جوزي بعتلي انا و حماتي زيارة نروح بيها نعمل عمرة الجزء الاول

— الكرتونة دي مفيهاش تمر عادي، ولا السبح دي سبح عادية. أنتي فاكرة إني حجزتلك أنتي وأمي العمرة دي عشان سواد عيونك فجأة؟ فاكرة إن الفلوس دي كانت من مدخراتي اللي بتسألي عليها كل شهر؟
الكلمات نزلت عليا زي المية الساقعة، قلبي اتقبض وبصيتله بذهول:
— قصدك إيه؟ فهمني، متسيبش كلامك ملغز كده!
رفع راسه وبصلي، وكانت عيونه حمرا زي الدم:
— أنا كان عليا ديون مكسورة في السعودية بمئات الآلاف، ديون شغل وخسارة في تجارة دخلت فيها وخسرت كل مليم، وكنت مهدد بالسجن هناك ومكنتش هعرف أرجع مصر أبدًا. ممدوح ده واحد من الناس اللي شغالين في نقل الأمانات والأوراق والحاجات الحساسة بين مصر والخليج. عرض عليا يسدد كل ديوني، ويرجعني مصر مكرم، ويديني كمان قرشين حلوين نعيش بيهم ونجيب الشقة التمليك اللي كنتي بتحلمي بيها، بس بشرط واحد.
سكت عمران وبلع ريقه بصعوبة، وحماتي كملت مكانه بصوت واطي وبكل برود:
— الشرط إنه يستغل زيارتكم لبيت ربنا. قال إن الستات الكبار والزوجات اللي راجعين من العمرة بحاجاتهم وهداياهم مبيقفوش كتير في التفتيش، ومحدش بيشك في كراتين التمر المقفولة ومية زمزم المغلفة.
أنا حسيت إن الأرض بتلف بيا، ورجليا مبقتش شيلاني. قعدت على أقرب كرسي وأنا بحط إيدي على قلبي اللي كان بيدق بسرعة جنونية:
— استغليتوني؟ خليتوني ستارة لحاجة ممنوعة؟ هربتوا إيه في الكرتونة دي يا عمران؟! هربت إيه في حاجات العمرة؟! مواد ممنوعة؟ دهب؟ انطق يا مجرم، هربت إيه؟!
عمران انتفض وقال بسرعة وبلهفة كأنه بيبرأ نفسه:
— لأ والله العظيم مش مواد ممنوعة! ولا عمر درهم حرام يدخل بيتي بالطريقة دي! ولا دهب حتى. الكرتونة دي جواها أوراق وعقود ومستندات، وقطع قيّمة صغيرة، وحاجات خاصة بتاعة ناس كبيرة، حاجات ممنوعة تنقل بالطريقة العادية، وممدوح ده الوسيط بتاعهم هنا. ممدوح هو اللي صمم إن كرتونة التمر تتفرغ من النص وتتحط الحاجة في قوالب متغلفة كأنها عجوة ومقفولة ليزر، بحيث لو عديتي على أجهزة المطار متظهرش غير إنها كتل عضوية زي البلح بالظبط! وكل علبة مرسوم عليها علامة معينة أنا بس وماما اللي عارفينها!
بصيت لحماتي اللي كانت واقفة وموطية راسها، وسألتها:
— وأنتي؟ أنتي كنتي عارفة؟ كنتي عارفة إن ابنك بيشيلنا مصيبة زي دي؟ كنتي عارفة وساكتة وبتصلي في الحرم وتدعي ربنا وأنتي شايلة معاكي أمانة مشبوهة؟
حماتي بصتلي بصلابة وقالت من غير ما يطرف ليها جفن:
— كنت بنقذ ابني من السجن والغربة يا هانم! ابني كان هيضيع، كان هيتحبس في بلد غريب ومكناش هنعرف نطلعه! وبعدين أنتي مالك أنتي باللي شايلينه؟ ما أنتي سافرتي واتفسحتي واعتمرتي وجيتي عروسة أهوه، وكان المفروض تحطي لسانك جوه بقك وتاخدي هديتك وتسكتي! لكن أنتي عينك فارغة، شوفتي كرتونة التمر اتجننتي وعايزة تاخديها كلها لنفسك وتفرقيها على حبايبك!
الدم غلى في عروقي لدرجة إني مكنتش حاسة بنفسي. وقفت وزعقت فيها:
— أنا عيني فارغة يا ست؟! أنا اللي مكنتش أعرف إني كنت هروح ورا الشمس في المطار وأتكلبش قدام الناس كلها؟ لو كان اتفتشت الكرتونة دي في صالة الوصول، مين اللي كان هيتسحب على الحجز؟ مين اللي كان الكرتونة طالعة باسمها في الوزن؟ مش أنا اللي شنطي كانت مشحونة عليها الحاجة دي كلها باسمي؟! أنتوا ضحيتوا بيا عشان تنقذوا نفسكم!
عمران مسك إيدي وحاول يهديني:
— لا يا منار، والله العظيم كنت مرتب كل حاجة، ومكنش فيه أي خطر عليكي، أنا كنت متابع خطوة بخطوة مع ناس جوه المطار وخلصتكم في دقايق، وماما مكنتش هتاخد الكرتونة عندها غير عشان تسلمها لممدوح الصبح ونخلص من الكابوس ده وناخد نسبتنا! لكن أنتي بحركتك دي لخبطتي الخطة كلها، وخلتينا على أعصابنا!
ضحكت بهستيريا، دموعي بتنزل وأنا بضحك من كتر البشاعة:
— نسبتكم؟ يعني أنتوا كمان واخدين تمن سكوتكم وتمن التوصيلة دي؟ والشنطة اللي في إيدك دي إيه؟ دي بقية الأمانة؟
عمران بص للشنطة وقال:
— دي فيها بقية الورق اللي كان معايا في شنطتي الشخصية، ممدوح اتفق معايا إنه هيجي يستلم كل حاجة مع بعض ويديني نصيبي كاش مية ألف دولار، عشان أبدأ بيهم على نضافة هنا ونسيب الفقر والبهدلة دي للأبد.
بصيت للكرتونة، وبصيت للشنطة السودا، وبصيت لجوزي اللي عشت معاه على الحلوة والمرة، واكتشفت في لحظة واحدة إني مكنتش أعرفه أصلًا. الإنسان اللي ائتمنته على عمري كان مستعد يضحي بيا ويخليني ألبس قضية كبيرة تدمر مستقبلي وتفضح أهلي، كل ده عشان يخرج من ديونه ويقبض تمن صفقة مشبوهة.




