قصص وروايات

سلفتى حكايات

كانت نادية «سلفتي» تحب دائماً التحدث عن بناتها بافتخار ومقارنتهن بالآخرين، وفي يوم من الأيام، عندما زارتني في شقتي، استقبلتها بكل ترحاب وأعددت لها كوباً من الشاي، لكنها عبّرت عن ترددها في تناوله مفضلة الاكتفاء بالزيارة وعدم شربه.

 

كنت كل صباح، حين أفتح باب الشقة لتنظيف المدخل، أسمعها وهي تتحدث مع زوجها سعيد بصوت مرتفع عن سعادتها الكبيرة ببناتها الثلاث، بينما كنت أنظر إلى ابني «ياسين» البالغ من العمر سبع سنوات وأغمره بحناني. ياسين لم يكن كما كانت تصفه أحياناً، بل كان طفلاً ذكياً وحنوناً، ابتلاه الله بظروف صحية وعصبية مؤقتة أثرت على حركة يده ونطقه، لكن قلبه كان نقياً ومليئاً بالبراءة والصفاء.

مرت الأيام، وفي ليلة هادئة، انقلبت حياتنا نحو الأمل والنور عندما اكتشف زوجي «حسام» أن استشارياً كبيراً ومتخصصاً بدقة في حالة ياسين قادماً من ألمانيا في زيارة قصيرة للمستشفى الكبير. توجهنا إلى هناك، وبعد الفحص الشامل والدقيق، فاجأنا الطبيب الألماني «دكتور هانز» بقرار إنساني عظيم: تكفل مركزه البحثي بألمانيا بحالة ياسين بالكامل وسفره للعلاج من دون تحملنا أي تكلفة مادية على الإطلاق.

سافر ياسين برفقة والده إلى ألمانيا، ومرت الشهور ثقيلة طويلة أعيشها بين الدعاء المستمر ومتابعة الفيديوهات اليومية التي كانت تصلني لتظهر لي التحسن المذهل في حركة ياسين وقدرته على النطق. وعندما عاد إلى مصر معافى، سليماً، وقوياً، استقبله الجميع في العمارة بفرحة عارمة وغامرة، ووقف بثبات يحيي الجيران والأقارب بلباقة وذكاء شديدين أبهرا الجميع.

التحق ياسين ببرنامج تعليمي ورياضي متطور، وأظهر تفوقاً مذهلاً وغير عدي في اللغات والعلوم، محولاً سنوات المرض والضعف إلى طاقة جبارة من النجاح والعمل المستمر. وفي المقابل، عندما مرت أسرة نادية ببعض الضغوط والصعوبات الدراسية والنفسية التي واجهت بناتها، لم يكن في قلوبنا أي شعور بالشماتة أو التشفي، بل كنا ندفع دائماً نحو التكاتف والتراحم واحتواء المواقف بكل حب.

وفي موقف تجلت فيه أسمى معاني النقاء والشهامة، تعرض عمها سعيد لعارض صحي خطير ومفاجئ احتاج إلى تدخل جراحي عاجل وتكلفة مادية باهظة لم تكن تحتملها الأسرة. بادر ياسين بكل حب ومروءة مستعيناً بعلاقاته الطبية لتوفير سيارة إسعاف مجهزة، ونقل عمه لأفضل المستشفيات، وتكفل بكافة المصاريف حتى تماثل للشفاء التام. هذا الموقف النبيل والراقي غير نظرة نادية كلياً، وجعلها تراجع نفسها بصدق وتقدم اعتذارها بقلب نادم ومكسور، ليقابلها ياسين بكل سماحة وطيبة، ويقف إلى جوار بناتها لمساعدتهن ودعمهن في تجاوز صعوباتهن بكل إخلاص.

توالت النجاحات والإنجازات في حياة ياسين، وتلقى لاحقاً عرضاً رسمياً ومميزاً من مؤسسة الدكتور هانز بألمانيا ليكون رئيساً لفريق البرمجيات والذكاء الاصطناعي لتطوير أجهزة التأهيل العصبي للأطفال حول العالم، مع توفير منح عائلية ودعوة رسمية لنا للسفر والإقامة معه هناك. وقبل سفره النهائي، أسس ياسين مشروعاً ومبادرة إنسانية كبرى لخدمة الأطفال المحتاجين في وطنه، واقفاً في الشارع بين أهله والجيران الذين استقبلوه بكل حب وفخر وتقدير.

هبطت طائرتنا بسلام في ألمانيا، حيث بدأ ياسين عمله الدولي بتميز واقتدار، ليصل لاحقاً إلى منصات التتويج العالمية والمؤتمرات الكبرى، ملقياً كلمة مؤثرة تؤكد أن الإنسانية والرحمة هما الأساس الحقيقي لأي نجاح في الحياة. وبعد رحلة طويلة ومباركة مليئة بالعطاء والمواقف الإنسانية العظيمة، عاد ياسين ليؤسس في وطنه صرحاً طبياً وعلمياً كبيراً لعلاج الأطفال بالمجان، وبقي طوال حياته رمزاً خالداً للصبر، والأمل، والبركة، والوفاء.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى