
خمس دقايق بس.
سكتت لحظة…
وبعدين كملت
خمس دقايق وهتفهمي كل حاجة.
منى خدتني وعدّينا من قدام الأسانسيرات، وبعدها دخلنا ممر جانبي خاص بالعاملين.
أول ما دخلته، ريحة الكلور والمعدن السخن ضربت في مناخيري.
كنت لابسة شبشب الفندق اللي منى أصرت إني ألبسه قبل ما نخرج، وصوت رجلي كان بيخبط في أرضية السيراميك مع كل خطوة.
فضلت أبص ورايا كل شوية.
وقلتلها
جوزي فين؟
ما ردتش.
زودت سرعتي ولحقتها.
إنتِ قولتيلي إني هفهم كل حاجة بعد خمس دقايق.
ردت من غير ما تبصلي
بقوا أربعة دلوقتي.
بصيت على البطاقة المثبتة على يونيفورمها.
كان مكتوب عليها منى.
شكلها ماكانش يعدي التلاتين سنة. شعرها الغامق متلم تحت غطا أبيض صغير، وكان عندها أثر جرح صغير جنب دقنها.
وصلنا لآخر الممر.
منى طلعت كارت من جيبها وفتحت باب مكتوب عليه
مخزن المفروشات.
دخلنا.
رفوف مليانة فوط مترتبة بعناية.
وبس.
بصيتلها باستغراب.
لكن منى دخلت، ومدت إيدها ورا رصة من أرواب الحمام وضغطت على حاجة في الحيطة.
سمعت صوت تكّة.
وفجأة…
جزء كامل من الرف اتحرك.
هوا بارد خبط في وشي.
ورا الرف كان فيه ممر تاني.
ضيق.
مظلم.
ومستحيل أي نزيل يعرف إنه موجود أصلًا.
وقفت عند المدخل وقلت فورًا
لأ.
منى لفت ناحيتي.
لو رجعتي أوضتك، هما هيرجعوا ياخدوكي.
حسيت جسمي كله برد.
هما مين؟
بصتلي في عيني وقالت
الرجالة اللي خدوا جوزك.
بلعت ريقي بالعافية.
إنتِ شوفتيهم؟
شوفته وهو خارج معاهم.
سألتها بسرعة
كان واعي؟
منى سكتت.
ترددها لوحده كان كفاية يخليني أتوتر أكتر.
مسكت دراعها.
منى… كان واعي ولا لأ؟
قالت
أيوه.
الإجابة وجعتني أكتر مما توقعت.
يعني إيه؟! أحمد خرج معاهم برجليه؟
خرج بإرادته.
سيبت دراعها.
ولثانية بشعة، فكرة عدت في دماغي.
يمكن أحمد سابني.
مش ساب الأوضة…
سابني أنا.
سبع سنين جواز.
طفلين نايمين دلوقتي في بيت أختي.
أقساط بيت.
حياة كاملة بنيناها من طلبات البيت، ومشاوير المدارس، وخناقات بنوطي صوتنا فيها بعد ما العيال تنام.
لكن موبايله كان لسه على الكومودينو.
ومحفظته.
وفجأة افتكرت حاجة ماخدتش بالي منها وأنا في الأوضة.
دبلة جوازه.
الدبلة ماكانتش في إيده لما نمنا.
كانت محطوطة جنب موبايله.
بصيت لمنى.
ليه يخرج من غير ما يقوللي؟
منى بصت ناحية الممر السري.
لأنه ماكانش عايزك تمشي وراه.
ودخلت.
فضلت واقفة مكاني.
وقبل ما تبعد قالت جملة جمدتني
جوزك جه الفندق ده قبل كده.
رفعت راسي بسرعة.
إيه؟
ردت
بس مش معاكي.
وكملت مشي.
ماكانش قدامي غير إني أمشي وراها.
دخلت الممر.
كان ممتد ورا أوض الفندق نفسها.
وفي الحيطان كانت فيه فتحات صغيرة جدًا.
ومن بعضها كنت شايفة شرائط رفيعة من النور طالعة من الأجنحة اللي فيها نزلاء.
سمعت صوت تلفزيون.
حد بيضحك.
صوت سيفون حمام.
ناس عايشة حياتها في أوضها…
وماحدش فيهم عنده أدنى فكرة إننا ماشيين ورا الحيطان.
همست
إيه المكان ده؟
قالت منى
ممرات خدمة قديمة. الفندق اتبنى سنة 1928. العمال زمان كانوا بيستخدموا الممرات دي قبل التجديد.
بصيت للفتحات.
طب ليه فيه فتحات بتطل على الأوض؟
بصتلي منى وقالت
لأنها ماكانتش فتحات في الأول.
وفي اللحظة دي، حاجة لمعت قدامي.
عدسة كاميرا.
قربت منها…
واتجمدت.
الكاميرا كانت موجهة مباشرة ناحية سرير إحدى الأوض.
معدتي اتقلبت.
كام أوضة فيها الكلام ده؟
ردت
كل أجنحة المناسبات وذكرى الجواز.
افتكرت أوضتنا.
زجاجة الشمبانيا اللي كانت مستنيانا وسط التلج.
ورد الروز المتناثر.
والكارت الدهبي اللي كان مكتوب عليه
سبع سنين تستحق ذكرى لا تُنسى.
بصيتلها بصدمة.
إنتوا بتصوروا الناس؟!
قالت
أنا بنضف الأوض.
مش ده اللي سألتك عنه.
هزت راسها.
لأ. أنا ما بصورش حد.
بس فيه حد بيصور.
هزت راسها بالموافقة.
وصلنا لآخر الممر.
كان فيه باب معدني.
ومن وراه سمعت أصوات رجالة.
صوت راجل هادي ومنخفض…
وبعدين صوت تاني رد عليه.
قلبي وقف.
أحمد.
اتحركت فورًا ناحية الباب.
منى مسكت رسغي.
مش دلوقتي.
أحمد جوه!
لو فتحتي الباب، هيعرفوا إني ساعدتك.
وأنا مش فارق معايا!
قالت وهي بتشد على إيدي
بس أنا فارق معايا.
وبعدين بصتلي وقالت
أخويا اختفى في الفندق ده من 11 شهر.
سكت.
كملت
كان شغال أمن في الوردية الليلية. اكتشف الكاميرات. وبعدها بتلات أيام الفندق قال إنه سرق فلوس وهرب.
وهو فعلًا عمل كده؟
لأ.
عرفتي منين؟
قالت
لأنه ساب بخاخ الربو بتاعه في مطبخي.
الصوت جوه الأوضة ارتفع.
وسمعت أحمد بيقول
إنت قولتلي إن الملفات اتدمرت.
رد عليه الراجل
كان المفروض ما ترجعش هنا.
بصيت لمنى.
أحمد كان عارف الملفات.
وكان عارف الفندق.
ومع ذلك…
جابني هنا.
منى فتحت جزء صغير جدًا في الحيطة جنب الباب.
بصيت منه.
الأوضة اللي قدامنا كانت مليانة شاشات.
عشرات الأوض ظاهرة قدامنا.
أزواج نايمين.
ناس بتغير هدومها.
راجل راكع جنب سرير وماسك خاتم خطوبة.
كل لحظة خاصة في حياة الناس اتحولت لفيديو صامت.
وفي نص الأوضة…
كان أحمد واقف.
لابس التيشيرت الأسود اللي نام بيه، وحافي.
وقدامه مدير الفندق.
عرفته فورًا.
فؤاد.
شعر فضي.
بدلة مثالية.
وابتسامة دافية استقبلنا بيها أول ما وصلنا.
هو نفسه اللي بعتلنا زجاجة نبيذ هدية بعد نص الليل.
دلوقتي كان وراه اتنين من رجال الأمن.
وفي إيد أحمد وحدة إلكترونية صغيرة سودا.
وفي إيد فؤاد…
مسدس.
ركبي ضعفت.
همست لمنى
لازم نكلم الشرطة.
هزت راسها.
فؤاد بيدفع لظابط مباحث.
نكلم حد تاني.
عملت كده.
إمتى؟
قبل ما أجيلك الأوضة.
جايين؟
معرفش.
بصيت للشاشات تاني.
الشاشة الأقرب لأحمد كانت بتعرض جناحنا.
السرير فاضي.
باب الحمام مفتوح.
فؤاد شاف الشاشة.
وتعبير وشه اتغير.
سأل أحمد
مراتك فين؟
أحمد بص للشاشة.
ولأول مرة…
شفت الخوف الحقيقي على وشه.
نايمة.
قال فؤاد
لأ.
ورفع المسدس.
مش نايمة.
واحد من الحراس خرج من الأوضة.
منى شدتني بعيد عن الفتحة.
هيدور في الممرات.
قلت
يبقى أرجع الأوضة.
فات الأوان.
شدتني ناحية باب تاني، وبعده نزلنا سلم حديد.
نزلنا دورين.
وفوقينا، سمعنا باب بيتفتح بعنف.
خطوات دخلت الممر السري.
منى أسرعت.
وفي آخر السلم وصلنا لمغسلة الفندق.
غسالات صناعية ضخمة صوتها مالي المكان.
ملايات بتلف ورا أبواب زجاجية مستديرة.
والبخار مالي السقف.
منى زقتني ورا عربية كبيرة مليانة فوط.
استخبي هنا.
وإنتِ رايحة فين؟
أجيب جوزك.
ما إنتِ قولتي فيه حارسين!
قالت
بقوا تلاتة دلوقتي.
ولفت تمشي.
مسكت كمها.
منى… إنتِ بتساعدينا ليه؟
وشها اتغير.
وقالت ببرود
أنا مش بساعده هو.
وقبل ما أسألها تقصد إيه…
اختفت وسط البخار.
قعدت ورا العربية وأنا بترعش.
عدت دقيقة.
وبعدين اتنين.
الروب بالعافية كان مغطي رجلي.
مفيش معايا موبايل.
ولا مفتاح.
ولا حتى أعرف الشرطة جاية ولا لأ.
فجأة باب اتفتح في الناحية التانية من المغسلة.
دخل حارس الأمن.
راجل ضخم، أصلع، وفي ودنه سماعة.
وقف يبص في المكان.
وطيت نفسي أكتر ورا الفوط.
صوت جزمته بدأ يقرب.
ببطء.
وقف جنب الغسالة الأولى.
وبعدين التانية.
صدري بدأ يوجعني من كتر ما أنا حابسة نفسي.
وفجأة…
فوطة وقعت من فوق العربية جنب رجلي.
الحارس لف.
جريت.
صرخ ورايا.
زقيت عربية الفوط فيه وجريت بين الغسالات.
لحقني ومسك الروب من ضهره.
الحزام اتشد على وسطي.
لفيت جسمي بعنف وخرجت منه…
وسبت الروب في إيده.
كنت لابسة تحته توب وشورت بس.
وصلت لآخر الحيطة.
مفيش باب.
مفيش مخرج.
لفيت.
الحارس كان واقف بيبتسم.
وقال
سارة… خلينا مانصعبش الموضوع.
كان عارف اسمي.
وقبل ما يتحرك…
طفاية حريق خبطته في جنب راسه.
وقع على الأرض.
منى كانت واقفة وراه.
بصتلي وقالت
تلات دقايق.
إيه؟
إنتِ قولتي خمس دقايق.
خدت كارت الحارس ومسدسه.
دلوقتي فهمتي.
قلت
لأ… لسه مش فاهمة.
فتحت أسانسير خدمة.
جوزك فاهم.
الأسانسير نزل بينا للبدروم.
وأول ما الباب اتفتح…
لقيت أحمد واقف مستنينا.
كان فيه دم على شفايفه، وإيديه مربوطين بأربطة بلاستيك.
لكن المفاجأة إن منى رفعت المسدس…
ووجهته لأحمد.
بصيتلها مصدومة.
إنتِ بتعملي إيه؟!
قالت
اسأليه هو حجز الفندق ده ليه.
أحمد غمض عينيه.
سارة…
صرخت
ليه جبتني هنا؟
قال
الموضوع ماكانش المفروض يحصل كده.
دي مش إجابة.
منى قربت المسدس من صدره.
قولها.
أحمد بصلي.
وقال
ذكرى جوازنا ماكانتش السبب الحقيقي إني حجزت هنا.
الجملة دخلت في قلبي زي السكينة.
أمال إيه السبب؟
رفع إيديه المربوطين.
من سبع سنين، قبل ما نتجوز، كنت شغال في شركة مسؤولة عن الأمن الرقمي للفنادق.
سكت شوية.
والفندق ده كان من عملائنا.
افتكرت لحظة وصولنا.
فؤاد وهو بيسلم على أحمد.
والثانية الصغيرة اللي وقف فيها قبل ما يبتسم.
أنا افتكرت إنه بيقرأ اسم الحجز.
لكنه…
كان عارف أحمد.
قلت
عملت إيه؟
اكتشفت ملفات مخفية على شبكة الفندق.
التسجيلات؟
هز راسه.
كان عندهم تسجيلات بقالها سنين. خيانات زوجية، مخدرات، علاقات، محادثات خاصة… وكانوا بيستخدموها علشان يبتزوا النزلاء.
وبلغت عنهم؟
سكوته جاوبني.
منى ضحكت بمرارة.
لأ. سرقها.
أحمد بص ناحيتها.
أنا نسخت الملفات.



