
قال:
— “لأن الشخص اللي جوه… مش دانيال.”
سكت.
— “مين؟”
وجاءت إجابته:
— “أمك.”فضلت ماسكة الموبايل على ودني.
— “أمي؟”
صوت كريم جه واطي:
— “أيوه.”
بصيت جنبي.
أمي كانت واقفة عند العربية.
بتتظاهر إنها بتدور على مفاتيحها.
نور كانت بتبصلي باستغراب.
قلت لكريم:
— “إنت متأكد؟”
— “أنا شوفتها.”
— “إمتى؟”
— “قبل ما الشرطة توصل. كانت بتكلم حد قدام البيت القديم.”
سكت.
— “مين؟”
— “ماعرفتش.”
قلت:
— “إنت عرفت عنوان البيت القديم إزاي؟”
صمت كريم.
— “كريم.”
قال أخيرًا:
— “أنا كنت براقب المكان من فترة.”
قفلت المكالمة.
بصيت لأمي.
— “ماما.”
رفعت عيني.
— “نعم؟”
— “إحنا هنروح البيت القديم.”
وشها اتغير.
ثانية واحدة بس.
لكن كانت كفاية.
قالت:
— “مش دلوقتي.”
ابتسمت.
— “ليه؟”
— “المكان مهجور.”
— “أنا عارفة.”
— “وممكن يكون خطر.”
— “أنا عارفة برضه.”
سكتت.
قربت منها.
— “إنتِ عايزة تمنعيني أروح.”
ما ردتش.
نور بصت لأمي.
— “ماما؟”
أمي قالت:
— “أنا خايفة عليكي.”
قلت:
— “وأنا خايفة من الكلمة دي.”
فتحت باب العربية.
— “كل مرة حد يقول إنه خايف عليا، ألاقي بعدين إنه كان مخبي عني حاجة.”
ركبت.
نور ركبت جنبي.
أمي فضلت واقفة.
قلت لها:
— “هتيجي؟”
بعد تردد طويل…
ركبت.
طول الطريق محدش اتكلم.
أنا كنت سايقة.
نور ماسكة الملف.
وأمي قاعدة ورا.
كنت حاسة بنظراتها في ضهري.
بعد حوالي أربعين دقيقة، وصلنا.
البيت كان زي ما فاكرينه.
قديم.
شبابيكه مقفولة.
الدهان واقع.
والحديقة مليانة حشائش.
نزلنا.
أمي قالت:
— “مريم، بلاش.”
بصيت لها.
— “ليه؟”
ما ردتش.
طلعت المفتاح اللي اداني إياه مايكل.
دخلته في الباب.
لف.
الباب اتفتح.
لكن قبل ما ندخل…
لاحظت حاجة.
التراب اللي قدام الباب كان متحرك.
يعني حد دخل قريب.
نور همست:
— “حد كان هنا.”
قلت:
— “عارفة.”
دخلنا.
ريحة البيت كانت تقيلة.
خشب قديم.
ورطوبة.
مشيت ناحية الصالة.
كل حاجة تقريبًا زي ما كانت.
الساعة القديمة.
المكتبة.
الصورة الكبيرة لأبويا.
وقفت قدامها.
وبصيت طويلًا.
ثم قلت:
— “أبويا الحقيقي كان اسمه إيه؟”
أمي ما ردتش.
لفيت لها.
— “ماما.”
قالت:
— “آدم.”
— “آدم موريس؟”
— “أيوه.”
— “وليه عمري ما سمعت الاسم ده؟”
دموعها نزلت.
— “لأن جدتك طلبت مني أنسى الاسم.”
— “بس إنتِ ما نسيتِهوش.”
— “لأ.”
— “إنتِ كنتي بتحبيه؟”
سكتت.
وبعدين قالت:
— “كنت بحبه.”
نور شهقت.
أنا ما اتفاجئتش.
يمكن لأني كنت وصلت لمرحلة ماعادش فيه حاجة تقدر تصدمني.
دخلنا المكتب القديم.
فتشنا الأدراج.
ولا حاجة.
فتحت الدولاب.
فاضي.
نور قالت:
— “الصندوق مش هنا.”
بصيت للأرض.
كان فيه لوح خشب مختلف.
نزلت على ركبتي.
خبطت عليه.
الصوت أجوف.
قلت:
— “هنا.”
شلت اللوح.
كان تحته صندوق معدني صغير.
استخدمت المفتاح.
فتح.
وكان جواه ظرف.
مش صندوق.
ظرف واحد.
عليه اسمي.
مريم.
فتحته.
أول ورقة كانت صورة.
أنا طفلة.
يمكن عندي أربع سنين.
واقفة جنب رجل شاب.
عرفته فورًا.
آدم.
أبويا الحقيقي.
وراء الصورة مكتوب:
“صورتها في اليوم اللي قررنا فيه نحميها.”
قلبت الصفحة.
رسالة.
بدأت أقرأ.
«”مريم، لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى الحقيقة خرجت من إيدي.”»
قلبي دق.
«”أبوك ما ماتش بالطريقة اللي قالوهالك.”»
وقفت.
نور قربت مني.
— “إيه؟”
كملت.
«”آدم اختفى. لم يمت.”»
رفعت عيني.
أمي بدأت تبكي.
— “إنتِ كنتِ عارفة.”
قالت:
— “أيوه.”
صرخت:
— “إنتِ قلتي إنه مات!”
— “كان لازم.”
— “لازم؟!”
— “كانوا بيدوروا عليه!”
— “مين؟”
ما ردتش.
قرأت باقي الرسالة.
«”لو وصلتي للحقيقة، ابحثي عن آدم قبل دانيال.”»
ثم سطر أخير:
«”لأن آدم وحده يعرف أين ذهبت الأسهم.”»
سكتُّ.
ثم سمعت صوتًا من آخر الممر.
خطوة.
وبعدها خطوة تانية.
نور مسكت دراعي.
أمي شهقت.
لفيت ببطء.
رجل ظهر من الظلام.
شعره أبيض.
وجهه أكبر سنًا.
لكن عينيه…
عرفتهم.
نفس عيون صور طفولتي.
وقف أمامي.
وقال:
— “مريم.”
ماقدرتش أتكلم.
نور همست:
— “مين ده؟”
الرجل قرب.
وقال:
— “أنا أبوكي.”
أمي انهارت على الكرسي.
أنا فضلت واقفة.
أبويا الحقيقي.
عايش.
بعد عشر سنين من الجنازة.
بعد خمستاشر سنة من الجواز.
وبعد ليلة واحدة قلبت حياتي كلها.
قلت بصوت مرتجف:
— “إنت كنت فين؟”
قال:
— “بستخبى.”
— “من مين؟”
— “من نفس الناس اللي دلوقتي بيحاولوا يسرقوا حقك.”
— “دانيال؟”
هز راسه.
— “دانيال.”
سكت.
ثم نظر للملف في إيدي.
— “لقيتي الوصية؟”
قلت:
— “لأ.”
ابتسم بحزن.
— “لأن الوصية مش هنا.”
— “أمال فين؟”
قال:
— “مع كريم.”
اتجمدت.
— “كريم؟”
— “أيوه.”
— “بس الشرطة أخدته.”
— “عارف.”
— “إزاي الوصية معاه؟”
قال:
— “لأن كريم سرقها قبل ما يوصلك.”
سكت.
ثم أضاف:
— “لكنه ما سرقهاش عشان يبيع البيت.”
بصيت له.
— “أمال ليه؟”
أبويا قال:
— “عشان يمنع دانيال من الوصول ليها.”
نور قالت:
— “طب ليه ما قالش لمريم؟”
أبويا رد:
— “لأنه كان خايف.”
ضحكت.
— “كلهم خايفين.”
أبويا بصلي.
— “وأنا كمان كنت خايف.”
— “عليا؟”
— “عليكي.”
— “طب سيبتني عشر سنين!”
صوته اتكسر.
— “لو رجعتلك، كانوا هيعرفوا مكانك.”
— “مين؟”
ما ردش.
اقترب مني.
وقال:
— “فيه شخص واحد بس كان عارف إني عايش.”
بصيت لأمي.
لكن أمي هزت راسها.
— “مش أنا.”
أبويا قال:
— “كريم.”
اتسعت عيني.
— “كريم كان عارف إنك عايش؟”
— “من قبل ما يتجوزك.”
جلست.
ماعادش عندي طاقة أقف.
كل اللي كنت فاكرة إنه جوازي…
كان جزء من قصة بدأت قبل ما أولد.
وفجأة رن موبايلي.
رقم كريم.
فتحت.
قال بصوت سريع:
— “مريم، اسمعيني كويس.”
— “أنا في بيت أبويا.”
صمت.
ثم قال:
— “يبقى دانيال عرف مكانك.”
— “إنت كنت عارف إن أبويا عايش؟”
— “أيوه.”
— “من إمتى؟”
— “من أول ما اتجوزتك.”
غمضت عيني.
— “ليه؟”
قال:
— “لأن أبوكي هو اللي طلب مني أتجوزك.”
فتحت عيني.
— “إيه؟”
— “وهو اللي طلب مني أحميكي.”
بصيت لأبويا.
هو كان واقف قدامي.
وبصلي بحزن.
ثم قال:
— “كنت فاكر إن كريم يقدر يحميكي.”
سكت.
كريم قال من الهاتف:
— “أنا فشلت.”
وبعدها جاء صوت آخر من بعيد عند الباب.
صوت سيارة.
أبويا رفع رأسه.
وجهه تغير.
وقال:
— “وصلوا.”
— “مين؟”
قال:
— “دانيال.”
ثم نظر لأمي.
— “ومعه الشخص اللي كان بيساعده.”
أمي بدأت ترتعش.
بصيت لها.
— “مين؟”
لكنها ما جاوبتش.
أبويا هو اللي قال:
— “أخوك.”
اتجمدت.
— “أنا ماعنديش أخ.”
أبويا قال:
— “عندك.”
وفي اللحظة نفسها…
اتفتح باب البيت بعنف.
ودخل رجل.
نور صرخت.
وأنا بصيت في وشه…
فشفت نسخة أصغر من أبويا.
نفس العينين.
نفس الملامح.
لكن الابتسامة كانت مختلفة تمامًا.
ابتسامة دانيال.




