
حمايا بنى عمارة تجمع ولاده، وكل واحد حط شقاه وساهم في تكلفة شقته، ما عدا بنته الوحيدة.. حمايا راعى ظروفها وشال هو تكلفتها كاملة وكتب الشقة باسمها.
مات حمايا، ومن بعده اتبدلت الأحوال؛ بقت كل يوم تفتعل أزمة مع واحدة مننا من غير سبب، لحد ما فاجئتنا بقرارها إنها تبيع نصيبها في العمارة وتمشي. إخواتها اعترضوا: “مايصحش حد غريب يدخل وسطينا”، لكن مع إصرارها، قررت أتصرف.. قلت أشتريها أنا وتبقى أمان لمستقبل ابني.
بعت دهبي كله، واستلفت من أهلي فوق اللي كان مع جوزي، ودفعنا لها تمن الشقة بالكامل. كتبنا عقد بيع وشراء، وكل ما نطلب منها نسجل في الشهر العقاري تتحجج بالعزال ونقل العفش وإنها مشغولة، وأخدت الفلوس ومشت.. وعدت تلات شهور هادية.
فجأة، رجعت تعيط في حجر حماتي؛ الفلوس طارت، وما بقاش ليهم سقف يسترهم! ودلوقتي حماتي بتمارس علينا كل أنواع الضغط عشان نفتح لها الشقة تقعد فيها “لحد ما تلاقي مكان”.. الشقة اللي دفعت فيها شقا عمري ودهب سنيني.
وحصل اللي كنت مرعوبة منه..
الضغط ما جابش نتيجة معايا، فحماتي قررت تتصرف من ورا ضهري. في يوم كنت عند أهلي بقضي اليوم معاهم، وجوزي في شغله، رجعت العصر وطلعت السلالم.. لقيت باب الشقة اللي شقا عمري مدفون فيها موارب، وصوت كراكيب وعيال بتلعب جوة وريحة أكل طالعة!
رجلي اتسمرت مكانها، قلبي دق لدرجة حسيت إنه هيقف. زقيت الباب ودخلت.. لقيت أخت جوزي فارشة كام سجادة ومقعدة عيالها، وحماتي واقفة في الصالة بتناولها حاجات في إيديها وبتضحك!
بصيت لحماتي بذهول:
* “إيه ده يا ماما؟ مين اللي فتح الباب ده؟ ومين سمحلكم تدخلوا هنا؟”
حماتي لفتلي وقالت وهي بتعدل طرحتها:
* “جرى إيه يا بنتي؟ هو احنا داخلين زريبة؟ دي شقة بنتي قبل ما تكون شقتك، والبيت ده بيت أبوها، ومعايا نسخة من المفتاح من أيام المرحوم.. مكسورة الجناح وما صدقت لقت مطرح يلمها هي وعيالها، عايزانا نرميها في الشارع والبيت فيه وسع؟”
بصيت لأخت جوزي اللي قالت بصوت مليان غل:
* بقولك يا سحر انتى من الاول طمعانه فى الشقه والسبب انى اسيب الشقه حرام عليكى وبعدين الشقه خلاص بقت بتاعتك عايزه تيه تاني هما شهر ولا حاجه وهمشى
لسه هرد لقيت حماتى اتدخلت:
* معلش.. عشان خاطري نعديها يومين بس لحد ما تهدا النفوس.. مش هنرمي بنتي في الشارع قدام الناس.
في اللحظة دي، حسيت الدنيا بتلف بيا.. عرفت إن “اليومين” دول هيبقوا سنين، وإن رجليها اللي دخلت العتبة دي مش هتخرج بالسهل.. وإن الشقة اللي ضيعت عشانها كل ما أملك، بتضيع مني عيني عينك بتواطؤ العيلة كلها، ومبقاش قدامي غير طريق واحد يا إما أخسره كله.. يا إما أحرث البحر عشان آخد حقي بالقوة.
فضلت واقفة مكاني، الدم بيغلي في عروقي وعيني رايحة جاية بين حماتي وأخت جوزي. في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات طالعة على السلم، ودخل جوزي وهو شايل أكياس في إيده.. اتفاجئ بالدربكة والعيال، وبصلي وبصلهم بذهول:
* “في إيه هنا؟ إيه اللي بيحصل ده؟”
جريت عليه وأنا صوتي بيترعش:
* “تعالى شوف يا أخويا.. تعالى شوف الشقة اللي بعت دهبي وشقا عمري عشانها، أختك وأمك فتحوها بمفتاح قديم وقاعدين فيها! وبتقولي طمعانة، وهي واخدة تمنها على داير مليم!”
حماتي قربت منه بسرعة، وبدأت تمثل دور الأم المغلوبة على أمرها:
* “يرضيك يا بني؟ أختك لحمك ودمك، اتنصب عليها في كل قرش، وعيالها مالهمش مطرح يسترهم.. قولت ندخلها يومين، بس لحد ما تقف على رجليها وتلاقي شقة تانية بالإيجار.. مراتك عايزة تفضحنا قدام الجيران وترمينا في الشارع؟”
أخت جوزي استغلت الموقف ورمت نفسها على الكنبة وفضلت تعيط:
* “أنا اللي غلطانة.. خلاص يا خويا، هاخد عيالي وأقعد في الشارع، عشان مراتك ترتاح وما تشيلش هم إننا أكلنا حقها!”
بصيت لجوزي مستنية منه كلمة حق، مستنية يقف وقفة راجل ويقول إن ده شقانا وحق ابنه، لكنه وطي وشه في الأرض، وقال بنبرة هادية وضعيفة كسرت ضهري:
* “سحر.. اهدي بس يا حبيبتي، ما ينفعش الصوت يعلى كدة والناس تسمعنا. أختي برضه في محنة، مش هنطردها دلوقتي.. هما يومين اتنين بالعدد، على ما أدور لها على شقة إيجار تناسب ظروفها وتنقل فيها.”
* “يومين؟ أنت مصدق اللي بتقوله؟!” صرخت وأنا مش مستوعبة.
مسك إيدي وشدني لبرا الشقة، وقال وهو بيوطي صوته وبيترجاني:
* “معلش يا سحر.. عشان خاطري أنا عديها، مش هنقطع في بعض عشان حيطان. دول يومين بس تهدا النفوس، وهنزل بنفسي أدور لها على مطرح تلم فيه عيالها، وأنا اللي هطلعها بإيدي.”
حماتي وقفت ورانا وأكدت بلهجة حنينة:




