عام

سِلفي بعصاية المقشة حكـايات مني السيد حصري

سِلفي عليّ بعصاية المقشة، وحماتي قفلت عليّ عشان ما أروحش أعمل محضر.

الحكاية بدأت من يوم ما جوزي حجز تذكرته وسافر يشتغل برة، وقبل ما يركب الطيارة قال لي جملته اللي كانت بداية العذاب:

“اقفلي شقتنا الإيجار دي ووفري فلوسها، وانزلي عيشي مع أمي وأختي لحد ما أرجع. البيت كبير وهتبقي وسط أهلي، أأمن ليكي.”

سمعت كلامه ونزلت برجلي للمكان اللي افتكرته هيكون أمان، وأنا فاكرة إني رايحة لناس هيصونوني في غيابه.

من أول أسبوع، الوضع اتحول من مجرد إقامة لخدمة مستمرة من أول ما النهار يطلع؛ طلبات مابتخلصش، ومعاملة ناشفة، ونظرات من حماتي تحسسني إني تقيلة عليهم.

أما أخته نورا، فكانت شايفة البيت ملكها لوحدها، وأنا ماليش حتى حق أتنفس من غير إذنها. بلعت وصبرت وقلت عشان خاطر جوزي والغربة اللي هو فيها، لحد ما جت ليلة امبارح.

الساعة كانت يادوبك اتناشر بالليل. كنت مخلصة شغل البيت والمطبخ وهد حيلي، فقعدت في الصالة أشوف التلفزيون وموطية الصوت على الآخر عشان أهدي أعصابي شوية.

فجأة، دخلت نورا بسرعة، خطفت الريموت من قدامي وقفلت الشاشة وقالت بأسلوب مستفز:

“اطفي ده، مش عارفين ننام. هو إنتي فاكرة نفسك قاعدة في فندق؟”

اتضايقت من طريقتها، ورديت عليها:

“الساعة لسه اتناشر، والصوت واطي جدًا، ومفيش حد نايم أصلًا. سيبيني أكمل اللي بتفرج عليه.”

اتنرفزت وزقتني في كتفي بعنجهية وقالت:

“لما أقول كلمة تتسمع، إنتي هنا مش في بيت أبوكي!”

ساعتها مقدرتش أمسك نفسي. قمت وقفت قدامها، واتحول الكلام لخلاف شديد وارتفعت أصواتنا في الشقة كلها.

في وسط الخلاف، لقينا باب الشقة بيتفتح ودخل أحمد سلفي.

بدل ما يدخل يهدينا ويفصل بينا، اتصرف بعصبية شديدة؛ لمح عصاية المقشة الخشب جنب الباب، مسكها واتجه ناحيتنا. وبعد لحظات من الفوضى، أصابتني العصاية في ضهري بقوة، فصرخت ووقعت على الأرض من شدة الألم.

كان الوجع شديد، وحسيت إني مش قادرة أتحرك. وهو واقف يزعق ويقول:

“إنتي بتعلي صوتك في بيتنا وبتتعدي على أختي؟”

قمت بالعافية، وجريت على أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح وأنا بنهار من البكا والقهر.

طلعت التليفون ورنيت على أمي وأنا بترعش. ردت بصوت نايم، وأول ما حكيت لها قالت:

“يا بنتي أنا نايمة وتعبانة ومش ناقصة وجع دماغ. الصبح نبقى نشوف الحكاية دي.”

وقفتلت السكة.

اتصلت بأخويا، فاتعصب وقال لي:

“اهدي ومتفتحيش الباب لحد. أول ما النهار يطلع هاخد أول ميكروباص وأكون عندك.”

حماتي من ساعتها واقفة ورا باب الأوضة، مش عشان تطمن عليا، لكنها كانت بتزعق وتهددني:

“أقسم بالله لو فكرتي تخطي عتبة الباب ده، مش هتخرجي تفضحينا. الموضوع ده هيتلم هنا!”

أنا كنت متبهدلة وكتفي وضهري فيهم آثار واضحة من اللي حصل، والغضب مالي كل حتة فيا؛ من سلفي اللي استقوى عليا، ومن حماتي اللي مانعاني أخرج، ومن جوزي اللي سابني ومشي.

عقلي كان بيفكر في كل الاحتمالات. فكرة إني أستنى الصبح بقت صعبة، وكل ثانية بتمر كنت حاسة إنهم ممكن يمنعوني من إني أطلب المساعدة.

حسمت أمري وقررت مش هستنى النهار. لميت بطاقتي ودهبي في جيبي، ومشيت على أطراف صوابعي. فتحت شباك الأوضة المطل على المنور عشان أحاول أوصل للشقة اللي تحتنا، لكن أول ما طلعت راسي اتجمدت مكاني من الصدمة.

حماتي وأحمد سلفي كانوا واقفين تحت ومستنيني، وعينه جت في عيني!

الدم نشف في عروقي وأنا متعلقة على حرف الشباك، راسي برة في الهوا الساقع ورجلي بترتعش جوة الأوضة.

النظرة اللي في عين أحمد تحت في ضلمة المنور كانت بتقول إنه عارف إني بحاول أهرب. جنبه كانت أمه واقفة، ملامح وشها مش واضحة أوي في العتمة، لكن نظرتها كانت كفيلة تخلي القلق يملاني.

قال بصوت واطي ومليان تحدي:

“انزلي يا فالحة.. انزلي عشان تشوفي هتعملي إيه مع اللي مستنيكي تحت.”

سحبت جسمي لجوة بسرعة، وقفلت ضلفة الشباك بالراحة. رجعت بضهري لحد ما خبطت في الحيطة، وقعدت على الأرض مش قادرة أصلب طولي.

أنفاسي كانت طالعة متقطعة، وصوت ضربات قلبي مسموع في الأوضة الفاضية. الألم اللي في ضهري رجع من جديد، وكل حركة كانت بتخليني أضغط على شفايفي عشان ما أطلعش صوت يسمعوه.

قعدت ألوم في نفسي:

إزاي غفلت عن المنور؟ إزاي نسيت إن الشباك ده بيبص على الحوش الصغير اللي تحت، واللي أحمد بيحط فيه حاجاته؟ هما مكانوش نايمين، وكان واضح إنهم منتبهين لكل تحركاتي.

مسكت الموبايل تاني وبصيت في الساعة.. تلاتة الفجر.

الوقت كان بيمر ببطء شديد. فتحت شات الواتساب مع أخويا محمد، وكتبت له وإيدي بترتعش:

“محمد، أحمد وأمه صاحيين ومحاصرين الأوضة والمنور. متستناش النهار بالله عليك، انزل دلوقتي حالًا. أنا خايفة ومحتاجة مساعدتك.”

الرسالة فضلت بعلامة صح واحدة رمادي.. لسه نايم أو الموبايل فاصل شحن.

رميت التليفون على السرير بيأس ودفنت وشي بين إيديا.

فجأة، سمعت صوت خطوات طالعة على السلم.. خطوات تقيلة وبطيئة.

وقفت الخطوات برة باب الشقة، وبعدها صوت مفاتيح بتتحرك في الباب الخارجي. اتفتح واتقفل، ورجعت الخطوات تقرب من أوضتي.

وقفت ورا الباب وأنا ساندة ضهري على الدولاب، مش قادرة أقف مستقيمة من الألم.

حماتي اتكلمت من ورا الخشب بصوت فيه تهديد:

“افتحي يا شيماء.. افتحي بدل ما نخلي الليلة دي صعبة عليكي وعلى أهلك. إنتي فاكرة نفسك بتلعبي مع مين؟”

مردتش، وكتمت نفسي عشان ما تسمعش صوت بكايا.

كملت هي بنبرة أعلى:

“أخوكي اللي بتستقوي بيه ده، لو جه هنا وعمل مشكلة، إحنا نقدر نبلغ عنه. البيت ده له حرمة، وإنتي اللي بدأتي ومديتي إيدك على بنتي.”

صرخت من ورا الباب ودموعي نازلة:

“بنتك اللي قفلت الشاشة في وشي وزقتني! بنتك اللي كانت بتعاملني كأني خدامة! وابنك دخل بدل ما يهدي الدنيا، مسك العصاية وأذاني.. ضهري فيه آثار واضحة. والله لأعمل فيكم محضر وأطلب حقي.”

ضحكت حماتي وقالت:

“محضر؟ ومين هيصدقك؟ إنتي جوة شقتنا، ومحدش شاف حاجة. وبنتي وشها سليم، يعني لو الموضوع وصل للمحاضر إحنا كمان نقدر نقول إنك إنتي اللي بدأتي.”

الكلمة وقعت عليا بقسوة.

جوزي! مصطفى اللي وثقت فيه وسبت أهلي وشقتي عشانه، بقى السلاح اللي بيهددوني بيه.

الصوت اختفى من ورا الباب، ورجع الهدوء للشقة تاني، لكني كنت عارفة إن ده مش هدوء أمان، ده انتظار لحد ما أستسلم.

رجعت لسريري وقعدت وأنا باصة للسقف.

شريط السنتين اللي عشتهم مع مصطفى بدأ يمر قدام عيني.

افتكرت يوم ما اتقدملي. كان راسم دور الراجل الطيب اللي مالوش غير شغله وبيته. افتكرت شقتنا الإيجار البسيطة اللي فرشناها حتة حتة على قد إيدينا.

كنت راضية باللي موجود وبقول بكرة ربنا يفرجها.

لحد ما جاله عقد عمل في السعودية.. يومها فرحت وافتكرت إن باب الفرج اتفتح.

مكنتش أعرف إن القرار ده هيغير حياتي بالشكل ده.

أول ما بدأ شغله، أمه بدأت تقنعه:

“ليه تدفع إيجار كل شهر لشقة وإنت مسافر ومراتك قاعدة لوحدها؟ وفر الفلوس وخليها تقعد معانا. تبقى وسط أهلها والفلوس تتوفر لأولادكم بعدين.”

ومصطفى، كعادته، مبيكسرش كلمة لأمه.

جه وضغط عليا وقال:

“عشان خاطري، ده مؤقتًا لحد ما أرجع في أول إجازة ونشتري شقة تمليك.”

صدقته.. ووافقت، ومن يومها وأنا عايشة في ضغط مستمر.

أخته نورا كانت منفصلة عن زوجها وراجعة تعيش مع أمها، وكانت شايفة فيا حاجات كتير بتضايقها.

كانت تطلب مني أعمل حاجات البيت، ولو اتأخرت في حاجة تسمعني كلام يضايقني.

ومصطفى لما كنت أشتكيله في التليفون كان يقولي:

“معلش يا شيماء، استحملي عشان خاطري. دول أهلي برضه، بلاش مشاكل عشان أعرف أركز في شغلي.”

كان كلامه بيزود تعبي بدل ما يخففه.

الوقت كان بيعدي، والساعة دقت أربعة ونص.

آذان الفجر بدأ يتردد من الجامع اللي في آخر الشارع. صوت الشيخ كان بيطمن القلوب الخايفة، بس قلبي كان لسه مليان قلق.

فجأة، تليفوني نور.

بصيت لقيت الشاشة بتنور برقم مصطفى الدولي!

اتنفست بارتياح للحظة، وقلت لنفسي:

أكيد حس بيا.. أكيد ربنا ألهمه يتصل عشان يساعدني.

فتحت الخط بسرعة ولسه هقول:

“الحقني يا مصطفى، أهلك أذوني..”

لقيت صوته طالع غاضب، وقاطعني من غير حتى ما يقول سلام:

“إنتي إيه اللي عملتيه؟ وإيه الحكاية بالضبط؟”

اتصدمت، وبلعت ريقي بصعوبة وقلت:

“مصطفى.. إنت مش عارف إيه اللي حصل. أخوك أذاني بالعصاية…”

رد بعصبية:

“أخويا راجل وبيحمي أخته وبيته!”

صرخ في التليفون لدرجة إن ودني وجعتني:

“أمي اتصلت بيا من شوية منهارة، قالتلي إنك اتخانقتي مع نورا، ولما أحمد دخل يهدي الدنيا حصلت مشكلة بينكم، وإن صوتكم كان واصل لآخر الشارع!”

الدموع خانتني وبقيت أشهق:

“إنت بتصدقهم عليا؟ إنت عارفني وعارف أخلاقي. أنا اللي اتأذيت، وضهري فيه آثار واضحة، وأنا محبوسة في الأوضة وخايفة أخرج. هما اللي بيقولوا كلام مش حقيقي يا مصطفى. افتح كاميرا وأوريك اللي حصل!”

رد بقسوة:

“مش فاتح، ولا عايز أشوف حاجة! أنا ماليش غير أهلي، وكرامة أمي وأختي من كرامتي.”

ثم قال:

“إنتي لو فكرتي تعتبي برة باب الشقة دي قبل ما تعتذري لأمي ولنورا، هطلقك وهسيبك. وأخوكي لو جه البيت يعمل مشكلة، أحمد هيتصرف معاه. فاهمة ولا لأ؟”

وقبل ما أنطق بحرف، قفل السكة في وشي.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى