
ركبت أنا ورا، حاطة راس البنت على رجلي وبمسح على جبينها، وحماتي راكبة قدام بتبص في المراية كل ثانية كأنها شايفة المشنقة بتنزل من السقف. العربية طارت على الطريق الزراعي في الضلمة والضباب مالي الهوا، وكل دقيقة بتعدي كانت كأنها سنين.
وفجأة، وإحنا في نص الطريق المقطوع والسرعة جنونية، صوت كحة مكتومة طلع من صدر البنت، وارتعش جسمها كله رعشة قوية.. وفتحت عينيها على وسعهم، وبصت في السقف بصة جامدة مفيهاش روح، ونزلت خيط د،،م رفيع من بين شفايفها وراسها مالت على جنبي.. ونبض إيدها وقف تماماً. سكون تقيل زي طين الترعة خنق العربية كلها، البرودة سرت من جسم البنت لرجلي ولركبي، ونبضها اللي كان بيجري تحت صوابعي تاه وفص ملح وداب.
رفعت إيدي اللي كانت بتسند رقبتها، لقيت صوابعي مبلولة بد،،م لزج وسخن، بينما بشرة البنت نفسها كانت بتسقع بسرعة مرعبة، وعينيها اللي اتجمدت على سقف الصالون كانت بتبص لفراغ ملوش آخر، مفيش فيها ولا رمشة. حماتي حست بالسكون المفاجئ، لفت وشها بسرعة من الكرسي اللي قدام وعينيها بتبرق في ضوء التابلوه الباهت، شافتنـي وأنا باخد نفس طويل وساكتة، بصت للبنت وشهقت شهقة طلعت من حشاها كأنها شافت عزرائيل قاعد بينا: البت مالها يا نهار مش فايت؟! البت مالها يا بت انطقي ساكتة ليه؟!
– النبض وقف.. والنفس اتقطع. قولتها بصوت واطي ومحايد، صوت خالي من أي عاطفة كأني ببلغهم بنشرة جوية مش بروح بتطلع بين إيديا.
جوزي داس على الفرامل بغباء، العربية لفت نص لفة على الأسفلت المبلول بالندى والكاوتش صرخ بصوت عالي سمّع في الحقول اللي على الجنبين، لحد ما وقفت العربية بالعرض في نص الطريق الزراعي المقطوع. طفى النور ومسك دماغه بإيديه الاتنين وفضل يخبط راسه في الدركسيون بهستيريا وهو بيصرخ صريخ مكتوم: ضيعتوني.. ضيعتوني يا أمة! قولتلك بلاش الحوارات دي، قولتلك بلاش الكدب! البت مـ،،ا،،ت،،ت.. هروح في داهية.. هيعدموني، أهلها مش هيسيبوا حتة سليمة في جتتي!
حماتي نزلت تلطم على وشها في الصالون، ضوافرها غرزت في خدودها وغلها القديم اتحول لرعب مسخها: يا خراابي.. يا وقعتك السودة يا سيد.. يا فضيحتنا اللي هتبقى على كل لسان.. هنعمل إيه؟! نروح فين؟!
لفت عليا ومدت إيديها عليا في الضلمة كأنها عايزة تخنقني أو تطالبني بمعجزة: اعملي أي حاجة يا دكتورة الغبرة! انفخي فيها.. اضغطي على صدرها.. متقعديش تتفرجي علينا كده كأنك شمتانة!
زحزحت إيديها عني بقوة ورجعت ضهري لورا، وبصيت للبنت اللي كانت نايمة ميتة على رجلي، وجع قلبي عليها مكنش مخليني حتى قادرة أبص في وشوشهم القبيحة: أنا ممرضة مش خالقة أرواح.. البت جالها نزيف داخلي حاد وانفجار، والأدوية اللي ابنك بلعها إياها ومصايبكم سدت شرايينها، الروح راحت للي خلقها.. ودلوقتي إنتوا مش بس في ورطة فـ،،ضـــ،،يـــ،،حـــ،،ة، إنتوا في قضية قـ،،تـــ،،ل نفس، وجثة في عربية بنص ليل على طريق زراعي.
جوزي رفع راسه من على الدركسيون، ملامحه كانت متغيرة وممسوحة، العرق بيشر من قورته مع إنه البرد كان قارص، عنيه كانت حمرا زي الجمر وبص لأمه بصة شيطانية طلعت من قعر الجبن والخسة: نرميها..
الكلمة خرجت من بين سنانه فحيح أفعى، خلت جسمي كله يقشعر من بشاعة اللي بسمعه: نرميها عربيات النص نقل قطعت ضلمة الطريق بهدير مواتير عالي، ونور كشافاتها البيضا كشف تراب الغيطان اللي هاج في الهوا. في ثواني معدودة، وقفت العربيات دي ورا بوكس الشرطة بشكل عشوائي، ونزل منها أكتر من عشرين راجل، جلاليب مقمرة وعصيان شوم، وفيهم اللي ماسك في إيده كشافات يد صيد حادة. على راسهم كان راجل عجوز بشنب أبيض وعيون جاحظة، وشه كأنه محفور في صخر، وجنبه اتنين شباب طوال، ملامحهم مقلوبة غضب وعروق رقبتهم بارزة كأنها حبال.= فين بنتي؟!
فين نورا يا ولاد الحرام؟!الراجل العجوز صرخ بصوت شق سكون الليل وزلزل الطريق الزراعي كله. الشباب اللي معاه اندفعوا لقدام بعصيانهم، لكن صوت تعمير بنادق العساكر وصرخة الظابط الصارمة وقفتهم مكانهم:= مكانك أنت وهو! سلاحك في الأرض ومحدش يخطو خطوة تانية لقدام.. إحنا قوة مباحث والمنطقة دي تحت السيطرة!
حماتي، اللي كانت مربوطة في حديد البوكس، أول ما شافت أهل العروسة داخلين بالشوم، صوتها اللي كان بيهز البيت زمان اتحول لصرخة رعب ومسكنة خبيثة، وفضلت تولول وهي بتهز في الكلبش:= الحقونا يا ناس!الحقنا يا حاج عبد الرازق! الغريبة دي جت هجمت على العيال في ليلة دخلتهم، سممت بتكم الغلبانة في شرباتها وحرقت قلبنا عليها.. بنتكوا راحت في كيد الضراير والغل!
جوزي لقى في صرخة أمه أمل أخير إنه يخلص برقبته من قـ،،تـــ،ـل العمد، فرمى نفسه على ركبه في التراب وصرخ بأعلى حسه وهو بيبص لأبو البنت:= غدرت بيا وببنتك يا عمي! جاية من محافظتها مخصوص عشان تنتقم، دخلت وراها وسممتها بالبطيء وإحنا بنجري بيها على المستشفى في نص الليل عشان نلحقها!دي شيطانة مش بني آدمة!
كلامهم كان زي الشرارة اللي ولعت في كوم قش. الشابين، إخوات البنت، عنيهم احمرت ووشوشهم اتخطفت لما سمعوا كلمة “راحت”، وبصوا ناحية العربية الملاكي وبعدين بصوا عليا. واحد منهم رفع شومته لفوق وصرخ بهستيريا وهو بيهجم:= قتلتِ أختي يا فاجرة؟! والله ما هتدخلي المركز حية، تار أختي هاخده بإيدي هنا!
العساكر اتدخلوا وحجزوه بالعافية، الظابط وقف سد منيع بيني وبينهم، وطلع طبنجته وضرب طلقة في الهوا نورت الضلمة للحظة وصوتها رد في الغيطان وخرس الجميع.= اللي هيتحرك خطوة تانية هصفيه في مكانه! دا مش سوق ولا ميتة كلاب عشان تاخدوا تاركم بأيديكم.. إحنا في دولة وقانون!
في عز الصريخ ده كله، كنت واقفة متصلبة في مكاني، هدومي عليها د,م البنت، وبرد الفجر بينخر في عظامي، بس روحي كانت باردة كأنها تلج. بصيت لأبو البنت اللي كان ساند على عكازه وبيترعش، دموعه نزلت تغسل تجاعيد وشه العجوز، راجل مهدود كان باعت بنته بفستانها الأبيض على أمل يشوف عيالها، مش يشوفها في ملاية على طريق زراعي. قربت من الظابط بهدوء، ومسكت تليفوني بإيد ثابتة مفيهاش أي ارتعاش:= يا باشا.. كلام الضراير والحكاوي الوسخة دي متمشيش مع البوليس.
أنا طلبت الإسعاف وسجلت كل كلمة من أول ما البنت وقعت من طولها في الشقة، والتسجيل ده معاه توقيت دخولهم وتوقيت خروجنا من البيت، وفيه صوته وهو بيتحايل عليا أنقذها بصفتي ممرضة عشان ميفضحش نفسه إنه بلعها حبوب ومقويات غلط سببتلها نزيف حاد، وفيه صوت أمه وهي بتقوله نرمي الجثـ،،ه في المصرف ونقول للبلد إنها هربت!
فتحت السماعة الخارجية للتليفون على أعلى صوت، وضغطت على زرار التشغيل. صوت جوزي المخنوق الرعديد طلع في الهوا نقي وواضح:(نرميها في المصرف هنا جنب الغيط، ونقول صحينا الفجر ملقيناهاش، هربت ولا اختفت.. والبلد عارفة إنها كانت بتعيط قبل الفرح)وبعده صوت أمه الخبيث وهو بيتردد في السكون:(أيوة يا سيد، نرميها هنا والمية تشيلها بعيد، ونرجع على بلدنا قبل ما النهار يشقشق ونعمل نفسنا بندور عليها مع أهلها.. محدش يعرف إنها طلعت معانا في العربية)
الصوت نزل على أهل البنت زي المية المغلية. أبو العروسة فتح بؤه بصدمة ومقدرش ينطق، وإخواتها الاتنين اتحولوا لوحوش بجد. الشوم نزل من إيديهم وطلعوا سكاكين مطاوي من جيوبهم، وهجموا مش عليا.. هجموا على جوزي وأمه اللي كانوا مربوطين في البوكس.= يا ولاد الحرام! عايزين ترموا بنتنا في المصرف وتلصقوا فيها العار؟!
الضرب اشتغل على جوزي المكلبش، والعساكر بيحاولوا يخلصوه بالعافية، وصريخ حماتي كان مالي الدنيا وهي بتستنجد بالظابط اللي لقى نفسه في وسط معركة دموية. في اللحظة دي، عربية الإسعاف وصلت وسارينتها بتنور الطريق، ووراها عربيتين بوكس تانيين للدعم.
الظابط شاور للعساكر يفرقوا الناس بالقوة، وقرب مني وشد التليفون من إيدي بحذر، وبص لملامحي اللي مكنش فيها أي انكسار وقال:= الحرز ده هيروح النيابة دلوقتي.. وإنتِ يا مدام هتطلعي معانا على المركز تدلي بأقوالك، بس بصفتك شاهدة إثبات مش متهمة.. الموضوع أكبر من مجرد خناقة عائلية، ده فيه تقرير طب شرعي هيقلب موازين البلد دي كلها الصبح.
بصيت ناحية المسعفين وهما بيطلعوا نقالة البنت من العربية، ملايتها كانت مفضوحة بد,مها، وحماتي وابنها وشوشهم غرقانة د,م من ضرب إخوات البنت قبل ما العساكر يشدوهم للبوكس المقفول. ركبت في بوكس الشرطة الجديد، وقعدت جنب الشباك الحديدي.. والنهار كان بدأ يشقشق بخيوط رمادية باهتة على الغيطان، كأن الليل البشع ده بيلم سواده ويسيب وراه حساب طويل لسه النيابة والمحاكم هتفتحه ومش هيتقفل بالساهل. شمس الصبح طلعت كئيبة وباهتة، شقت الضباب اللي كان مغطيمركز الشرطة. المدخل كان مقلوب رأساً على عقب، ريحة دخان سجاير رخيصة وبن محروق مالية الطرقة الطويلة، والهمهمات وصوت الصريخ والولولة كان مالي المكان.
البلد كلها كانت واصلة ورا عربيات الإسعاف، الحارة وأهل العروسة وعيلة جوزي.. كل طرف واقف في ركن بيغلي، والعساكر عاملين كردون بالعصيان عشان الد,م ميسيلش جوة مكاتب الحكومة. دخلوني أوضة مكتب وكيل النيابة بعد ما الدكتور الشرعي خلص معاينته المبدئية لجثـ،،ه “نورا” في مشرحة المستشفى المركزي. كنت قاعدة على الكرسي الخشب، هدومي لسه معفرة بتراب الغيط وبقع الد,م الناشفة على أكمامي، بس ملامحي كانت هادية بشكل يرعب أي حد يبصلي. لا دمعة نزلت من عيني ولا رعشة هزت صوابعي. القهرة اللي كانت خنقاني في أوضة بيت العيلة من كام ساعة، اتبخرت وحل مكانها برود صلب زي الصخر.
الباب اتفتح ودخل عسكري ومعاه جوزي، “سيد”، متكلبش في إيد عسكري تاني. كان متبهدل، وشه متورم من ضرب إخوات البنت، كُم قميصه، وراسه مدلدلة في الأرض مش قادر يرفع عينه في عيني. وراه على طول دخلت أمه، حماتي اللي كانت بتملى البيت جبروت وبتعايرني بـ”الأرض البور”, داخلة تسحب رجليها زي الشحاتين، طرحتها مشققة وشعرها الأبيض طالع منها، وأول ما شافتني بصتلي بنظرة فيها رعب ممزوج بغل عاجز.




