قصص وروايات

حمايا بنى بيت

* “يومين اتنين بس يا سحر يا بنتي، لحد ما نلاقي شقة تانية وربنا يفرجها عليها.. عيب تطلعينا قدام الناس من غير أصل.”

لقيت نفسي محاصرة، ومبقاش عندي طاقة للمناهدة أكتر من كدة. بلعت المرار وسكتت.. بصيت لجوزي وقولتله بنبرة باردة:

* “يومين يا ابن الناس.. تمانية وأربعين ساعة، لو رجليها فضلت في الشقة دي بعدها، ما تلومش غير نفسك على اللي هيحصل.”

لفيت ضهري ودخلت شقتي وقفلت الباب ورايا.

مرت التمانية وأربعين ساعة، وجه وراها أسبوع، وجوزي كل ما أفتحه في الموضوع يتهرب بعينه ويقولي: “السوق نايم يا سحر، الإيجارات نار ومش لاقي حاجة على قد الإيد.. اصبري بس كام يوم.”

والكام يوم جروا وراهم أسابيع، واليومين بقوا شهر، والشهر كرّ وراه شهور لحد ما كملت خمس سنين!

خمس سنين وأنا بشوف شقا عمري ودهبي اللي اتباع بيتبهدل قدام عيني يوم ورا يوم. العفش القديم المكسر ملى الصالة، الحيطان اتبهدلت، وريحة الأكل طالعة على السلم ليل نهار.. وأخت جوزي بقت تقف مع الجارات تتكلم عن الشقة بصيغة “شقتي وعفشي وبيت أبويا”.

لحد ما جه اليوم اللي طفح فيه الكيل، اليوم اللي عرفت فيه إن سكوتي سنة كاملة كان غلط. كنت نازلة من شقتي رايحة مشوار، وسمعت صوت ضحك عالي طالع من شقتي.. وقفت لما سمعت صوت راجل غريب جوة! الباب كان موارب، وبصيت من الفتحة.. لقيت أخت جوزي قاعدة مع راجل، وبتتفق معاه على توضيبات في الشقة:

* “بص يا أسطى، احنا عايزين نكسر الحيطة دي ونفتح المطبخ أمريكاني، ونغير دهان الأوض عشان أعمل أوضة نوم جديدة!”

الدم غلي في راسي. دي مبقتش قعدة مؤقتة، دي بتتصرف كمالك أصيل في ملكي اللي مش دافعة فيه قرش! زقيت الباب برجلي بكل غل، ودخلت وراسي مرفوعة وعيني فيها شرار.

* “اتفضل اخرج برا يا أسطى! الشقة دي ليها صاحبة، ومفيش مسمار هيدق فيها ولا حيطة هتتهد من غير إذني.. اتفضل من غير شوشرة!”

الراجل بص لأخت جوزي بارتباك، ولم أدواته وانسحب.

أول ما الباب اتقفل، أخت جوزي حطت إيدها في وسطها وقربت مني:

* “إيه قلة القيمة دي؟ إزاي تطردي راجل جايباه بيتي؟ أنتِ اتجننتي يا سحر؟ جاية تستعرضي عضلاتك عليا في بيت أبويا؟”

صرخت فيها:

* “بيت أبوكي مين يا أم بيت؟! الشقة دي شقتي أنا! بفلوسي وشقايا ودهب سنيني! سنة سايباكي تاكلي وتوسخي فيها بحجة يومين، ودلوقتي جايبة صنايعية تكسري وتهدي في ملكي وعايزة تعملي أوضة نوم كمان؟ أنتِ بايعة وقابضة تمنها عدا ونقدا!”

ضحكت بسخرية:

* “شقة مين يا روحي؟ العقد اللي في إيدك ده تنقعيه وتشربي ميته! الشقة لسه باسمي في الشهر العقاري وباسم أبويا في كل ورق الحكومة.. والفلوس اللي بتتكلمي عنها دي كانت تعويض عن سنين شقايا في خدمة أبويا.. فوقي يا شاطرة، محدش يقدر يطلعني من هنا!”

الكلمات نزلت عليا زي مية نار:

* “بقى كدة؟ بتعترفي عيني عينك إنك نصابة؟ العقد اللي بتقولي عليه ينقع وأشرب ميته ده، هجرجرك بيه في المحاكم والأقسام.. وقسمًا بربي، لا أنتِ ولا مية زيك هيقعدوا في شقا ابني دقيقة واحدة بعد النهاردة!”

صوتنا كان عالي، وفي ثواني دخلت حماتي وهي بتصوت:

* “يالهوي يا فضيحتنا قدام الجيران! إيه اللي بيحصل هنا؟ عايزة تطردي بنتي من بيتها يا خرابة البيوت؟”

بصيت للاثنين بقوة:

* “بيتها ده كان زمان.. دلوقتي الشقة دي ملكي بفلوسي وشقايا، ولو مش عاجبكم وعايزة تقعد فيها، تدفعيلي تمنها كامل بسعر النهاردة وتشيل إيدها.. غير كدة مفيش قعاد هنا دقيقة واحدة!”

مرفت لوت بوزها بسخرية:

* “شعر إيه وسوق إيه يا أم سوق؟! ده بعينك! أنا مش هدفع مليم زيادة.. الفلوس اللي اخدتها منك من خمس سنين هرميهالك في حجرك، وتجيبي الورقة العرفي دي نقطعها قصاد بعض!”

صرخت فيها:

* “ترجعيلي الفلوس اللي اخدتيها من خمس سنين؟! من خمس سنين كان جرام الدهب بألف جنيه، والنهاردة الجرام بقى بست تلاف! أنتِ اخدتي فلوسي رحتي اشتريتي بيها دهب وشيلتيه على جنب، ودلوقتي جاية تديني ملاليم مالهاش قيمة بعد ما خسرتيني كل حاجة؟!”

حماتي اتدخلت بسرعة:

* “وجرى إيه يعني؟ مش دي الفلوس اللي اديتيهالها؟ الفلوس هي الفلوس، هترجعهالك بالجنيه، عيزانا نعملك إيه يعني في غلاء الدهب؟”
* “لا يا ماما، انتوا اللي غليتوا الغدر والسرقة!” رديت وأنا بنهج: “فلوسي اللي اخدتيها كانت دهب، وقيمة الشقة النهاردة بالملايين.. الفلوس الميتة دي تاخديها تبلّيها وتشربي ميتها، يا تدفعي تمن الشقة بسعر النهاردة، يا قسماً بعزة جلال الله الشرطة والقانون هما اللي هيفصلوا بيني وبينك!”

مرفت ضحكت باستهزاء:

* “لو عايزة الشقة دي فعلاً وتشوفيني طالعة منها، ادفعيلي الفرق! ادفعي تمنها بسعر النهاردة.. ساعتها بس ألم عيالي وعفشي وأخرج، غير كدة أنا قاعدة في ملكي ومش متزحزحة!”

حسيت بدمي بيفور، الضحكة طلعت مني مجروحة:

* “أدفعلك الفرق؟! الكام ألف اللي بتتكلمي عنهم دول كانوا تمن الشقة كامل وزيادة في وقتها، كانوا دهبي وفلوس استلفتها وسديتها من لحمي الحي! أنتِ بعتي برضاكي وأخدت حقك كامل!”

حماتي هزت راسها وربّتت على كتف بنتها:

* “وليه لأ يا سحر؟ الدنيا غليت على الكل، والبت اتنصب عليها.. لو أنتِ شبعانة وعايزة الشقة، كمليلها حقها زي ما السوق بيقول دلوقتي، مش هي أولى من الغريب؟”
* “ألهفها؟!” صرخت والدموع اتحبست في عيني: “دي سرقة عيني عينك، بيع وشراء تم وانتهى من خمس سنين.. أقسم بالله العظيم ما هتشوفي مني ولا مليم زيادة، والشقة دي هتفضى، يا بالقانون يا باللي هعمله فيكم!”

في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل جوزي وهو بينهج:

* “في إيه؟! صوتكم واصل لأول الحارة، الجيران ملمومة على السلم والفضايح بقت بجلاجل!”

جريت مرفت عليه:

* “الحقني يا أخويا.. الحق مراتك جاية تطردني أنا وعيالي في الشارع! بتقولي اطلعي برا وبتفرّج علي الصنايعية والغُرب.. عايزة تاكلني عيني عينك وتاخد الشقة ببلاش!”

حماتي كملت:

* “عاجبك كدة يا بني؟ عايزة تجيب لنا الشرطة وتبهدلنا قدام اللي يسوى واللي ما يسواش.. هي دي الأصول؟”

بصيت لجوزي اللي عينه كانت مكسورة:

* “سمعت يا ابن الناس؟ أختك بتقولي ادفعيلي فرق الملايين يا إما مش طالعة! وبتقول الشقة لسه باسمها والعقد تبليه وتشربي ميته! انطق.. قول كلمة حق واحدة تبرأ بيها ذمتك قدام ربنا! الشقة دي اتدفن فيها دهبي وفلوس أهلي ولا لأ؟”

جوزي اتلخبط وبص لأخته بعتاب باهت:

* “جرى إيه يا مرفت؟ ما كانش ده الاتفاق.. إحنا دافعين تمنها كامل من سنين، وأنتِ اللي كنتي مستعجلة تبيعي عشان تاخدي الفلوس وتمشي!”

مرفت ردت بحدة:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى