جوزي بعتلي انا و حماتي زيارة نروح بيها نعمل عمرة الجزء الاول

كنت لسه واقفة زي الصنم، مصدومة من وجوده أصلًا، ومش فاهمة ليه كل الرعب ده على شوية تمر وسواك. سألته بصوت بيرتعش:
— عمران؟ أنت جيت إمتى؟ إزاي واقف هنا وأنت لسه قافل معايا؟ وفين شنطك؟ وإيه اللي جابك بالشكل ده؟
صاح في وشي وهو بيهزني من كتافي بغضب، والشنطة السودا لسه متعلقة في دراعه التاني:
— مش وقت أسئلتك الغبية دي خالص دلوقتي! جاوبي على سؤالي: الكرتونة فين؟ حد مد إيده عليها؟ فرقتي منها حاجة؟ شوفتي اللي جواها؟
رجعت خطوة لورا وأنا مرعوبة من شكله. عمره في حياته ما اتعامل معايا بالطريقة دي، ولا شفته بالحالة دي من التوتر. شاورت بإيدي المرتعشة على ركن الصالة جنب ترابيزة السفرة، وقلتله:
— أهي هناك أهي في الركن، ملمستهاش والله غير لما طلعتها، ومحدش جه لسه، كنت مستنية الناس تيجي عشان أفتحها وأوزع منها.
أول ما عينه وقعت على الكرتونة، حسيت إنه اتنفس الصعداء، كأن روحه ردت فيه فجأة، لكن في نفس الوقت فضل التوتر مسيطر عليه تمامًا. جرى عليها، قعد على ركبه في الأرض، وبدأ يتفحص اللزق والسلوتيب اللي مقفول بيه الكرتونة بدقة مريبة، بيمشي صوابعه على الحواف ويتأكد إن مفيش شق في الكرتون ولا السلوتيب متفكك من أي حتة.
في اللحظة دي، سمعت صوت دبة رجلين طالعة على السلم بسرعة، وبعد ثواني الباب بتاع الشقة بدأ يترزع عليه بإيدين بتخبط بعنف، وصوت حماتي بيجلجل في العمارة:
— افتح يا عمران! افتح يا ابني قبل ما تفضحنا، افتح وشوف المصيبة اللي مراتك كانت هتودينا فيها!
عمران قام مفزوع، وفتح الباب بسرعة وسحب أمه لجوه وقفل تاني بالترباس. حماتي دخلت وهي بتنهج، طرحتها معوجة ووشها أحمر من كتر الانفعال، وبصتلي بكره وغيظ عمري ما شفتهم في عيونها طول السنين اللي فاتت، وقالت لابنها بصوت بيهز الشقة:
— شوفت؟ شوفت اللي عملته؟ نزلت شقتي واستغفلتني وأخدت الحاجة من ورا ضهري! لو كانت فتحت الكرتونة قدام حد من الناس ولا الجيران، كانت هتبقى سيرتنا على كل لسان وفضحتنا في المنطقة كلها!
أنا هنا حسيت إن عقلي هيفوت مني. وقفت في نص الصالة، بصيت لعمران وبصيت لحماتي، وصرخت فيهم:
— هو في إيه بالظبط؟ أنتوا اتجننتوا؟ فضيحة إيه وتمر إيه وسرقة إيه؟ أنا نزلت أخدت حق جوزي جابه عشان نوزعه في عمرتنا! إيه الجريمة في شوية بلح وسواك ومية زمزم؟ وليه أنت نازل من المطار مستخبي كده من غير ما تقولي إنك نازل مصر أصلًا؟ فهّموني في إيه بدل ما ألم عليكم الناس وأسيب البيت ده وأمشي!
حماتي ردت عليا باستهزاء:
— تلمي مين يا ست لسانك طويل؟ ده أنتي لو شوفتي اللي كنتي هتوزعيه على الناس، كنتي حطيتي راسك في الطين ومرفعتيهاش ليوم الدين!
عمران قاطعها بزعيق:
— بس يا ماما، اسكتي خالص! مش وقته الكلام ده، إحنا لازم نتصرف دلوقتي وقبل الصبح.
بصلي عمران وعينيه كلها شرار وقال:
— أنتي متعرفيش أنتي عملتي إيه بحركتك دي. أنتي مش بس بوظتي اتفاق كبير، أنتي كنتي هتودينا ورا الشمس كلنا! الكرتونة دي مكنش المفروض تطلع من شقة أمي خالص، ولا كان ليكي دعوة بيها!
قلتله وأنا بصرخ بدموع القهر:
— ولما هي مكنش ليا دعوة بيها، بعتهالنا مع بعض ليه؟ وقولتلي دي هدايا العمرة ليه؟ ليه عملتني مغفلة وخلتني أروح وأجي وأنا فرحانة بزيارة بيت ربنا، وفي الآخر طالع بتخبي عني وبتعاملني كأني غريبة ولا عدوتك؟ هو التمر ده فيه إيه بالظبط؟ فيه دهب متهرب ولا فيه مصيبة؟ انطق يا عمران!
قربت من الكرتونة ووطيت عشان أفتحها بإيدي وأشوف بنفسي إيه الحكاية، لكن عمران لمح حركتي فجأة، وهجم عليا، شدني من دراعي بقوة لدرجة حسيت إن عضم كتفي هيتخلع، ورزعني على الكنبة وقال بصوت جهوري:
— إياكي تلمسيها! قولتلك إياكي تلمسيها!
في اللحظة دي، حسيت برعب حقيقي، مش من المجهول وبس، ده من جوزي اللي عشت معاه سنين وما كنتش أعرف إنه ممكن يكون بالطريقة دي. قعدت على الكنبة وأنا بعيط وبنهج، وببص لحماتي اللي كانت واقفة تبص لابنها بنظرة غريبة، وبتقوله:
— ما تفتح يا بني الشنطة اللي في إيدك دي كمان، ووريها الباقي، وريها اللي كانت هتضيعه من إيدينا عشان شوية تفاهة وتمر توزعه على حتة جيران.
عمران بص لأمه بعتاب وخوف، وقالها:
— يا ماما اهدي شوية، أنتي مش فاهمة إحنا لسه في خطر قد إيه. الراجل اللي اسمه ممدوح رن عليا أول ما حطيت رجلي في مصر، وقالي إنه جاي يستلم الأمانة من هنا بعد ساعتين بالكتير. ولو جه ولقى الكرتونة فيها علبة ناقصة ولا حتى سلوتيب مقطوع، هنروح في داهية ومش هيرحمنا.
الاسم وقع على ودني زي الصاعقة. ممدوح؟ ممدوح ده مين؟ مفيش حد في عيلتنا ولا في قرايبنا بالاسم ده، ولا حتى في صحاب عمران اللي أعرفهم طول فترة شغله هنا أو في الغربة. مسحت دموعي بإيدي، وقومت وقفت تاني، وحاولت أكون أهدى عشان أفهم المصيبة اللي بتدبر حواليا، وقلتله بصوت واطي ومبحوح:
— عمران، مين ممدوح ده؟ ومين الراجل اللي جاي ياخد كرتونة تمر في نص الليل؟ ولو دي أمانة لراجل غريب، ليه كنت قايلي إنها لينا ولضيوفنا؟ ليه دخلتني في اللعبة دي وأنا لسه راجعة من أطهر مكان في الأرض؟ انطق يا ابن الناس وقولي الحقيقة، بدل ما أفتح الشباك ده وأصرخ بعلو صوتي وأفضح الدنيا!
عمران اتوتر أكتر لما هددته بالصراخ، وحماتي اتخضت وقالت:
— يا بت اسكتي، ربنا يخرس لسانك! هتودي بيتك في داهية!
عمران أخد نفس عميق، ورمى الشنطة الجلد السودا على الترابيزة قدامي. الشنطة كانت تقيلة وليها رنة غريبة لما نزلت على الخشب. قعد عمران على الكرسي وحط راسه بين إيديه، وقال بنبرة مكسورة أول مرة أسمعها منه:
— أنا مكنتش عايزك تدخلي في الحوار ده يا منار، بس تصرفك وطمعك في شوية هدايا هو اللي وصلك للمرحلة دي.
— طمعي؟! قلتها بحرقة. أنا طماعة عشان عايزة أضيف الناس اللي جاية تباركلنا بعمرتنا؟! أنا طماعة يا عمران؟!
قال وهو باصص في الأرض:




