قصص وروايات

خطيبي حكايات روماني مكرم

أمي سحبت إيدها بثبات وقوة، وبصت لها بنظرة عين تعبر عن كل الوجع والقهرة اللي عشناها في الأيام اللي فاتت وقالت لها بصوت صارم هز السلم: «ابني لما يغلط يتربى، لكن ابنك لما غلط طعن في شرف العفيفة اللي كانت هتشيل اسمه! ابنك مفكرش في مستقبلي ولا في حرتي لما كان بيسجل ويفبرك ويشهر بيها على الجروبات! روحوا ابكوا عليه في السجن، لأن السجن هو المكان الوحيد اللي هيعلمه يعني إيه رجولة وأصول!». قفلت أمي الباب في وشهم، ورجعت الصالة وهي مرفوعة الراس، وكان صوت دعوات الجيران في البلكونات واصل لحد عندنا: «يسلم فمك يا أم فلان! أصل ونظافة وحقكم يرجع للقانون!».

مرت الأيام وجاء موعد جلسة المحاكمة أمام المحكمة الاقتصادية والجنايات. المحكمة كانت مليانة على آخرها، أهله وعمامه قعدوا في الناحية الشمال، وجوههم شاحبة وعيونهم زايغة في الأرض، طارق كان واصل من الحبس الاحتياطي، متكلبش في إيد عسكري، لابس طقم السجن الأبيض، شعره مطفي، وشه باهت، ودقنه خفيفة، وعينيه متورمة من كثرة العياط والخوف. مكنش هو ده «المهندس المحترم» صاحب النبرة المتبجحة اللي كان حاطط رجل على رجل في صالتنا وبيقول عليّ «محتاجة أتربى»!

وقفت أنا وبابا وأخويا أحمد مع المحامي بتاعنا في المنصة. لما القاضي دخل وهز الشاكوش، الصمت التام حل على القاعة. المحامي بتاع طارق قام يحاول يتكلم ويدافع بأسلوب واهي: «يا سيادة القاضي، الموكل شاب مستقبله واعد، وكان هناك خلافات خطوبة أدت إلى اندفاع طيش شباب، والصور والمقاطع كانت محاولة لرأب الصدق وتوضيح موقفه وليس للابتزاز أو التشهير المتعمد…».

هنا قام محامينا ورد بكل قوة وحزم، وقدم للمحكمة التقرير الفني الشامل الصادر من إدارة مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والتقرير أثبت بالأدلة الدامغة والقاطعة: إنشاء الصفحة الوهمية من شريحة هاتف مسجلة باسم طارق. استخدام برامج تعديل الصوت والفوتوشوب لفبركة المقاطع. وجود مدادثات وتهديدات صريحة منه بيطلب فيها مساومتي بالرجوع أو التنازل عن الشبكة وإلا ينشر المقاطع المفبركة. المفاجأة الكبرى التي قدمها البحث الجنائي: العثور على ملفات ورسائل مشابهة لهواتف بنتين تانيين كان بيستغل نفس الأسلوب معاهم في أوقات سابقة!

المحامي كمل كلامه وبص للقاضي بثبات: «يا سيادة القاضي، نحن لا أمام طيش شباب، نحن أمام ذئب بشري يتخفى في رداء الفضيلة والنبل، يرتكب جرائم الابتزاز والتشهير بمنتهى الخسة والمكر، طاعناً في أعراض الشريفات، ومستغلاً ثقة الأسر فيه. نطالب بأقصى عقوبة ينص عليها القانون لتكون رادعاً لمن تسوّل له نفسه المساس بأعراض الناس!».

القاضي بص لطارق بنظرة حادة وصرامة هزت جنبات القاعة، وسأله مباشرة: «يا طارق.. الرسائل والتسجيلات دي صدرت منك؟». طارق بدأ يرتجف، صوته خرج مخنوق ومتقطع، ودموعه نزلت على وشه: «يا سيادة القاضي.. أنا.. أنا كنت غضبان.. هي رفعت راسها عليا وفضحتني قدام عيلتي وأهلي.. أنا كنت عايز أرد كرامتي بس…».

سكت القاضي لحظة، ونظر في الأوراق، ثم رفع رأسه وقال بصوت هز جدران المحكمة: «الكرامة لا تُبنى على الباطل، والأعراض ليست ساحة لتصفية الحسابات! من يبحث عن الكرامة يلتزم بالحق والأصول، لا بالخسة والافتراء!». رفع القاضي الجلسة للمداولة. الساعتين اللي قضيناهم مستنيين الحكم كانوا زي الدهر على طارق وأهله. أمه كانت قاعدة برة بتقرأ قرآن وبتعيط بصوت عالي، وباباه كان واقف ساند راسه على الحيطة ومش قادر يبص لأي حد من الناس.

وبعد فترة، اتفتحت القاعة ورجع القضاة للمنصة. النطق بالحكم كان لحظة حاسمة يترقبها الجميع. ساد الصمت، وقرأ القاضي الحكم بكل حزم: «حكمت المحكمة حضورياً على المتهم طارق…». وقفت بثبات وراسي مرفوعة، وسبته يتسحل لصيره المحتوم.

خرجنا من باب المحكمة، والشمس طالعة مالية المكان، بابا حضنني جامد وقال بصوت مليان دموع وفخر: «الله يرضى عليكِ يا بنتي.. علمتينا وعلمتي الشارع كله إن البنت العفيفة القوية تقدر تاخد حقها بالحق والقانون، وإن الظالم لازم يترد له عمله في الدنيا قبل الآخرة».

لكن رغم السجن ورغم العقوبة، كانت فيه مفاجأة ثانية مستنية طارق في شغله وفي حياته العملية، مفاجأة هتكمل كسر كبرياءه وتثبت إن اللي يفرّط في شرف الناس، الدنيا كلها بتقفل أبوابها في وشه.

صدى الحكم بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات على طارق طار في كل حتة، ومكنتش القضية محصورة في الشارع أو بين العيلتين بس، لأن الفضايح اللي من النوع ده في عصر السوشيال ميديا والقضايا الاقتصادية بتوصل لأبعد مما أي حد يتخيل. طارق كان شغال مهندس في شركة مقاولات واستشارات هندسية كبيرة ومعروفة، وكان بياخد مرتب محترم وممسك مشاريع مهمة، وكان ديماً يتباهى بقيمته ووظيفته قدام الناس. لكن اللي مكانش يستوعبه، إن الشركات المحترمة مبتسمحش إن اسم أصحاب الجرائم والشهادات الجنائية يرتبط باسمها.

بعد صدور الحكم بأسبوع واحد بس، أرسلت إدارة الشركة خطاب رسمي لصحيفة حالته الجنائية وللسجن اللي محبوس فيه، وصدر قرار تنفيذي يفصل «المهندس طارق» فصل تعسفي وبدون أي مستحقات أو مكافأة نهاية خدمة، استناداً لبنود قانون العمل اللي بتنص على إن صدور حكم نهائي في قضية مخلة بالشرف والأمانة يؤدي للفصل الفوري المباشر. مش بس كدة، الشركة أرسلت إخطار لنقابة المهندسين عشان يحيطوهم علماً بالحكم الصادر ضده. ونظراً لأن الجريمة تمس الشرف والنزاهة والابتزاز الإلكتروني، بدأت النقابة إجراءات الشطب والتجميد لعضويته، يعني طارق لما يخرج من السجن بعد ثلاث سنين، مش بس هيكون رد سجون وسابق إدانة، ده كمان ملهوش أي صفة مهنية ولا يحق له ممارسة مهنة الهندسة في أي مكان داخل مصر!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى