قصص وروايات

حمايا بنى بيت

* “اتفاق إيه يا بتاع الاتفاق؟! الكلام ده كان زمان.. دلوقتي أنا ليا عيال وعايزة أعيش، لو مش عاجب الهانم مراتك، تديني فرق السعر وتاخد شقتها، إنما تلووا دراعي بورقة عرفي وأنا في عمارة أبويا؟”

جوزي وطي راسه وبصلي برجاء:

* “يا سحر.. اهدي بس وخلينا نقعد نتفاهم بالعقل، مرفت برضه أختي، مش هينفع نشردها.. نقعد ونشوف حل وسط!”
* “حل وسط على حقي أنا؟!” الضحكة طلعت مني مجروحة: “بعد ما ضحكتوا عليا وقولتوا يومين وبقوا سنة، وبقى لها خمس سنين سارقة شقايا، جاي تقولي حل وسط؟! إنت بعتني يا ابن الناس.. بعت دهبي وشقايا ورضيت بالذل عشان ترضي أختك وأمك!”

رجعت خطوتين لورا وبصيت للتلاتة بجمود:

* “مفيش حلول وسط، ومفيش قعاد خلاص.. الورقة العرفي دي هتروح للنيابة، ودعوى صحة توقيع وطرد للغصب هتترفع بكرة الصبح، وقسماً برب العزة، لا بيتك ولا عيلتك دي كلها هتشوف وشي دقيقة واحدة بعد النهاردة إلا في المحاكم!”

لفيت ضهري وخرجت ورزعت الباب ورايا. ولسه بلف عشان أنزل، لقيت باب شقة سلفي الكبير بيتفتح بعنف، ونزل وراه أخوه التاني على السلم، وملامح وشوشهم مليانة غضب.

سلفي الكبير وقف وسد الباب بجسمه، وبص لمرفت باحتقار:

* “جرى إيه يا مرفت؟! صوتك جايب لآخر الشارع وبتتبجحي عيني عينك؟!”

مرفت حاولت تستنجد بيهم:

* “الحقوني يا إخواتي.. مرات أخوكم جاية تبلطج عليا وعايزة ترميني في الشارع!”

أخو جوزي التاني قاطعها بصوت حاد:

* “ترمي مين يا نصابة؟! إحنا كنا شاهدين على البيعة دي من أولها لآخرها، وقابضة الفلوس قدامنا عِد ونقد!”

حماتي تدخلت:

* “جرى إلكوا إيه يا ولاد بطني؟! هتقفوا مع الغريبة ضد أختكم؟”

سلفي الكبير زعق في أمه:

* “غريبة إيه وأختنا إيه يا أمي؟! الحق أحق أن يُتبع! سحر معاها كل الحق.. الست باعت دهبها وسدت اللي عليها، وأختنا خدت الفلوس وطارت، ولما ضيعتها جايّة تطلب فرق ملايين؟! دي بلطجة وسرقة!”

لف سلفي لجوزي وزعق فيه:

* “وأنت يا أستاذ.. واقف زي قلتك كدة ليه؟! مش قادر تنطق بكلمة حق لمراتك؟ خايف من إيه؟ العقد اللي معاها إحنا ماضيين عليه شهود، ونشهد في أي محكمة إن الشقة دي شقتها!”

أخت جوزي وشها جاب ألوان، والرعب تمكن منها لما لقت ضهرها اتكشف. بصيت لإخوات جوزي وقولت بثقة:

* “سمعتي شهودك يا مرفت؟ مفيش محاكم هتطول.. قدامك ٢٤ ساعة بس، تلمي كراكيبك وعيالك وتفضي شقتي، وإلا إخواتك هما اللي هينزلوا عفشك للشارع!”

تاني يوم الصبح بدري، أخدت أصل العقد وكل وصولات الأمانة، ونزلت على المحامي. رفعت دعوى صحة توقيع، وعملت إثبات حالة، وفتحت محضر رسمي بتسليم الشقة. المحامي طمني وقالي إن شهادة إخوات جوزك هتقفل القضية لصالحك.

الخبر نزل على العمارة زي الصاعقة لما وصل الإخطار! حماتي شافت الجد وعرفت إن الموضوع دخل في سكة محاكم. البيت اتقلب، وإخوات جوزي دخلوا بكل ثقلهم وقعدوا جلسة صلح نهائية. في الآخر، انكسرت شوكة مرفت بعد ما لقت إن القانون واقف في صفي، وانتهى الاتفاق على إنها تلم عفشها وتنزل تعيش مع حماتي في شقتها الأرضية، وتتسلم ليا الشقة بالمفتاح قدام إخواتها.

يوم النقل، وقفت في مدخل الشقة، شفتهم وهما بينزلوا الكراكيب.. ومرفت نازلة عينيها في الأرض ومكسورة. أول ما خرج آخر فرد، مسكت المفتاح، دخلت ورزعت الباب، ودورت الكالون تلات تكات.. قعدت على الأرض في الصالة الفاضية، ولأول مرة أتنفس نفس كامل من غير غصة.

قومت، وجيبت مفتاح كالون جديد غيرت بيه قلب الباب القديم اللي كانت مع حماتي نسخة منه، وحطيت المفاتيح في جيبي.

ونزلت لجوزي اللي كان قاعد حاطط راسه بين إيديه، رزعت المفتاح القديم قدامه:

* “الكالون اتغير يا ابن الناس، والشقة قفلتها بضبتها ومفتاحها.. واللي حصل ده درس عمري ما هنساه، لا ليك ولا لأهلك.”

رفع عينه بكسرة:

* “حقك عليا يا سحر.. والله ما كنت متخيل إن الأمور هتوصل لكدة.”

رديت بابتسامة باردة:

* “الدم عمره ما حمى حق يا أبو ابني.. القانون والورق والوقفة هما بس اللي بيحموا. لولا إني وقفت على رجلي وجرجرت الورق في المحاكم وكان إخواتك في ضهري بالحق، كان زمان شقايا راح.”

من اليوم ده، بدأت صفحة جديدة.. مرفت عايشة تحت مع أمها، وحماتي مكسورة ومش قادرة تفتح بقها. أما أنا، فجيبت نقاش ودهنت الشقة من أول وجديد بألوان فاتحة، وركبت باب حديد كمان للأمان.

مرت السنين، وماتت حماتي، وفضلت مرفت قاعدة في الشقة التحتانية محبوسة في حسرتها. أما ابني.. نور عيني اللي بعت دهبي وشقيت سنين عشان أضمنله سقف يستره، فكبر قدام عيني راجل يملا العين، اتخرج واشتغل وبقى ضهري وسندي.

وجه اليوم اللي كان أقصى حلمي. اتفتحت أبواب الشقة على مصراعيها، بس المرة دي بالزغاريد والأنوار وريحة الورد والبخور. وقفت أفرش عفش عروسته بإيدي، وهو بيضحك ويطبع بوسة على جبيني:

* “تسلم إيدك وشقاكي يا أمي.. لولا وقفتك زمان وجدعنتك مكنش زمان ليا مكان أبدأ فيه حياتي مرفوع الراس.”

دموعي نزلت، بس كانت دموع برد وسلام مسحت كل مرار السنين. يوم الفرح، زفيته لعروسته وصوت الزغاريد كان مسمّع في العمارة كلها، طالع يرن في ودان مرفت تحت ويفكرها إن الباطل مهما اتفرعن آخره ينداس، وإن حق الضنا اللي حاربت عشانه أمه، رجع وصان صاحبه وعمّر بيته بالخير والستر.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى