قصص وروايات

حكـايات مني السيد

— طبعاً يا محمود… بس قبل ما أمضي، أنا حابة أقدم لك ولطنط سهير هدية فرحنا… هدية خاصة جداً هتعجبكم.

محمود استغرب:

— هدية إيه يا حبيبتي؟ امضي الأول وبعدين نشوف الهدية.

شورت لسمر اللي كانت واقفة جنب الدي جي. فجأة، المزيكا وقفت تماماً، والشاشة الكبيرة اللي محطوطة في الجنينة عشان تعرض صور خطوبتنا وإحنا مع بعض، اتقيدت… بس معروضش صورنا.

ظهرت على الشاشة صورة نهى وهي راكعة في المخزن، وظهر فيديو واضح جداً وصوت نقي… صوت سهير وهي ماسكة العصاية وبتضرب نهى، وصوت محمود وهو قاعد بكل برود بيشرب سيجارة وبيقول: “داليا هي فرصتنا الوحيدة إننا نطلع من الديون اللي علينا… أول ما نتجوز، أنا هبقى مسؤول عن حسابات الشركة كلها.” وبعدها صوت سهير: “لما داليا تمضي على الورق، شركتها هتبقى تحت إيد العيلة. وبعدها هتعرف تتعامل زي ما نهى اتعلمت.”

الجنينة كلها اتقلبت لمقبرة… صمت تام ومرعب. المعازيم كلهم عيونهم اتسعت وبدأوا يبصوا للشاشة وبعدين يبصوا لمحمود وسهير وصدمة مالتهاش حدود.

وش محمود بقى لونه أزرق، وجسمه بدأ يتنفض، وسهير حطت إيدها على صدرها وصرخت:

— إيه ده؟ ده كدب! ده فوتوشوب! اقفلوا البتاع ده فوراً!

وقفت أنا بكل ثقة، رميت القلم في وش محمود وقولت بصوت قوي هز المكان:

— مش فوتوشوب يا دكتورة سهير… ده حقيقتكم. حقيقة العيلة المحترمة الفخمة اللي بيوتها خربانة بالديون والافلاس وجايين تنصبوا عليا وتسرقوا شقا عمري وشركتي عشان تداروا على خيبتكم وابنكم اللي محبوس في شيكات من غير رصيد!

عمي حسن وقع على الكرسي وهو شادد شعره ومش قادر ينطق. ومحمود هجم عليا وهو عينه حمرا وزي المجنون:

— يا بنت الـ*** إنتِ بتعملي إيه؟ أنا هق/تلك!

وقبل ما يمد إيده، الضابط صديق العيلة والمحامي بتاعي وقفوا في وشه، ودخل من باب الجنينة أربعة من رجال الشرطة كانوا مستنيين برا الإشارة…

#حكايات_مني_السيد

العساكر دخلوا الجنينة وخطواتهم كانت بتعمل صوت مرعب على أرضية النجيل الخضرا. محمود كان وشه جايب ألوان، عينه كانت بتلف في المكان زي الفار المحبوس في مصيدة، يبص لي مرة ويبص للضابط وللعساكر اللي بيقربوا منه مرة تانية. سهير بدأت تصرخ بصوت هيستيري وهي بتلطم على خدودها

إنتوا بتعملوا إيه؟ إنتوا مش عارفين إحنا مين؟ أنا الدكتورة سهير الشناوي! البنت دي كدابة ومألفة الفيلم ده كله عشان تنتقم مننا! محمود ابني معملش حاجة!

الضابط طارق، اللي كان واقف بكل هيبة، شاور للعساكر وقال بنبرة حاسمة

كل شيء متسجل ومثبت يا دكتورة. الفيديو والصوت واضحين، وعندنا بلاغ رسمي بتعذيب وحبس حرية المدعوة نهى أحمد، ده غير البلاغات اللي لسه واصلة حالا من المحامي بتاع أستاذة داليا بخصوص محاولة النصب والاستيلاء على شركة دعاية. هاتولي محمود حسن الشناوي، وهاتوا الدكتورة سهير.

محمود جه يرجع لورا ويحاول يهرب ناحية الباب الجانبي للفيلا، بس اتنين عساكر قفشوه من دراعاته ولوا إيده ورا ظهره. الكلب اللي كان من شوية ناسي الدنيا وبيتفرج على مرات أخوه وهي بتضرب، كان بيترعش ودموعه نازلة من الخوف

داليا! بالله عليكي متخربيش بيتي! أنا بحبك يا داليا، والله كنت هسدد الديون وأعيشك هانم! متعمليش فيا كده قدام الناس!

ضحكت بسخرية وبصيت له وعيني مليانة احتقار

تحبني؟ إنت تعرف يعني إيه حب أصلاً يا محمود؟ الحب عندك هو إنك تسرق شقا عمري وتخليني أركع في المخزن زي نهى؟ إنت وعيلتك مكانكم الطبيعي ورا القضبان، عشان تنوروا كريم أخوك وتعملوا لم شمل هناك في السجن.

المعازيم كلهم كانوا واقفين يتفرجون ويسجلوا بالموبايلات، الفضيحة بقت بجلاجل، ورجال الأعمال اللي محمود كان عايز يتفشخر قدامهم بنقل ملكية الشركة، كانوا بيبصوا له بقرف وانسحبوا واحد ورا التاني عشان ميتورطوش في السمعة دي.

في وسط الهيصة دي، أنا مسكت إيد سمر وقولت لها

نهى فين يا سمر؟

نهى جوه في المطبخ يا داليا، خايفة تخرج وسط الناس.

تعالي معايا.

دخلت الفيلا وجريت على المطبخ. لقيت نهى قاعدة في الركن، لامة رجليها وبتعيط بس المرة دي دموعها كانت دموع راحة. أول ما شافتني، وقفت وجريت عليا فضلت تطبطب على ضهري وتقول

عملتيها يا داليا نصرتيني ونصرتي نفسك. أنا مش مصدقة إن الكابوس ده خلص، مش مصدقة إن سهير ومحمود هيمشوا مكلبشين.

طلعتها معايا برا المطبخ، وخليت الضابط طارق يشوف الكدمات اللي في إيديها ووشها بنفسه. طارق هز راسه وقال

متقلقيش يا مدام نهى، إنتِ هتيجي معانا النيابة تثبتي كل ده في المحضر، وهيتم تحويلك للطب الشرعي لإثبات الإصابات. حقك مش هيضيع.

بصيت لعمي حسن الشناوي، الراجل العجوز اللي كان قاعد على الكرسي حاطط راسه بين إيديه ومش قادر يرفع عينه في حد. صعب عليا لثانية، بس افتكرت سكوته ورضاه باللي بيحصل في بيته، فقولت له بقسوة

يا خسارة اسمك وتاريخك يا حسن بيه. سيبت مرات ابنك تتذل وابنك الكبير يتسجن وكنت مستني ابنك الصغير يسرقني عشان تداروا على فلاسكم؟ المركب لما بتغرق، مبترحمش حد وإنتوا مركبكم غرقت خلاص.

على الساعة اتنين بالليل، كنا كلنا في قسم الشرطة. أنا وسمر والمحامي بتاعي، ومعانا نهى اللي كانت بدأت تسترد شجاعتها. سهير ومحمود كانوا قاعدين في حجز التحقيق، وصوت سهير كان جايب لآخر الممر وهي بتزعق للمحامي بتاعهم

اتصرف يا متر! خرجنا بكفالة! أنا مقعدش في المكان ده وسط المجرمين!

والمحامي كان بيرد عليها بقلة حيلة

يا دكتورة، الفيديو حقيقي ومعانا تسجيلات تانية مقدمينها، ده غير إن النيابة بكره هتعرضكم على مستشار التحقيق والتهمة فيها حبس وعقوبة مشددة لأنها جناية تعذيب واحتجاز دون وجه حق، ده غير قضايا الشيكات والنصب. الموضوع كبر أوي.

محمود شافني وأنا معدية من قدام الحجز عشان أمضي أقوالي، وقف ورا الحديد وبص لي وعينيه كلها غل وندم في نفس الوقت

ماشي يا داليا إنتِ طالق! طالق بالتلاتة! افتكري إنك ضيعتي الراجل اللي كان هيصونك!

وقفت وبصيت له ببرود وابتسمت

طلاق إيه يا مغفل؟ إحنا كتبنا الكتاب بس أنا ممضيتش على قسيمة الجواز في خانة العروسة! أنا كنت بتمم الإجراءات قدام الناس عشان الفخ يكمل والفيديو يشتغل، يعني إنت قانوناً متجوزتنيش أصلاً ولا تقدر تلمس شعرة مني. المأذون نفسه كان عارف بالطبخة وممضانيش على الأصل. إنت طلعت من المولد بلا حمص وبلا شرف كمان.

سيبته واقف يضرب دماغه في حديد الحجز، وخرجت بره القسم وأنا حاسة بنسمة هواء باردة بتغسل كل التعب والخوف اللي عشته الأسبوعين اللي فاتوا.

بعد يومين من الليلة دي، قعدت في مكتبي بالشركة. المكان كان هادي، والموظفين بدأوا يرجعوا لشغلهم الطبيعي بعد ما الإشاعات مالت البلد. سمر دخلت ومعاها كوبايتين قهوة، حطت واحدة قدامي وقعدت

ها يا شريكتي الكبيرة، خطوتنا الجاية إيه؟

خطوتنا الجاية هي نهى يا سمر. البنت دي لازم تقف على رجليها. أنا كلمت المحامي يرفع لها قضية خلع من كريم، وبدأنا إجراءات عشان تاخد عيالها من المدرسة الداخلي ويعيشوا معاها. وهتقعد معايا في شقتي القديمة لحد ما أمورها تتظبط.

سمر ابتسمت

وإنتِ يا داليا؟ مش خايفة محمود أو عيلته يخرجوا بكفالة ويفكروا ينتقموا؟

شربت بوق من القهوة وبصيت لها بثقة

يخرجوا فين؟ المحامي بتاعي جاب قرار حظر سفر ليهم كلهم بناءً على قضايا الديون الجديدة اللي حركناها ضدهم. وشركة الدعاية الفاضية اللي كانوا عايزين ياخدوها، أنا قدمت طلب إفلاس رسمي ليها بسبب الديون الوهمية اللي عملناها مع شركتك الجديدة. يعني هما دلوقتي لو فكروا يحطوا إيدهم على أي حاجة، هيلاقوا نفسهم مطالبين يدفعوا ملايين تانية هما مملكوش منها جنيه واحد. العيلة دي انتهت يا سمر، انتهت للأبد.

تليفون المكتبي رن، سمر ردت وقالت لي

داليا، ده محامي عيلة الشناوي على التليفون، بيترجاكي تقابليه عشان يوصل لصلح أو تنازل عن قضية التعذيب مقابل إنهم يكتبوا لنهى تنازل عن كل مستحقاتها وعيالها بالود.

أخدت السماعة وقولت بنبرة حادة

اسمع يا متر، قول لسهير ومحمود إن داليا سامح مبيتلويش دراعها. مفيش صلح ومفيش تنازل. هما هيتحاكموا وهيأخدوا جزاءهم، ونهى هتاخد عيالها بحكم القانون غصب عن عين أي حد. والفيلا بتاعة التجمع دي، أنا هشتريها من المزاد العلني لما البنك يعرضها للبيع، وهعملها فرع جديد لشركتي عشان كل ما يفتكروا اسمي، يعرفوا إنهم لعبوا مع الشخص الغلط.

مر أسبوع كمان، والأمور بدأت تاخد مجرى رسمي وصارم. نهى راحت عاشت معايا، وبقت واحدة تانية خالص. قصت شعرها المتبهدل، وبدأت تاكل كويس، والضحكة رجعت لوشها من تاني بعد ما شافت عيالها . في يوم بالليل، كنا قاعدين بنشرب شاي في البلكونة، بصت لي وقالت

داليا أنا ساعات بكتشف إني كنت عايشة في وهم. كنت فاكرة إن الفلوس والفيلا والمظاهر هما الأمان، ووافقت على إهانات كتير في الأول عشان مأرجعش بيت أهلي مطلقة. بس شوفتك إنتِ، واقفة بطولك، بتمشي شركة وفي نفس الوقت مخلتيش كلب فيهم يقدر يكسرك. أنا عايزة أشتغل معاكي يا داليا، عايزة

أتعلم أكون قوية زيك.

مسكت إيدها وقولت لها

وإنتِ قوية يا نهى. الست اللي تستحمل كل ده وتخاطر بنفسها عشان تنقذ بنت متعرفهاش من نفس المصير، تبقى ب 100 راجل. من بكره تنزلي معايا الشركة، هتبدأي في قسم العلاقات العامة وتتعاملي مع الناس، وعايزاكي تفتكري دايماً إن مفيش بني آدم في الدنيا يقدر يكسرك طول ما إنتِ واقفة على أرض صلبة.

لكن الدنيا مبتمشيش دايماً بالسهولة دي

يوم السبت الصبح، وأنا داخلة الشركة، لقيت سمر بتجري عليا ووشها مخطوف تماماً

داليا! الحقيني! مصيبة!

في إيه يا سمر؟ اتكلمي بسرعة!

محمود محمود هرب!

هرب إزاي؟ ده محبوس على ذمة القضية!

سمر كانت بتنهج وهي بتوريني الموبايل

المحامي لسه مكلمني. محمود ادعى التعب امبارح بالليل ونقلوه مستشفى قصر العيني تحت الحراسة. وفي وسط الفجر، دخل واحد قريبه متنكر في لبس دكتور، خدر العسكري اللي واقف على الباب، ومحمود هرب معاه! والشرطة مقلوبة عليه دلوقتي. بس المشكلة مش هنا يا داليا المشكلة إن المحامي بيقول إن محمود ساب رسالة على سرير المستشفى مكتوب فيها اسمك واسم نهى!

حسيت برعشة خفيفة مشت في ضهري، بس ثبت نفسي. محمود بره، وداير زي الكلب السعران، ومعندوش حاجة يخسرها بعد ما خسر فلوسه وسمعته وعيلته.

طلعت موبايلي وكلمت الضابط طارق فوراً

ألو، طارق بيه عرفت بموضوع محمود؟

أيوة يا داليا، لسه كنت هكلمك. إحنا بعتنا قوة حراسة تقف تحت شقتك وتحت الشركة. محمود دلوقتي خطر لأنه بيمر بحالة جنون وممكن يعمل أي تصرف متهور. أرجوكي خدي بالك وماتتحركيش من غير حراسة، وخلي نهى معاكي دايماً.

قفلت السكة وأنا ببص لسمر ونهى اللي كانت واقفة ورايا وبتترعش من الخوف تاني

داليا محمود هيجي يقتلنا صح؟ محمود مش هيسيبنا في حالنا!

قربت منها وحطيت إيدي على كتفها وقولت بصوت قوي ماليان تحدي

محمود أجبن من إنه يواجه يا نهى. هو دلوقتي بيدور على جحر يستخبى فيه. بس لو فكر يجي لحد عندي هيبقى هو اللي كتب نهايته بإيده. أنا مش هخاف، وإحنا مش هنستخبى.

وفعلاً، مر يومين والتوتر مالي المكان. الحراسة واقفة تحت الفيلا وتحت الشركة، وأنا بمارس شغلي عادي جداً بس عيني وسط راسي.

في يوم، الساعة كانت حوالي تسعة بالليل، كنت سهرت في المكتب لوحدي بخلص ميزانية الشركة الجديدة. سمر ونهى كانوا مشيوا من بدري مع الحارس.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى