
— محبوس؟! في إيه؟
— كريم دخل في صفقة تجارية كبيرة مع ناس تقال، وكتب شيكات من غير رصيد بضمان اسم والده. والده اتخلى عنه ومحمود سابه عشان يداروا على الفضيحة، والناس رفعت عليه قضايا ومحبوس بقاله شهرين في سجن طرة. هما مطلعين إشاعة إنه مسافر برا مصر عشان البرستيج بتاعهم قدام الناس، والديون اللي عليهم للموردين وأصحاب الشغل التانيين واصلة لـ 15 مليون جنيه، والفيلا دي نفسها معروضة للبيع السري وعليها حجز! هما كانوا بيدوروا على أي صيدة غنية تنقذهم، ومحمود نقى إنتِ عشان شركتك بتدخل ملايين كاش كل شهر من تنظيم الحفلات.
أنا كنت بسمع وكأن جبل تلج بينزل فوق دماغي. العيلة الكبيرة المحترمة، دكتورة الجامعة ورجل الأعمال، طلعوا عصابة نصابين وبيوتهم خربانة!
سألتها:
— وطالما كريم محبوس، هما بيعذبوكي إنتِ ليه؟ وبيعملوا فيكي كده ليه؟
نهى عيطت بحرقة:
— عشان أهلي ناس على قد حالهم في المنصورة، ولما كريم اتمسك، هما أخدوا دهبى كله وفلوسى، وأمي تعبانة ومقدرش أقول لها حاجة عشان هتموت فيها لو عرفت. هما حابسيني هنا وبيهددوني لو اتكلمت هيتبلوا عليا في قضية شرف ويطلقوني من كريم ويحرموني من عيالي اللي مخلينهم دايماً في مدرسة داخلي عشان ميتكلموش. هما بيطلعوا غلهم وفلاسهم فيا… محمود وأمه هما الإبـ*ـالسة بتوع البيت ده، وعمي حسن عامل نفسه مش شايف حاجة ومنعزل في مكتبه.
مسحت دموعي وقولت لها بقوة:
— اسمعيني يا نهى. إنتِ هتستحملي معايا أسبوعين كمان بالظبط. الموبايل ده يفضل مستخبي، ومفيش أي مخلوق يعرف عنه حاجة. أي وقت يضربوكي أو يعملوا حاجة، افتحي التسجيل وسجلي ليهم صوت. محتاجة إثباتات. وأنا من ناحيتي برتب لهم فخ مش هيطلعوا منه غير على السجن… إنتِ واثقة فيا؟
نهى قالت بنبرة مليانة أمل لأول مرة:
— واثقة فيكي يا داليا… ربنا ينصرك عليهم.
مر الأسبوع الأول وأنا شغالة على خطين. الخط الأول في الشركة مع المحامي وبتاع الحسابات، نقلنا كل الأصول الفعالة والعقود الكبيرة للشركة الجديدة اللي باسم سمر، وسبنا شركة الدعاية الأم عبارة عن هيكل فاضي غرقان في ديون والتزامات وهمية لشركات تانية برا مصر.
والخط التاني كان مع محمود. بدأت أظهر له إني ملهوفة على الجواز وإننا لازم نسرع بالكتب الكتاب.
روحت لهم الفيلا تاني بعد أسبوع. المرة دي، كنت داخلة وأنا شايفة كل حاجة على حقيقتها. التحف الغالية والغسيل القذر المستخبي وراها. سهير استقبلتني بالأحضان وبوسات النفاق:
— يا حبيبة قلبي يا داليا، الفيلا نورت. محمود قالي إنك وافقتي تسيبى الشغل وتتفرغي لبيتك. برافو عليكي يا بنتي، الست ملهاش غير بيت جوزها.
ابتسمت وقولت بنبرة هادية:
— طبعاً يا طنط. الشغل خلاص بقا متعب، وأنا قررت أعمل لمحمود توكيل عام رسمي في الإدارة والحسابات يوم كتب الكتاب بالظبط، عشان يمسك كل حاجة من أول يوم جواز.
شفت اللمعة الجشعة اللي ظهرت في عين سهير وهي بتبص لمحمود اللي كان قاعد جنبها وعينيه لمعت هو كمان. محمود مسك إيدي وقال:
— ده الصح يا حبيبتي. وأنا بوعدك إني هكبر لك الشركة دي وأخليها براند عالمي.
في اللحظة دي، نهى دخلت عشان تحط العصير. عينيا جت في عينيها. كانت لابسة بكم طويل مغطي إيديها، ووشها باهت. بصيت لها بنظرة سريعة فيها طمأنينة، وهي نزلت عينيها في الأرض وخرجت بسرعة.
عمي حسن دخل وقعد معانا، كان باين عليه الكبر والهم، وبيحاول يتصنع الهيبة. قال بصوت هادي:
— منورانا يا بنتي. ومحمود راجل ويقدر يشيلك ويشيل شغلك. وإحنا كعيلة حسن الشناوي دايماً بنكبر ببعض.
كنت عايزة أضحك في وشه وأقوله: “عيلة حسن الشناوي اللي ابنها الكبير في السجن وفيلا التجمع محجوز عليها؟” بس مسكت نفسي وقولت:
— طبعاً يا عمي، ده الشرف ليا. وعشان كده، أنا ومحمود اتفقنا إن كتب الكتاب والفرح يكونوا بعد أسبوعين. أنا جهزت كل حاجة، وهنعمل حفلة صغيرة هنا في جنينة الفيلا نكتب فيها الكتاب وسط الأهل والأصحاب المقربين، ونعلن فيها كمان نقل إدارة الشركة لمحمود قدام كل رجال الأعمال اللي هعزمهم.
محمود وقف من الفرحة وباس إيدي:
— بجد يا داليا؟ إنتِ عظيمة! أسبوعين وكل حاجة هتبقى تمام.
بدأت الترتيبات للفرح. محمود كان بيجري زي المجنون يخلص ورق الشقة اللي هنتجوز فيها، وكان مطمن تماماً ومفتكر إنه خلاص ملك الدنيا وشركتي بقت في جيبه.
قبل الفرح بثلاث أيام، كلمتني نهى من التليفون المستخبي وصوتها بيرتعش من الرعب:
— داليا… الحقيني. سهير ومحمود قفشوا شيكات قديمة باسم كريم كانوا فاكرين إنها اختفت، والموردين باعتين لهم إنذار بالدفع خلال 48 ساعة وإلا هيحجزوا على الباقي. سهير اتقلبت على وحش النهاردة وضربتني وجرجرتني في الأرض، ومحمود كان بيزعق ويقول خلاص هانت كلها كام يوم وداليا تمضي التوكيل والعقود وناخد الفلوس ونسدد كل حاجة داليا أنا خايفة يجرالي حاجة قبل ما تيجي.
قفلت قبضة إيدي بقوة وقولت لها:
— اسمعي يا نهى، سجلتي اللي حصل؟
— آه، الموبايل كان في جيب الترينينج وسجلت صوت سهير وهي بتقول إنها هتموتني وصوت محمود وهو بيتكلم عن فلوس شركتك وسداد الديون.
— حلو أوي. امسكي نفسك يا نهى. الفخ خلاص نصبته، ويوم كتب الكتاب… العيلة دي كلها هتقع فيه.
جيه يوم كتب الكتاب.
الجنينة بتاعة الفيلا كانت متزينة بأحدث وأغلى الديكورات اللي شركتي جهزتها. المعازيم بدأوا يوصلوا، وكان فيهم رجال أعمال، وأصدقاء لمحمود، وموظفين من شركتي، وكمان كنت عازمة شخصين مخصوص… محامي الشركة بتاعي، وضابط مباحث من أصدقاء العيلة القدام اللي خليت المحامي يلمح له ببعض التفاصيل.
كنت قاعدة في الأوضة اللي فوق في الفيلا بلبس فستاني الأبيض. الباب خبط ودخل محمود وهو لابس بدلة شيك جداً وابتسامته واصلة لودانه.
— بسم الله ما شاء الله… إيه الجمال ده يا داليا؟ أنا مش مصدق إنك خلاص هتبقي مراتي النهاردة.
بصيت له في المراية وقولت:
— ولا أنا مصدقة يا محمود… الورق اللي اتكلمنا فيه جاهز؟
طلع من جيبه دفتر صغير وعقد:
— جاهز يا حبيبتي. المأذون وصل تحت، والمحامي بتاعك جاهز بالتوكيل وعقود نقل الإدارة. هنكتب الكتاب الأول، وبعدين تمضي على العقود والتوكيل قدام الناس عشان نعلن الشراكة الجديدة.
نزلت معاه وأنا ماسكة في إيده. سهير كانت واقفة تحت بتزغرد وتستقبلنا بحرارة، وعمي حسن واقف فخور. بصيت وسط الزحمة، لقيت نهى واقفة ورا خالص عند المطبخ، عينيها ورمة من العياط ومتبهدلة، بس عينيها كانت متعلقة بيا.
قعدنا قدام المأذون. المأذون بدأ الإجراءات وطلب البطايق. كتبنا الكتاب، وجملة “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير” اتقالت. في اللحظة دي، محمود بصل أمه وغمز لها، وسهير شاورت للمحامي بتاعي اللي كان واقف وجايب معاه شنطة سوداء.
محمود وقف وقال بصوت عالي وسط المعازيم:
— يا جماعة، أنا حابب أشكركم كلكم على حضوركم. والنهاردة الفرحة فرحتين. الفرحة الأولى إني اتجوزت داليا، والفرحة الثانية إن داليا قررت تتفرغ لبيتها وتسلّمني إدارة شركتها العظيمة، وهنمضي دلوقتي عقود نقل الإدارة والتوكيل الرسمي العام.
الناس كلها صقفت، وسهير كانت هتموت من الفرحة. المحامي بتاعي قرب وحط الورق قدامي وقدام محمود على الترابيزة.
مسكت القلم، وبصيت لمحمود وقولت بصوت مسموع وميكروفون القاعة لقطة:



