عام

قصة رومانسية -العروس الخرساء

“آه بغير! بغير لما أشوفك بتدي لغيري اللي حرمتيني منه! بغير لما ألاقيكي بتضحكي لراجل تاني وأنا باخد منك الجمود والصمت!

مش عايز أشوف الراجل ده هنا تاني، ولا تتكلمي معاه بالإشارة ولا من غير إشارة.. مفهوم ولا مش مفهوم؟!”

 

ساد السكوت في الأوضة تماماً.. مريم اتجمدت مكانها وهي باصة لآدم المصعوق من اعترافه المباشر!

 

آدم نفسه اتسمر مكانه بعد ما صرخ بالكلام ده بدون وعي.. استوعب إنه اعترف بحبه وغيرته عليها بجنون من غير ما يقصد! خرج من الأوضة بسرعة و هبد الباب وراه، وساب مريم قلبها ليدق بضربات متسارعة ومشاعر متلغبطة بين الصدمة والفرحة ….

 

“يعني مش لوحدي اللي حاسة بحاجة جوايا ليك … انت كمان!! ”

 

قالتها فى نفسها و ابتسمت بفرح ….

 

****************

نزل آدم الممر الخارجي ووقف في التراس في البرد الشديد، يمسح وشه بايديه الاتنين وعقله هيتجنن.

 

قعد يواجه نفسه لأول مرة بصدق:

“أنا جرالي إيه؟ أنا بقيت بغير عليها من خيالها! بقيت بستنى ضحكتها و حروفها اللى بتكتبها فى دفترها كأني شحات.. أنا حبيت البنت دي ولا إيه؟ امتي و ازاي؟؟؟ حبيت اللي دخلت حياتي عشان تسد خانة، وبقت هي كل حاجة وكل حياتي؟”

*********

في اللحظة دي، كانت الحاجة صفية واقفة تحت في حوش السرايا الكبير ومعاها الخدم بيوضبوا المدخل.

فجأة.. اتفتح الباب الخارجي للسرايا بصوت قوي وصدمة هزت المكان كله!

دخلت واحدة لابسة هدوم شيك بس مبهدلة شوية، ووشها باين عليه التعب والتمثيل المتقن..

الحاجة صفية بصت للباب، والصينية وقعت من إيد الشغالة!

 

كانت “نورهان”.. أخت مريم الهربانة !

 

في اللحظة دي، نزل “آدم” ونزلت “مريم” تسند على حيطة الممر فوق برجلها المصابة وتتفرج بذهول!

نورهان أول ما شافت آدم نزل، سابت الحاجة صفية وجريت ارتمت تحت رجله وهي بتعيط بمنتهى الخبث:

— “آدم! .. أنا رجعت يا آدم عشان آخد مكاني من تاني و مستعدة اعمل اي حاجة عشان تسامحني!”

 

آدم اتسمر مكانه ووشه اصفر، وبص لفوق بسرعة.. لقى عينين مريم متثبتة عليه بجمود وبرود يرعب، والجدار الثلجي رجع بينهما أشد وأقسى من الأول بكتير!

 

 

 

 

تفتكرو آدم هيرد إزاي على نورهان قدام مريم؟ ومريم هتتصرف إزاي في وجود أختها؟

 

 

يتبع ….

لفصل الرابع والأخير: حين ينطق الجرح.. وتنكشف الحقيقة

 

 

السرايا، اللي كانت من دقايق بتتنفس هدوء بعد انتصار “آدم” على الرواشدة وسحب طرمبات المية، اتحولت في ثانية لميدان معركة أشد وألعن. الباب الخارجي المصفح اتفتح، ودخلت منه “نورهان” بثقة وانتماء مزيف، وهي لابسة طقم شيك وراسمة على وشها علامات الإرهاق والندم المصنوع ببراعة.

الحاجة صفية كانت واقفة جنب السلم، إيدها على قلبها، وبتبص لنورهان بذهول وقرف مكتوم. والخدم اتسمروا مكانهم، بينما آدم نزل السلم بخطوات متصلبة زي الجبل، وعينيه بتلمع بشرار متقد.

فوق في الممر، كانت “مريم” ساندة إيدها على الحيطة بصعوبة عشان رجلها المصابة، وواقفة بتراقب أختها. عيون مريم كانت كاشفة نورهان تماماً.. دي مش نظرة حد ندمان ولا خايف، دي نظرة الانتهازية اللي جاية تتفقد المساحة وتشوف هل ينفع تطلع بمكسب من السرايا دي ولا لأ!

نورهان أول ما شافت آدم نزل، قربت منه بخطوتين ودموعها نزلت بتمثيل متقن:

— “آدم! أنا عارفة إنك غضبان مني، وعارفة إن الحركة اللي عملتها ليلة الفرح بوظت الدنيا، بس والله العظيم ما كان بأيدي! أنا جالي انهيار عصبي وخوفت من الجواز و … سافرت القاهرة.. بس لما عقلت و فهمت اهمية الجوازة دي و غلطتي الكبيرة، رجعت عشان أصلح كل حاجة وأقبل بمصيري!”

 

في اللحظة دي، نزلت مريم السلم ببطء.. خطوة بخطوة، ساندة على الدرابزين الخشب، لحد ما وصلت لآخر السلم ووقفت على مسافة قريبة منهم.

نورهان التفتت، ولما شافت مريم، ابتسامة صفرا وساخرة ظهرت على شفايفها وقالت بنبرة خبيثة ومستفزة:

 

— “أهلاً يا مريم.. شكرا انك انقذتي الموقف و كنت موجودة بس خلاص انا جيت و دورك انتهى .”

 

آدم اتنفض وصوته جهز في المكان:

— “مين انتي عشان تحددي مين يفضل و مين يمشي .. مريم هنا ست البيت و هتفضل ست البيت ده !”

 

نورهان بصت لآدم بذهول، وبعدين ضحكت بصوت عالي ومليان قسوة وحقد:

— “ست البيت؟ أنت بجد بتقول على دي ست بيت يا آدم بيه؟ أنت بتصبر نفسك ولا بتضحك عليها؟ دي خرسا! عاجزة و أنت سيد الرجال وكبير البلد، هتعيش حياتك كلها مع وحدة زي الصنم؟”

 

آدم خطى خطوة نحو نورهان وعينيه بتطلع نار:

— “أنا راضي .. ومريم بـ ألف ست من اللي بيلسّنوا ويبيعوا أصلهم و يهربو! اتفضلي بره بيتي يا نورهان، وجودك هنا مرفوض!”

 

لما نورهان لقت آدم بيقف مع مريم بصلابة ومش مصدق تمثيلها، عيونها اسودت بغل، وقررت ترمي القنبلة القذرة اللي تكسر بيها مريم وتطعنها في شرفها قدام جوزها والعيلة كلها!

 

وقفت نورهان ونفخت بوقاحة وقالت بنبرة مسمومة:

— “أنت فاكرها البريئة الشريفة يا آدم؟ أنت فاكر إنها اتولدت خرسا أو عندها عيب خلقي؟ لأ يا كبير العطارين.. أهلي ضحكوا عليك ودبّسوك في واحدة معيوبة فعلا بس فى شرفها!”

 

آدم اتسمر مكانه وعينيه وسعت برعب وغضب:

“أنتِ بتقولي إيه يا زبالة انتي؟!”

 

كملت نورهان بكذب و دم بارد:

 

—”أنا هقولك السر اللي العيلة دفنته! مريم وهي صغيرة، استغلت غياب أبويا وأمي وجابت شاب البيت! أنا دخلت عليهم وشوفتهم في وضع مش تمام! ولما هددتها إني هقول لأبويا، الشاب ده حاول يخرسني.. ومريم من كتر الخوف والرعب، جالها انهيار ومابقتش تنطق من يومها! أهلي جوزوهالك عشان يداروا على عارها ويخلصوا منها!”

 

مريم كانت واقفة.. الكلام نزل عليها زي السيف!

 

عيونها اتسعت بشدة، وجسمها بدأ يترعش بدرجة ترعب. أختها.. أختها اللي جردتها من طفولتها، جاية النهاردة تتبلّى عليها في شرفها قدام الراجل اللي حبته واحتمت بيه؟!

 

مريم رفعت إيدها على رقبتها، وشفايفها بدأت تتحرك بصوت شهقات كتمة وموجوعة، وصدرها بيعلو وينخفض كأن الرئة بتتفجر!

 

حاولت تصرخ.. حاولت تطلع صوت ينفي اللى بيتقال، بس الصدمة كانت أتقل من حنجرتها!

 

بدأت مريم تصرخ صراخ مكتوم يقطع القلب، وتخبط على صدرها بانهيار عصبي كامل، ودموعها نازلة زي المطر.. وفجأة، رجليها اتلخبطت، وعينيها لفت لورا، ووقعت مغمي عليها على الأرض بين إيدين الحاجة صفية وآدم اللي جريوا عليها بصرخة!

 

آدم شال مريم بسرعة وهو بيترعش، وطلع بيها الأوضة فوق، والبيت كله اتكهرب.

نورهان كانت قاعدة تحت حاطة رجل على رجل ومبتسمة بانتصار، فاكرة إن الشك دخل قلب آدم وإن القصة انتهت لصالحها.

 

فوق في الأوضة، آدم حط مريم على السرير، وكان قاعد جنبها بيمسح وشها بالمية ودماغه بتطحن!

بص لملامح مريم البريئة.. افتكر نظرة عينها الصافية، خجلها، عزة نفسها، وقفتها الشجاعة قدام عيلة الرواشدة عشان تحمي بيته.. وافتكر في المقابل نورهان وهربها وطمعها ولسانها المسموم.

 

قلب آدم وعقله قالوا له كلمة واحدة: نورهان كدابة.. ومريم هي الضحية.

 

بعد نص ساعة، بدأت مريم تتحرك في السرير.. فتحت عيونها المدمعة، ولقت آدم قاعد جنبها، ماسك إيدها وباب الأوضة مفتوح والحاجة صفية ونورهان واقفين عند الباب بيراقبوا الموقف.

أول ما مريم شافت نورهان واقفة بتبص لها بتهديد، البركان اللي جواه انفجر!

مسكت مريم في قميص آدم بكل قوتها، وجسمها بيترعش، وفجأة.. خرج من حنجرتها صوت أبح، قوي، ومبحوح بالدموع، كسر صمت السنين وهز جدران السرايا كلها:

 

— “كدااااابة! أنتِ الكداابة والخاينة يا نورهان!”

 

آدم اتصدم صدمة عمره! فتح بقه ومش قادر ينطق، والحاجة صفية صرخت بحس مكتوم!

 

مريم نطقت! البنت الصامتة نطقت بصوت نقي ومجروح!

 

قامت مريم قعدت على السرير وهي بتصرخ بالدموع وبتبص لآدم في عينيه مباشرة:

 

— “أنا ما جبتش حد البيت يا آدم! أنا مظلومة والله العظيم مظلومة!”

 

التفتت مريم ونظرت لنورهان بنار وكبرياء هز السرايا:

— “أنتِ اللي جيبتي الشاب ده البيت زمان يا نورهان! كنتِ كبيرة و فاهمة كل حاجة ، وأبويا وأمي مكنوش موجودين، وأنا … انا كنت صغيرة مش فاهمة حاجة.. دخلت عليكم وشوفت التجاوزات والقرف بتاعكم! ولما جيت أصرخ، أنتِ والشاب ده اتفقتوا عليا!”

 

نورهان وشها اصفر وجاب ألوان وبدأت تترعش برعب:

“أنتِ.. أنتِ بتخرفي بتقولي إيه؟!”

 

كملت مريم بصوت صريح وهستيري والدموع بتغرق وشها:

— “مسكوني وقفلوا عليا الأوضة.. والشاب ده حاول يعتدي عليا بالقوة بطلب منك عشان يخرسوني ويكسروا عيني! أنا فضلت أعافر وأصرخ وأدافع عن نفسي بضوافري لحد ما اغمى عليا من الخوف ! ولما فوقت.. جيتي وقفتِ فوق راسي وهددتيني وقلتيلي لو نطقتي بكلمة واحدة هنتبلّى عليكي ونقول إنك أنتِ اللي جيبتيه هنا!”

 

مريم غطت وشها بإيدها وبكت بكسرة تقطع القلب:

— “من يومها وصوتي يا آدم.. الصدمة والخوف من أختي ومن كلام الناس قطعوا لساني! سكت عشان كنت خايفة من \اللي هيلبسوها لي.. سكت سنين طويلة وعشت ميتة في وسطهم لحد ما جيت بيتك!”

 

ساد السكوت في  زي !

 

نورهان كانت واقفة زي الفرخة المبلولة، العرق بيشر من وشها، ومش قادرة تطلع كلمة تنكر بيها اللي طالع من صرخات مريم!

 

آدم بص لنورهان.. عينيه تحولت لقطع من الجمر الأسود!

استوعب بشاعة الجريمة، استوعب إن البنت البريئة دي عاشت طفولتها وشبابها محبوسة في صمت رواني بسبب خباثة وقسوة أختها!

قام آدم من جنب مريم بخطوات أشبه بقضاء الموت!

قرب من نورهان، اللي بدأت ترجع لورا برعب وصراخ:

 

“آدم.. استنى.. دي كدابة.. دي بتألف!”

 

آدم مسك نورهان ورزعها في حيطة الممر الخارجي بقوة هزت المكان، وصوته الجهوري نزل كالصاعقة:

 

— “أنتِ مش بني آدمة! أنتِ شيطان متجسم في هيئة ست! كنتِ هتدمري أختك الصغيرة وعرضها عشان تداري قرفك، وجاية النهاردة تطعني في شرفها في بيتي؟!”

 

نورهان بدأت تعيط برعب حقيقي:

“سيبني يا آدم.. سيبني!”

 

آدم سحبها على السلم وزقها للشارع بره السرايا بكل احتقار وقرف، ورماها على التراب بره الباب المصفح قدام الخدم والحراس، وقال بصوت هز البلد:

 

—”لو رجلك عتت البيت ده تاني يا بنت الشافعي، وعهد الله هتاوي جثتك تحت الأرض! غوري يا زبالة البشر!”

 

ودب الباب المصفح في وشها بقوة زلزلت المكان، ونورهان جرت في الضلمة والبرد مكسورة ومصنوعة من الخزي والعار!

 

جوه السرايا، الحاجة صفية كانت واقفة تبكي بالدموع، وقربت من مريم المسكينة اللي كانت قاعدة على السرير بتشهق من البكاء.

ضمّت الحاجة صفية مريم لصدرها بحنان أم حقيقي:

 

“حقك عليا يا بنتي.. حقك عليا يا ضنايا! أنتي مظلومة وسيدك النبي نصرك.. البيت ده بيتك وأنتِ بنتي وست السرايا دي كلها.”

 

دخل آدم الأوضة، ووشه مليان ندم وعاطفة حارقة. الحاجة صفية سابتهم وخرجت وقفلت الباب بالراحة.

آدم قرب من مريم، ونزل على ركبه قدام السرير.. شال إيديها الاثنين من على وشها وضمهم لصدره بكل قوة ودفء.

صوته كان مبحوح ومحروق بالدموع:

“سامحيني يا مريم.. سامحيني إني خليت زبالة زي دي تدخل بيتي وتفتح جروحك القديمة. أنا أسف يا نور عيني.”

 

مريم بصت له بعيونها الخضرا المدمعة، وصوتها الدافئ النقي خرج بثبات ورقة:

—”أنا مش زعلانة منك يا آدم.. أنت الراجل الوحيد اللي حسسني بالأمان. أنا سكوتي انتهى النهاردة عشانك.. عشان ما أسمحش لحد يلوث صورتي في عينيك.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى