قصص وروايات

خطيبي حكايات روماني مكرم

و بيتضرب، خلى الجيران كلهم يخرجوا في البلكونات ويقفوا في الشارع مستنيين يشوفوا «المهندس المحترم» وهو طالع. ولما باب العمارة اتفتح، وخرج طارق بين أبوه وعمامه، وشه متغرق دم، قميصه مقطوع، ورجليه بتتسحل على الأرض ومش قادر يرفع عينه في عين حد، الشارع كله اتجمد من الصدمة. الناس اللي كانت بياخدوا بكلمته ويحلفوا بأخلاقه، بقوا يتهامسوا ويشاوروا عليه. أبوه كان ماشي بسرعة وزي ما يكون بيهرب من نظرات الجيران، وعمامه كانوا ماشيين حاطين رؤوسهم في الأرض من كتر الخزي والكسفة.

وفي لحظة، واحد من كبار الشارع وقفهم وسأل بصوت عالي: «خير يا حاج؟ فيه إيه وطارق مال وشه كدة؟» عم طارق الكبيرة مبصش في وشه رد بكل حسرة: «ابننا وكسنا وجاب لنا العار.. حسبي الله ونعم الوكيل فيه وفي اللي رباه!». الكلمة نزلت على الشارع زي القنبلة، وفي دقائق كانت الحقيقة منتشرة في كل بيت في المنطقة: طارق اللي كان بيعمل فيها الشريف العفيف، اتكشف على حقيقته، والجامد اللي فكر يطعن في شرف بنت أصل، اتأدب وأخد علقة الموت جوة بيتها ورجع لأهله مجرور من كرامته!

في الصالة عندنا، كان الجو مليان بفخر وكبرياء مش طبيعي. بابا كان قاعد على الكرسي، ماسك إيدي وبيعيط من الفرحة والراحة، وإخواتي أحمد ومحمود واقفين ونفسهم عالي من الأكشن اللي حصل، بس عينيهم بتلمع بنصر. أحمد قرب مني وطبطب على كتفي وقال بصوت كله حنية وغضب مكتوم: «والله العظيم يا أختي لو كان نطق بكلمة زيادة كنت قتلته في صالتنا! بس الحمد لله إنك طلعتي أجدع منا كلنا، ورجعتي حقك وحق أهلك بالدليل والبرهان قدام عيلته كلها!».

محمود كمل وهو بيضحك بانتصار: «ده مش هيعرف يمشي في الشارع ولا يرفع عينه في وش راجل لمدة سنة قدام! الدهب اللي كان جاي ياخده بتبجح، بقى حسرة في قلبه، وشه اللي اتعجن ده ثمن قليل أوي على كدبه وطعنه فيكِ!».

بس القصة مكنتش خلصت عند النقطة دي.. الانتقام الحقيقي وطعنة القدر كانت لسه جاية. طارق وأهله، لما رجعوا بيتهم وشافوا الفضيحة اللي بقت على كل لسان، الخبث والمكر اشتغلوا عندهم تاني. طارق، من كتر الغل والحقد اللي في قلبه، ومكانش قادر يستوعب إن بنت قدرت تكسر غروره وتفضحه بالصوت والصورة، فكر إنه يتحدانا وينتقم بالطريقة الخسيسة اللي شبهه.

طارق اللي كان بيتمشى بفخر واعتزاز وبيفرد جسمه على خلق الله، بقى محبوس احتياطي على ذمة قضية كفالتها أرقام خيالية والتهمة فيها حبس مش أقل من ٣ لـ ٥ سنين! أبوه وجده يجرو على بيتنا تاني، بس المرة دي مكنش معاهم طارق، ولا كان معاهم نفخة كدابة. أبوه جيلنا بيعيط، بيبوس إيد بابا قدام الجيران في الشارع ويترجاه: «يا حاج تنازلوا عن القضية! الولد مستقبله ضاع وهيدخل السجن! أبوس إيدكم اعفوا عنه والمبلغ اللي تطلبوه كتعويض هنيدفعه!».

بابا بص له بنظرة قسوة وكبرياء، وسحب إيده منه وقاله بصوت سمع الشارع كله: «لما جيت بيتي تطعن في شرف بنتي، مجهتش تفكر في مستقبلها ولا سمعتها! لما جه ابنك يفبرك صور ويشهر بيا وبأهلي، مجهش يفكر إن ربنا بالمرصاد! ابنك مكانش محتاج يتربى في بيتنا بس.. ابنك محتاج يتربى في السجن عشان يعرف إن شرف بنات الناس مش لعبة في إيد الأندال!».

وقفت أم طارق وأخواته البنات قدام باب شقتنا، يدمعوا ويتوسلوا لأمي في المدخل، وكانت الشارع كله يتفرج على الموقف اللي يقلب الموازين. المرة دي مفيش كبر ولا تناكة، المرة دي انكسار تام وخزي مالوش أول من آخر. أم طارق مسكت في جلابية أمي وبقت تصرخ بصوت مكتوم: «يا أم فلان، اعتبريه ابنك وغلط! المستقبل هيضيع، المهندس اللي حيلتنا هيدخل السجن مع المجرمين! أرجوكم تنازلوا عن البلاغ وخذوا أي تعويض تطلبوه!».

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى