرفة…
صندوق معدني صدئ.
فتحته.
ولقيت…
دفاتر حسابات.
وختم رسمي قديم.
وخرائط.
وأكياس قماش فيها عملات ذهبية قديمة.
لكن أهم حاجة…
ملف كامل عليه اسم شركة كبيرة جدًا.
شركة كانت استولت زمان على أراضي الفلاحين بالتزوير.
وجدي كان محتفظ بكل الأدلة.
وأبويا كمل بعده.
وأمي فضلت حارسة السر طول السنين.
ساعتها…
فهمت ليه كانوا مستعدين يقتلوها.
الطمع…
ما كانش في البيت.
كان في الملف.
وأنا خارج من الغرفة…
سمعت صوت عربية بتقف بعيد.
ثلاث رجالة نزلوا.
واحد منهم قال:
“أخيرًا وصلنا للملف.”
عرفت إن حد كان بيراقبني من أول ما خرجت من مكتب المحامي.
قفلت الصندوق بسرعة.
وأخفيت الملف تحت هدومي.
وقبل ما يوصلوا…
جريت وسط الزرع.
الرصاص ما اتضربش.
لكنهم كانوا بيجروا ورايا.
وأنا عارف…
إن اللي بدأ كخلاف عائلي…
اتحول دلوقتي لمعركة مع ناس مستعدين يعملوا أي حاجة علشان الحقيقة ما تظهرش
جريت بأقصى سرعة وسط الغيطان…
وسنابل الذرة كانت بتخبط في وشي وأنا بحاول أستخبى.
الرجالة كانوا قريبين.
واحد منهم صرخ:
“إوعوا يهرب… الملف لازم يرجع!”
وقتها…
تأكدت إنهم مش جايين علشان الذهب.
ولا علشان الأرض.
كل هدفهم…
الملف.
رميت نفسي في ترعة ريها ضيقة، واستخبيت تحت كوبري خرسانة صغير.
كنت سامع صوت خطواتهم فوق راسي.
واحد قال:
“أكيد لسه هنا.”
والتاني رد:
“دوروا كويس… لو وصل للشرطة إحنا انتهينا.”
فضلوا يدوروا أكتر من نص ساعة.
ولما اتأكدوا إني هربت…
ركبوا عربيتهم ومشيوا.
طلعت بالعافية
هدومي كلها طين.
لكن الملف…
كان لسه معايا.
بدل ما أرجع البيت…
رحت على طول للضابط اللي كان ماسك قضية أمي.
أول ما شاف حالتي قال:
“إيه اللي حصل؟”
حكيتله كل حاجة.
وسلمته الملف.
فضل يقلب في الأوراق دقيقة كاملة.
وبعدين رفع راسه وبصلي وقال:
“إنت عارف الملف ده معناه إيه؟”
هزيت راسي بالنفي.
قال:
“ده ممكن يفتح أكبر قضية فساد في المحافظة.”
اتضح إن المستندات فيها عقود مزورة، وإيصالات رشاوى، وتوقيعات لمسؤولين سابقين، وكشوف بأسماء أشخاص استولوا على مئات الأفدنة من أصحابها الحقيقيين.
والأخطر…
إن آخر ورقة كانت حديثة
لسه من سنتين بس.
يعني…




