قصص وروايات

خطيبي حكايات روماني مكرم

مسكت تليفوني بثبات يوجع، صباعي كان بيترعش من كتر الضغط بس الابتسامة على وشي ما تهزتش. الصالة كلها كانت ساكتة، صمت يخنق، صمت المستني الضحية تنكسر وتبارك الظلم. طارق تحول وشه من الذهول لغضب مكتوم، حط إيده في جيبه وقام وقف بنفخة كدابة وقال بصوت عالي يحاول يداري بيه توتره: «تسليم إيه وحقيقة إيه اللي جاية تتكلمي عنها؟ عمي، أظن الكلام خلص، خلي بنتك تسلم الذهب من غير دراما وملاوعات مالهاش لازمة، إحنا ناس بنعرف الأصول ومستغنيين!».

ابتسمت ببرود، وبصيت لكبار العيلتين، لعمامه اللي قاعدين بصدر مفتوح ولأبوه اللي كان يبص لبابا بنظرة استعلاء، وقولت بصوت حاد رن في كل ركن: «الأصول؟ حلوة كلمة الأصول دي يا طارق.. بس يا خسارة، الأصول مبتتحكى في قعدات الرجال، الأصول بتتفهم وتتطبق في الستر والتقوى. وبما إنك جيت لحد بيتي وطعنت في تربيتي وسمعتي قدام أهلي وناسي، يبقى الأصول بتقول إن المستور ينكشف بالصوت والصورة قدام الكل».

فتحت شاشة التليفون ودست على تسجيلات الواتساب، ووصلت الموبايل بسماعة «بلوتوث» صغيرة كنت مجهزاه في إيدي. في ثواني، خرج صوت طارق من السماعة، نقي وواضح ومفيش فيه أي مجال للشك: (يا بنتي إنتي معقدة ليه؟ إحنا خلاص هنكتب الكتاب بعد سنة، هنروح الشقة لوحدنا نقعد شوية براحتنا ونطلب غدا، فيها إيه يعني؟ ما إحنا في حكم المتجوزين والكل عارف إننا لبعض! بلاش دماغك الناشفة دي وإلا هفشكل كل حاجة وأخلي الكل يقول عليكِ مابتفهميش!).

الصدمة كانت زي الصاعقة ونزلت على الصالة. عمام طارق وباباه عينيهم وسعت، الابتسامة المتبجحة اللي كانت على وش طارق اختفت تماماً ووشه باخ وبقى لون الورق الميت. قبل ما حد يستوعب، دوست على تسجيل تاني وصوته طالع بالتهديد والتلميحات القذرة، وبدأ يذيع كل كلمة حاول يقل فيها أدبه، وتلميحاته اللي كان بيطلب فيها حاجات مش من حقه، ولما كنت بصده، كان صوته في التسجيل يعلى ويشتم ويقول: (أنا هعرف إزاي أربيكي وأكسر مناخيرك دي قدام أهلك!).

مش بس التسجيلات، رفعت الشاشة وبدأت أقرأ الرسايل المكتوبة بالتواريخ والساعات، رسايل شات أثبتت بالدليل القاطع إنه هو اللي كان بيساومني بين شرفي وكرامتي وبين إنه يكمل الخطوبة، وإن الطعن اللي طعنه فييا قدام بابا لم يكن إلا حيلة قذرة ورخيصة انتقاماً لرفضي إنه يستفرد بيا في الشقة!

الهدوء اللي كان في الصالة تحول لبركان بيغلي. أبوه كانت عينيه مبرقة ومش قادر يرفع راسه، وعمامه بيبصوا لبعض بقلة حيلة وخزي. وبابا، اللي كان قاعد ومكسور النفس، راسه اترفت لفوق، وعينيه لمعت بنظرة كبرياء وفخر هزت الصالة.

طارق اندفع في نوبة جنان وارتباك، جرى عليا عشان يسحب التليفون من إيدي وهو بيصرخ بصوت هيستيري: «قليلة الأدب! بتسجليلي؟ دي رسايل مفبركة! أنتِ وحدة خائنة ومتربيتيش!». وقبل ما إيده تلمس طرف فستاني، كان أخويا الكبير «أحمد» زي الأسد الجريح، مسكه من رقبة قميصه بضربة خطفت أنفاس الكل، وزقه لورا وقعه على الترابيزة الرخام. الترابيزة اتكسرت نصين، وطارق صرخ من الوجع، بس أحمد ومحمود أخويا التاني ما أدوهاش فرصة يتنفس. محمود نزل فيه بالبوكس على وشه وهو بيصرخ فيه: «أنت بتشتم أختنا في بيتنا يا زبالة؟ جاي تتبلى عليها وتطعن في شرفنا يا واد يا منافق؟».

الصالة تحولت لملحمة، ضرب وضرب من إخواتي اللي كان غيظهم ودمهم المكتوم بيطلع في كل قبضة. طارق كان بيترجى وبيصرخ وشه اتملى دم، وشعره اتبهدل، وعمامه وباباه قاموا يجرو يحجزوا، بس إخواتي كانوا زي الفصائل المفترسة، نازلين فيه ضرب وإهانة قدام أهله كلهم، وعمامه نفسهم من كتر الخزي والكسفة كانت محاولاتهم ضعيفة، لأنهم شافوا وسمعوا حقيقة ابنهم اللي كانوا حاطين راسهم بيه في السما.

بابا وقف بثبات، صوته المرة دي كان زي الرعد، ضرب بعصايته على الأرض وقال لإخواتي: «بس يا ولد منك له! سيبوا الكلب ده يتنفس عشان يسمع كلمتي الأخيرة!». إخواتي بعدوا عنه بالعافية، وطارق كان واقع على الأرض بيمسح الدم من مناخيره وشفايفه، بيترعش ومنهار من الخوف والإهانة، كل الغرور والتبجح اللي دخل بيه اتعجن تحت جزمتنا.

مسكت علبة الدهب والشبكة من على الترابيزة، وبصيت لأبوه ولعمامه وقولت بكل شموخ: «الدهب ده؟ الدهب ده مش حقه، ولا يدخل جيبه دهب ولا قرش صاغ من بيتنا! الدهب ده تعويض عن كلامه القذر وطعنه في كرامتنا قدام الناس، والدهب ده يغور في ٦٠ داهية مش عايزينه بس مش هيدخل جيبه تاني، كفاية إنه طلع من بيتنا بلبسه المتقطع ووشه المدمي!».

بابا بص لأبو طارق وقال بصوت يهد الجبال: «سمعتوا بنفسكم ابنكم المحترم اللي كنتم فاكرينه مفيش منه اثنين؟ ابنكم اللي جايبينه يتبلى على بنتي الشريفة العفيفة؟ الذهب ده مش هيشوفه، ومفيش راجل فيكم يجرؤ يفتح بقه بكلمة! اخرجوا برة بيتي برجلين مكسورة ورؤوس متوطية في الطين، ولو شفت شكل واحد فيكم في شارعنا ولا سمعت نفس من ابنكم على بنتي تاني، قسمًا بالله هيكون آخره الترب!».

عمام طارق أبدو الخجل الشديد، واحد منهم بص لأبوه وقال: «يلا بينا يا أخي.. مالناش عين نرد ولا نتكلم، ابنك وكسنا وجاب لنا العار!». قام أبوه يشيل طارق من على الأرض وهو مش قادر يبص في عين بابا ولا عين إخواتي. طارق كان بيتكركر ورجليه مش شايلاه، وشه متورم وعينيه مقفولة من الضرب، يمتلىء بذل وعار عمره ما هيتنسى.

وخرجوا كلهم من البيت يجروا أذيال الخيبة والفضيعة قدام منطقة بحالها كانت واقفة تحت البيت مستنية تشوف إيه اللي بيحصل بعد الصوت العالي اللي كان طالع من الصالة. قفلت الباب وراهم، ورجعت بصيت لبابا وإخواتي، وحسيت بنصر وراحة هزت قلبي من جوه. بابا جرى عليا وحضنني بكل قوته وهو بيبكي ويهتف: «سامحيني يا بنتي.. رفعتي راسي وراس عيلتك كلها، الحمد لله إن ربنا كشفه قبل ما يتقفل عليكِ باب واحد!».

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى