
قمت عشان ألم حاجتي وأمشي، وفجأة النور انقطع عن الدور كله!
صمت تام وسكون مرعب حل في الشركة. طلعت كشاف الموبايل وبدأت أمشي براحة في الممر الواسع بين المكاتب. سمعت صوت خطوة خفيفة ورايا خطوة سريعة.
لفيت بسرعة ووجهت كشاف الموبايل ناحية الصوت
ولقيت قدامي شخص لابس كاب مغطي وشه، وفي إيده سكينة طويلة بتلمع في الضلمة.
الراجل رفع راسه، وبان وشه تحت ضوء الكشاف كان محمود! بس وشه كان متبهدل، ودقنه نبتت، وعينيه كانت طالع منها شرار وجنون كامل.
ابتسم ابتسامة مرعبة وقال بصوت فحيح الأفاعي
قولتلك يا داليا إنتِ اللي ضيعتي نفسك والنهاردة، شقا عمرك وروحك هينتهوا هنا
حكايات_مني_السيد
الفصل الأخير الحقيقة اللي بتوجع.. والبداية اللي بتبدأ
الضلمة كانت تقيلة، مفيش غير نور الموبايل اللي بيهزّ المسافات، بيعمل خيالات مرعبة على الحيطان. محمود كان واقف، شكله مبهدل، هدومه اللي كانت دايمًا مكوية بقت مشقوقة، ودقنه خشنة وعينيه غايرة لجوه، فيها لمعة جنون ما شفتهاش في حد قبل كده. السكينة في إيده كانت بتبان وتختفي مع حركة إيده العصبيّة.
قلبي كان بيدق في ودني زي طبلة، بس عقلي كان أسرع من خوفي بكتير. سألت نفسي داليا، إنتِ بنيتي الشركة دي طوبة طوبة، هتسمحي لواحد زي ده ينهيها؟ لا طبعاً.
محمود اتنفس بصوت عالي ومسموع، وقرب خطوة تانية.
عارفة يا داليا؟ أنا كنت بحبك بجد في الأول. كنت شايفك طوق النجاة، كنت شايف فيكي الست اللي هتخرجني من جحيم عيلة الشناوي. بس إنتِ اللي أجبرتيني! إنتِ اللي خليتيني أتحول للوحش ده. لولا طمعك في شركتك، ولولا أنانيتك في إنك ترفضي تساعديني، ماكنتش وصلت لهنا!
ضحكت بسخرية، كانت ضحكة طالعة من روحي، حتى وأنا في الموقف ده.
تلومني أنا يا محمود؟ تلوم الضحية إنها رفضت تكون قربان؟ إنت مش محتاج مساعدة، إنت محتاج مصحة. إنت وعيلتك كنتوا عايزين تسرقوا شقا عمري عشان تداروا على فلاسكم وعمايلكم السودا. متلبسنيش توب الذنب عشان تغطي على وساختك.
اتجنن من كلامي، واندفع نحوي فجأة، بس أنا كنت عارفة أنا فين. دي مكتبي، دي مملكتي اللي أنا راسمها. عارفة كل حتة فيها، عارفة فين الكراسي، وفين الأسلاك، وفين مخارج الطوارئ. رميت في وشه كاس القهوة اللي كان على مكتبي، مية سخنة طرطشت في وشه، فصرخ وغمض عينيه للحظة.
اللحظة دي كانت كفاية.
جريت ناحية لوحة التحكم في ركن المكتب. المكتب متصمم بنظام سمارت، كنت عاملاه كجزء من تطوير الشركة. بلمسة واحدة على زرار مخفي تحت الطاولة، كل أنوار المكتب نورت فجأة، بضوء أبيض ساطع زي ضوء النهار، وكأن فيه فلاش كاميرا ضخم اتضرب في عينيه.
محمود اتصدم من النور، ووقع على الأرض وهو بيحاول يغطي عينيه بإيده. استغليت الفرصة، وجريت ناحية باب المكتب اللي بيفتح على الممر، وخرجت وقفلته ورايا بسرعة بس نسيت حاجة واحدة المكتب ده بباب زجاجي مقوى، لو ضغطت على كود القفل من بره، هيتحول لزنزانة.
ضغطت الكود. الباب اتقفل بتكة ميكانيكية قوية. محمود خبط على القزاز بإيده، وبدأ يصرخ بجنون ويحاول يكسر الباب بالسكينة اللي في إيده. القزاز ما اتحركش، كان أمتن من غضبه.
وقفت ورا القزاز، بنهج، ودموعي بدأت تنزل من الادرينالين اللي في جسمي. هو كان جوه، وأنا بره.
افتحي الباب يا داليا! افتحي يا جبانة! هقتلك! وحياة أمي هقتلك!
طلعت موبايلي، وبأيد بترعش اتصلت بالضابط طارق.
طارق بيه محمود عندي في المكتب. قفلته عليه. تعالوا بسرعة!
بصيت لنهى اللي كانت لسه واصلة مع الحرس، كانت مذهولة وشايفة الموقف. وهي بتبكي.
خلاص يا داليا، كابوس وخلص. هو جوا، والشرطة في الطريق.
قعدنا على الأرض في الممر، مستنيين. الموقف كان سريالي. محمود اللي كان بيخطط يتجوزني عشان يسرقني، قاعد دلوقتي محبوس في أوضتي، بيخبط على القزاز زي
الحيوان المحبوس في قفص. كان بيبص لي وعينيه مليانة انكسار، مش غضب بس. انكسار واحد عرف إن اللعبة انتهت.
بعد دقايق، صوت سرينة البوليس ملى المكان. الضابط طارق دخل مع رجالة مسلحة، أحاطوا بالمكتب. محمود، لما شافهم، رما السكينة على الأرض وبدأ ينهار، قعد على الركبة ورفع إيده، وكأنه استسلم أخيرًا للواقع اللي كان بيحاول يهرب منه.
فتحوا الباب، ودخلوا عليه. مفيش أي مقاومة، كان خلاص خلصان.
وأنا واقفة بتبص، حسيت إن فيه حمل جبال اتشال من على كتافي.
الأيام اللي بعد كده كانت زي العاصفة. محاكمات، تحقيقات، وشهادات.
عيلة الشناوي وقعت زي بيت الورق. سهير، الدكتورة الجامعية، دخلت السجن بتهمة التعذيب والتحريض. وعمي حسن، رجل الأعمال المحترم، طلع غرقان في قضايا نصب وتزوير أوراق رسمية عشان يغطي ديونهم، وحكموا عليه بالسجن. أما محمود فكان له نصيب الأسد من الأحكام بسبب محاولة القتل والهروب من الحجز.
في وسط كل ده، كانت نهى هي بطلتي الحقيقية. نزلت وشهدت بكل حاجة، وبكل جراءة حكت عن سنين الذل اللي عاشتها.
بعد ست شهور من الواقعة دي، كنت واقفة في مكتبي، بفتح فرع جديد للشركة. نهى كانت واقفة جنبي، بتظبط ترتيبات الحفل. لبسها كان شيك، وشعرها كان متسرح بنعومة، وعينيها كان فيها بريق حياة ما شفتوش فيها قبل كده.
داليا، إنتِ متأكدة إننا جاهزين؟
بصيت لها وابتسمت.
إحنا مش بس جاهزين يا نهى، إحنا مستعدين نغير قواعد اللعبة.
في الحفل ده، عزمت ناس كتير. رجال أعمال، أصحاب شركات، وكمان الضابط طارق اللي كان له فضل كبير في إنقاذ حياتي.
لما وقفت ألقي كلمة، بصيت للحاضرين. ما كنتش بكلمهم عن أرباح ولا عن توسعات. كنت بكلمهم عن الستات اللي بيتم استغلالهم، عن الظلم اللي بيتحط في قوالب احترام وعيلة، وعن القوة اللي ممكن نلاقيها جوانا لما نقرر إن كفاية كده.
نهى وقفت جنبي، والكل صفق لنا. كان لحظة انتصار مش بس عليا، دي كانت لحظة انتصار لكل واحدة مريت بتجربة شبه تجربتنا.
لما رجعت البيت في اليوم ده، قعدت لوحدي في البلكونة. كان الجو هادي. مسكت تليفوني وبصيت على الرسالة اللي كنت كتبتها لمحمود في المحكمة، رسالة ما بعتهاش، بس كنت محتاجة أكتبها عشان أفرغ كل اللي في قلبي.
يا محمود إنت كنت فاكر إنك بتلعب بيا، بس الحقيقة إنك كنت بتلعب بحياتك. إنت ما كنتش ضحية للديون ولا للظروف، إنت كنت ضحية لنفسك ولطمعك. أنا مش شايلة لك غل، لأن الغل ده طاقة، وأنا قررت أستثمر طاقتي في بناء بدل ما أضيعها في الهدم. أتمنى السجن يعلمك درس عمرك، إن الكرامة مش بالفلوس ولا بالفيلا، إنما بالأفعال.
سحبت ديليت على الرسالة. خلاص، ما بقاش له وجود في تفكيري.
بصيت قدامي، للدنيا اللي لسه مفتوحة قدامي. شركتي كبرت، نهى بقت مديرة الفرع الجديد، وحياتي خدت منحنى تاني خالص.
بقيت أصحي الصبح وأنا عارفة إني مسؤولة عن قراراتي، مسؤولة عن حياتي، ومسؤولة عن حماية كل اللي بيشتغلوا معايا.
في يوم، كنت ماشية في المول، شفت واحدة ست، كانت بتبص على فستان، وبصيت وراها لقيت جوزها بيكلمها بطريقة مش كويسة، وبيسحبها من إيدها بقوة.
قلبي وجعني. وقفت لحظة، فكرت هل أتدخل؟
لا، مش هتدخل في حياتهم، بس قررت أعمل حاجة تانية.
دخلت المحل، ووقفت جنبها، ابتسمت لها وقلت لها الفستان ده لايق عليكي أوي، يخليكي تحسي إنك ملكة.
الست بصت لي باستغراب، وبعدين ابتسمت ابتسامة خجولة، وقالت لجوزها بصوت مسموع أنا هاخده.
جوزها سكت، وكأنه اتفاجئ بثقتها اللي ظهرت فجأة.
مشيت وأنا حاسة إن ده هو دوري دلوقتي. مش بس أنجح في الشغل، بس أساعد غيري يشوفوا قوتهم.
الحياة مش دايماً وردي، وهنواجه تحديات، وهنقابل ناس زي عيلة الشناوي. بس السر مش في إزاي نتجنبهم، السر في إزاي نخرج من مواجهتهم أقوى، أنضف، وأكثر وعي.
نهى دخلت مكتبي ومعاها فنجان قهوة.
داليا، فيه عميل جديد عايز يقابلنا، بيقول إنهم شافوا شغلنا في الحفل الأخير وعايزين نعملهم تنظيم كامل لافتتاح فرعهم.
أخدت القهوة، وابتسمت لها.
خليهم يدخلوا يا نهى. نوري المكتب إحنا لسه بنبدأ.
القصة دي مش نهايتها إني انتقمت، نهايتها إني لقيت نفسي. لقيت داليا الحقيقية اللي كانت مستخبية ورا طموح الشغل وورقة الجواز. لقيت إن القوة الحقيقية مش في إنك تكسر اللي قدامك، القوة هي إنك تبني نفسك لدرجة إن مفيش حد يقدر يكسرك.
كل ما أبص للفيلا اللي كانت عيلة الشناوي عايشين فيها، واللي بقت دلوقتى جزء من أصول الشركة، بفتكر نهى وهي في المطبخ، بتاكل رز ومية، وبفتكر الكدمات اللي كانت على إيديها. وبوعد نفسي، إن لا نهى، ولا أي ست تانية، هتعيش كده تاني طول ما أنا موجودة.
مرت سنين، وكل ما أفتكر الليلة دي، ليلة الخناقة في المكتب، ببتسم. مش ليلة وقفت، وبصيت لها.
وعايز إيه؟
بيعتذر. بيقول إنه ندمان على كل حاجة، وإنه بيحاول يغير نفسه.
سكتت للحظة، وبعدين بصيت لها
وإنتِ نويتي على إيه؟
نهى سكتت هي كمان، بصت للشباك، للشارع الزحمة، للدنيا اللي ماشية ومبتقفش على حد.
أنا نويت أبدأ حياة جديدة يا داليا. صفحة بيضا، من غير وجع، ومن غير ذكريات. كريم جزء من الماضي، والماضي ده أنا قفلته بمفتاح.
ابتسمت لها، وقلت لها
ده أحسن قرار خدتيه في حياتك.
أيوة، الماضي بيشكلنا، بس مش لازم يحبسنا. احنا اللي بنختار نعيش في قفص الذكريات، أو نفتح الباب ونمشي في النور.
محمود، وسهير، وحسن، وحتى كريم كلهم كانوا مجرد فصول في كتاب حياتي. فصول قاسية، فصول علمتني، بس الأهم من ده كله إنها مش هي اللي بتكتب النهاية.
النهاية أنا اللي بكتبها، بقراراتي، وبشغلي، وبحب الناس اللي حواليا اللي بجد بيحبوني.
داليا سامح، اللي بدأت بلابتوب مستلف، بقت النهاردة أيقونة في مجالها، بس الأهم من كده، بقت ست واعية، قوية، ومستعدة لأي تحدي يواجهها.
وفي آخر يوم في السنة، وأنا واقفة في مكتبي، ببص على القاهرة وهي بتنور بالأنوار في ليلة العيد، حسيت بسلام ما حسيتوش قبل كده.
حسيت إن كل حاجة حصلت كان ليها معنى.
حتى ليلة الرعب، حتى السكينة اللي شفتها بتلمع في الضلمة كان ليها معنى.
عشان هي دي اللي خلتني أنا.
أخدت نفس عميق، وطلعت بره المكتب، ولقيت فريق عملي كله بيستناني عشان نحتفل.
بصيت لهم، بصيت لكل واحد فيهم، اللي وثق فيا لما كنت لسه في أول الطريق، واللي انضم لنا بعد ما سمعوا عن نجاحنا.
حسيت إن دي هي العيلة الحقيقية. مش عيلة الدم والورق، دي عيلة الإنجاز، عيلة الاحترام، وعيلة الأمان.
رفعت كاس العصير بتاعي، وقلت بصوت عالي



