قصص وروايات

خطيبي حكايات روماني مكرم

وفي يوم من الأيام، بعد مرور سنتين ونصف على حبس طارق، وجماهير المنطقة والناس كلها نسيت اسمه وبقت قصته مجرد عبرة بيحكوها للبنات وللشباب عن عاقبة الظلم، حصلت المفاجأة اللي أربكت كل الحسابات. كنت قاعدة في مكتبي الصبح براجع مخططات أحد المشاريع، ولقيت الباب بيتفتح ودخلت سكرتيرة المكتب وهي باين على وشها التوتر والتفاجؤ: «يا بشمهندسة.. فيه واحد برة عايز يقابلك ضروري، بيقول إنه قريبك وجايبلك رسالة من أهلك». استغربت وقولتلها: «قريبي؟ اسمه إيه؟». قالت لي وهي بتبص في الورقة: «بيقول اسمه المهندس طارق…». القلب اتنفض لحظة، بس مش من الخوف.. من صدمة الوقاحة!

طارق خرج إفراج شرطي بحسن السلوك بعد ما قضى ثلثين المدة، وأول حاجة فكر يعملها بعد ما خرج ورجليه لمست الشارع، إنه يجي لحد مكتبي! وقفت بثبات، وعدلت لياقة الجاكيت بتاعي، وابتسمت ابتسامة ثقة وقولت للسكرتيرة: «خليه يدخل يا فتاة.. خلينا نشوف المكسور جاي يبيع إيه المرة دي!».

اتفتح باب المكتب، ودخل طارق.. بس مكنش طارق المهندس المنعم صاحب الابتسامة الموزونة واللبس الشيك. دخل شخص ثاني خالص.. شخص باهت، ظهره منحني، وشه ماليانه تجاعيد وكدمات قديمة، لابس هدوم بسيطة جداً ومستعملة، عينيه دبلانة ومكسورة وفيها نظرة ذل ورعب ملهاش حدود. أول ما شافني واقفة ورا مكتبي بكامل شياكتي وكرامتي وهيبتي، اتجمد في مكانه، ودموعه اتجمعت في عينيه بسرعة.

وقف طارق قدام المكتب، رجله مكنتش شايلاه، ويديه الاثنين بيترعشوا بخوف واضحة. الصمت ساد في الأوضة لثواني، صمت أتقل من الجبال، صمت بيلخص سنتين ونص من العذاب والجحيم اللي عاشهم جوة السجن، مقابل سنتين ونص من النجاح والعزة والتمكين اللي أنا عشتهم برة.

بصيت له ببرود تام، حطيت إيدي في جيبي وقولت بصوت هادي وثابت: «خير يا طارق؟ أظن السجن المفروض يكون علمك إن اللعب معايا مبينتهيش لصالحك.. جاي مكتبي تعمل إيه؟». طارق دمعت عينيه، ونزل على ركبه قدام مكتبي في منظر يوجع القلب من كثر الذل والإهانة. رفع إيده المترعشة وبقى يتوسل بنبرة صوت مكسورة ومخنوقة ومفيهاش أي أثر للغرور أو التبجح القديم: «أنا مش جاي أئذيكي ولا جاي العب.. أنا جاي أترجاكي يا فلانة.. أنا اتدمرت! اتدمرت بالكامل! السجن أكل من عمري، وصحتي راحت، وأمي ماتت بالحسرة بعد ما طلعت من السجن بأسبوع واحد بس وهي مش قادرة تبص في وش حد! أهلي اتشتتوا، وبابا مش راضي يبص في وشي ولا يكلمني، وشقتي وشهاداتي وفلوسي كلها راحت لحساب التعويض والقضايا!».

كمل وهو بيعيط بحرقة وبيمسح دموعه بآكمام قميصه المتبهدل: «أنا بقيت أمشي في الشارع الناس بتشاور عليا وتقول ده رد السجون اللي كان بيتبلى على بنات الناس! محادثاتي وشهادة سجلي الجنائي قافلة في وشي كل أبواب الشغل.. مفيش شركة راضية تشغلني حتى عامل! أنا جاي أترجاكي سامحيني.. سامحيني وابعتي جواب للنقابة أو للشركة تقولي إن الموضوع كان سوء فهم، عشان أعرف أشتغل وأجيب لقمة عيش أعيش بيها بدال ما أتسول في الشوارع!».

منظر طارق وهو راكع على الأرض كان أكبر دليل إن عدل ربنا مبيتأخرش، وإن الظالم لازم يشرب من نفس الكأس اللي حاول يسقي منه غيره. اللي جه بيتي في يوم من الأيام يطعن في تربيتي قدام بابا وإخواتي، ويتهمني في شرفي، ويقول بثقة وتبجح «بنتك محتاجة تتربى»، واقف النهاردة راكع تحت رجلي، بيترجى كلمة واحدة مني تشيل عنه عار أفعاله!

رفعت راسي لسابع سما، وبصيت له من فوق لتحت بنظرة استحقاق وشموخ، وقولت له بنبرة حاسمة هزت أركان المكتب: «تقوم تقف على حيلك يا طارق! القعدة دي مبقتش تأثر فيا ولا تنطلي عليا بدموع التماسيح دي. لما جيت لحد بيتي وطعنت في سمعتي وتربيتي قدام بابا وإخواتي، مدمعتش عينك ولا فكرت في قلوبهم اللي كانت بتموت من القهرة! لما عملت التسجيلات وفبركت الصور ونشرتها على الجروبات عشان تدمر حياتي وسمعتي، مكنش عندك أي رحمة ولا عملت حساب لأمك ولا لأهلك ولا لربنا اللي فوقيك!».

مشيت خطوات بطيئة ووقفت قدامه وهو بيحاول يقف بالرحمة، وقولت له: «أنا مادتكش السجن من عندي.. أنت اللي اديت نفسك السجن بقلة أدبك وخستك. والقانون أخد مجراه، وتعويض كرامتي أخدته بالقانون ورجعت بيه حقي وحق أهلي. أما إنك تطلب مني أزور الحقيقة أو أغير التاريخ عشان أسامحك؟ أبدًا! اللي يعمل كدة مع بنت أصل، يستاهل يشيل عاقبة أفعاله العمر كله».

طارق بصلي بذهول وكسرة وقال: «يعني خلاص؟ مفيش أمل؟ هعيش طول عمري مطرود ومكسور؟». رديت عليه بابتسامة ثقة وصرامة: «الأمل كان في إيدك لما كنت مهندس محترم والناس بتحلف بأخلاقك، بس أنت اخترت الوش القذر وشربت من كاسك. دلوقتي اتفضل اخرج برة مكتبي، ولو رجلك عتبت المكان ده تاني أو حركت ساكن ناحية بيتنا أو أهلي، أنت عارف كويس أوي إن البلاغ الجديد هيضيع الباقي من عمرك جوة السجن!».

طارق لف وشه وهو بيجر رجليه بالخيبة والعار، طالع من مكتبي حافي الكرامة، ضهره مكسور، وعينيه مطفية، راجع للشارع اللي مابقاش يرحمه ولا يرحم خيانته. لكن الأحداث مكنتش انتهت عند النقطة دي.. لأن المواجهة الأخيرة والستار النهائي كان لسه فاضل له خطوة واحدة، خطوة هتجمع الكل في مشهد النهاية الحاسمة!

خرج طارق من مكتبي يجر أذيال الخيبة والكسرة، والباب اتسد وراه للأبد. في اللحظة دي، حسيت بنسيم دافي بيلمس قلبي، كأن كل سنين الخوف، والضغط، والظلم اللي عشتهم اتغسلوا بكلمة حق واحدة وبموقف ثبات ميهتزش.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى