
في الفترة دي، كان أهله عايشين في جحيم حقيقي. الشقة اللي طارق كان بيجهزها وكان عايز يأخذني ليها لوحدنا عشان «نتفرج على الديكور والغدا»، أهله اضطروا يعرضوها للبيع بأسعار بخسة جداً عشان يدفعوا الغرامة الـ ١٠٠ ألف جنيه اللي المحكمة فرضتها عليه، وعشان يقدروا يغطوا أتعاب المحامين ومصاريف الاستئناف الفاشلة اللي قدموها.
البيت اللي كان داخل بالغرور والانتصار، أصحابه بقوا يمشوا في الشارع حاطين رؤوسهم في الأرض. أبوه اتغيرت ملامحه وكبر عشر سنين في كم شهر، وأمه بقت قاعدة في بيتها مش قادرة تخرج ولا تبص في وش جارة من الجيران، بعد ما كانت بتمشي تتباهى بعريس بنتها المهندس صاحب الأخلاق والمسجد. وفي يوم من أيام الجمعة، بعد مرور حوالي ست شهور على حبسه، جالي اتصال من رقم غريب على تليفوني. لما رديت، كان صوت بنت نبرتها متوترة وبتبكي خفيف. قالتلي: «السلام عليكم.. إنتي فلانة؟». رديت بثبات: «أيوه، مين معايا؟». قالتلي بصوت مخنوق: «أنا اخت البنت اللي طارق كان بيبتزها قبل ما يتقدم لكِ.. أنا عرفت قصتك وعرفت الحكم اللي أخدتيه ضده. أنا بكلمك عشان أقولك شكراً.. شكراً إنك مكنتيش ضعيفة، شكراً إنك أخدتي حقك وحق أختي وحق كل بنت طارق استغل طيبتها ورعبها من كلام الناس عشان يضغط عليها ويستفرد بيها! أختي كانت عايشة في كابوس وسابت كلية الهندسة بسببه ومرضت نفسياً، ولما عرفت إنه أخد ثلاث سنين ودخل السجن، حست إن روحها ردت لها تاني!».
الكلام ده نزل على قلبي زي المية الباردة. حسيت إن كل لحظة وجع، وكل خناقة، وكل كلمة باطل قالها في حق تربيتي، كان ليها حكمة من ربنا. ربنا سخرني أكون السبب اللي يوقف الجاني ده عند حده ويحميه من إنه يفتك بضحايا تانيين. في الوقت ده، كان طارق جوة السجن بيعيش الأيام المريرة بجد. من حياة المهندس المنعم المستريح، لحياة العنبر والتخشيبة وسط المجرمين والمسجلين. الزيارات اللي كان أبوه بيزورهاله كانت عبارة عن عياط وندم متأخر. طارق كان بيسأل أبوه كل مرة: «هي فلانة لسه مش عايزة تتنازل؟ أرجوك يا بابا روح لها تاني وخليها تتنازل وتطلعني من هنا، أنا بموت كل يوم ألف مرة!». أبوه كان بيرد عليه بقلة حيلة وكسرة: «يا بني اتعلم الأدب بقى! البنت قفلت الصفحة تماماً وعايشة حياتها مرفوعة الراس، والقانون أخد مجراه، إنت اللي جنيت على نفسك وعلى أهلك، اشرب اللي عملته إيدك!».
أنا في الفترة دي كملت حياتي، رجعت لرجلي وثقتي بنفسي، كملت شغلي ودراستي، وبابا وإخواتي بقوا يبصوا لي بإنني الفخر والسند اللي وقف وحمى اسم العيلة وكرامتها في أشد الأوقات. لكن الأحداث مكنتش وقفت عند الحد ده.. لأن طارق وهو جوة السجن، وبسبب مرارته وغله اللي مبيخلصش، كان لسه بيخطط لحيلة أخيرة متوقعتهاش، حيلة هتخلي الوش الستار الأخير يقع تماماً في القصة…
خرج المحامي من بيتنا بعد ما ساب صورة الحكم بالتعويض، وكانت الصالة مليانة فرحة وارتياح ينور الوشوش. المائتان وخمسون ألف جنيه دول مكنوش مجرد رقم، دول كانوا الصك الرسمي اللي أثبت للدنيا كلها إن القانون مبيحْمِيش الأندال، وإن حق البنت الشريفة مبيتنسيش ولا بيموت بالتقادم. طارق جوة السجن وصله خبر حكم التعويض عن طريق محاميه اللي زاره في التخشيبة. المحامي وقفلّه عند السلك وقالّه ببرود: «يا طارق، الموقف بقى أعقد مما تتخيل. المحكمة المدنية فرضت عليك ٢٥٠ ألف جنيه تعويض مدني ونفسي، وبما إنك ما سددتش، أهلك اضطروا يبيعوا العربية اللي حيلتك وشقتك اتعرضت للمزاد الجبري لتنفيذ الحكم. أهلك سابوا المنطقة وعزلوا لشقة إيجار في مكان بعيد، وأبوك قال لي إنه مش يدفع ولا جنيه تاني في أتعاب محاماة!».
في اللحظة دي، طارق حس إن الأرض بتتزلزل تحت رجليه بجد. السقف الواطي بتاع العنبر بقى يضغط على نفسه، والأسوار العالية بقت تخنقه. النهاردة هو مش بس محبوس ومسجوب ومفصول من شغلي ومشطوب من نقابته.. النهاردة هو بياع كل حاجة كان يملكها، أهله اتدمروا، والبيت اللي كان بيتباهى بيه بقى ملك للناس بتمن بخس عشان يدفعوا ثمن أفعاله وقذارته!
وقع طارق على أرضية العنبر وهو بيصرخ ويدق راسه في الحيطة الخرسانة، الدموع نازلة من عينيه مغرقة وشه المتبهدل، والمساجين حواليه بيبصوله بنظرات قرف وسخرية. واحد من كبار العنبر قرب منه وزقه برجله وقال له بقسوة: «افصل يا روح أمك! أنت فاكر نفسك فين؟ هنا سجن.. واللي يظلم بنات الناس ويطعن في شرفهم يسوى تحت الجزمة! اقعد ساكت بدل ما نربيك من جديد!».
مرت الأيام والشهور ثقيلة ومُرة على طارق، وكل يوم بيمر عليه جوة العنبر كان بيموت فيه ألف مرة من الندم والحسرة. كانت تمر عليه ليالي الشتا الثلج وهو قاعد على البرش، يفتكر لما كان بيكلمني في التليفون بدلع وتبجح ويقولي «إنتي معقدة ومش فاهمة الحب»، يفتكر لما جه لحد صالتنا وحاطط رجل على رجل وقال لأبويا «بنتك محتاجة تتربى». كان بيشوف وشه المتورم في مراية الحمامات القذرة يفتكر البوكسات اللي أخدها من إخواتي، ويفتكر نظرة الشموخ والقوة اللي كانت في عينيا وأنا واقفة في نص الصالة بالفستان وبكشف مستوره قدام عيلته كلها!
أما أنا، فكنت بعيش أحلى أيام حياتي. التعويض المالي أخدناه بالقانون، وبابا أصر إن المبلغ ده يتدفع بالكامل في حساب خاص بيا في البنك، وقال لي: «ده حقك وثمن كرامتك اللي حفظتيها يا بنتي، اعملي بيه المشروع اللي بتحلمي بيه ورتبي بيه مستقبلك». بالفعل، أخدت المبلغ واستغليته في فتح مكتب استشارات هندسية وديكور خاص بيا، الشغف اللي كنت بحبه وبحلم بيه طول عمري. المكتب نجح بسرعة بفضل ربنا ودعم أهلي وسمعتي الطيب، وبقيت مهندسة شاطرة ومعروفة في شغلي، والناس بقت تجيلي بالإسم عشان أسلوبي وأمانتي.




