
الموضوع كان كفيل يستفز البلد كلها، وكان فيه نية لخناقة كبيرة بالسلاح بين شباب العيلتين.
رجّع “آدم” البيت في ليلة شتوية والمطر نازل زي السيل، وشه مسود من الغضب والغل، وحس إنه محاصر من كل ناحية؛ كبريائه مجروح في بيته وجوازته، وهيبته في البلد متهددة من الرواشدة، وحسابات العقود والماليات معقدة ومش عارف يوصل للثغرة القانونية اللي طالعين له بيها في العقود القديمة عشان يرفع عليهم قضية شيكات.
دخل الأوضة بجلابيته الصوف المبلولة ودب الشنطة الجلد على المكتب، وبدأ يرمي الأوراق والملفات يمين وشمال وهو بيشتم بصوت واطي ومحروق دمه، حاسس بالعجز لأول مرة في حياته.
“ولاد الحرام عايزين يستغلوا الظرف ويضيعوا المحصول ! فاكرين آدم العطار خلاص مابقاش له كلمة ولا هيبة في البلد!”
كان بيحاول يراجع أرقام العقود المكتوبة بخط صغير وكشوفات الأراضي، بس من كتر العصبية والضغط، عقله كان مشوش تماماً ومش عارف يجمع السطور أو يستوعب البنود الملتوية.
لما نزل آدم للصالون ، قربت “مريم” برجلها المصابة بصعوبة من المكتب وركزت في الملفات. كانت “مريم” شاطرة جداً في القراءة والتدقيق، وعندها نظرة ثاقبة في التفاصيل بسبب قراءتها الكتيرة للكتب القانونية والقديمة في مكتبة والدها. مسكت القلم الجاف، وبدأت تبص في البنود المسجلة سنة بسنة بتركيز شديد.
وفعلاً.. بعد عشر دقائق تدقيق ومقارنة بين العقد القديم والجديد، لقت الثغرة اللي هتطير رقابهم! بند قديم مجهول كان مكتوب بخط خفيف في الملحق الثاني للعقد يثبت ملكية عيلة العطار لمجرى المية وحق الانتفاع الحصري بالترعة، وبند تاني يلزم الرواشدة بدفع شرط جزائي ضخم يعادل قيمة الأراضي كلها لو أخروا التوريد يوم واحد عن الميعاد المحدد.
مسكت كشكولها الكبير، ورسمت توضيح سريعي للخريطة والبنود بأسهم واضحة وخط منظم، وحطت علامة بالأحمر العريض على السطرين اللي فيهم الثغرة، وحطت الدفتر مفتوح فوق الأوراق على المكتب، ورجعت قعدت مكانها على الكرسي ببرود بمنتهى الهدوء، كأنها ما عملتش حاجة.
بعد ساعة كاملة من الشد والجذب تحت مع رجالة العيلة، طلع “آدم” الأوضة وهو جايب أخرة ومخنوق، والتعب والهم باينين على وشه المجهد. قعد على كرسي المكتب وحط راسه بين إيديه بقلة حيلة وسكت.
أول ما رفع رأسه عشان يمسك الأوراق ويعيد المحاولة، لقى الكشكول المفتوح والرسم التوضيحي البسيط، والأسهم اللي بتشاور على البندين الملغومين في العقد بخط يدوي متقن.
قرا البنود بذهول.. عينيه اتسعت وهو بيستوعب حجم اللي بين إيديه!
البندين دول هم السلاح القاتل اللي يكسر عيلة الرواشدة بالقانون، ويخليهم ييجوا لحد عنده في السرايا يترجوه يبوسوا جزمته عشان يسامحهم! هو نفسه من كتر العصبية والضغط مأخدش باله من الملحق ده خالص.
رفع رأسه بسرعة وبص لـ “مريم” اللي كانت قاعدة جنب الشباك بتطرز حتة قماش بهدوء تام تحت ضوء الأباجورة.
— “أنتِ.. أنتِ اللي طلعتي البنود دي من الملحق؟”
رفعت عينها فيه بكل ثبات وهزت رأسها ببطء شديد، من غير أي ابتسامة ولا انتصار ولا فخر ولا نظرة “أنا أنقذتك”. مجرد نظرة هادية وصافية بتقول له:
“أنا هنا”.
وقف “آدم” من على الكرسي، مسك الكشكول وبص للخط المنظم والرسم الدقيق، وبعدين بص لها وهو مش فاهم البنت دي إيه ولا طبيعتها إيه!
البنت اللي قال لها من كام يوم “ما تسرحيش بعيد وما تفتكريش ليكي قيمة عندي”، هي نفسها اللي بتنقذ اسمه وشغله وهيبته قدام البلد كلها في أشد لحظة ضعف ورجولة متهددة!
قرب منها بخطوات بطيئة، والنبرة الحادة والقلة الأدب اللي كانت في صوته اختفت تماماً، حلي محلها ذهول وكركبة مشاعر مش عارف يفسرها ولا يسيطر عليها:
— “أنتِ قريتي العقود المعقدة دي إزاي؟ وفهمتي المخطط الشيطاني ده منين؟”
مسكت “مريم” القلم من جنبها وكتبت في الورقة بخط ثابت ومستقيم:
“اللي بيسكت كتير.. بيشوف التفاصيل الصغيرة اللي غيره بيفوتوها. الحق معاك، ومحدش يقدر يكسر هيبتك في البلد دي طول ما أنت صاحب حق.”
قرأ “آدم” الورقة، وحس كأن الكلمات دي اتضربت في قلبه زي الرصاص.
حس بصغر نفسه وضآلته قدام كبريائها و هدوؤها… البنت دي مش مجرد “سد خانة” ولا فدية، البنت دي جبل.. عزة نفس مش بتنكسر، وذكاء بيحمي من غير ما يطلب مقابل ولا كلمة شكر.
بلع ريقه بصعوبة وشعور الذنب أكل قلبه، وكان عايز يقول كلام كتير.. عايز يعتذر على قسوته وكلامه الدبش، عايز يطلب منها تسامحه وتحط إيدها في إيده، بس غروره وكبرياء “العطار” الساكن فيه من سنين حسسوه إن كرامته هتتهان لو انحنى بسرعة كده.
وقف قدامها ثواني عيونه متعلّقة بعيونها، وقال بصوت خفيض ومبحوح يخرج بالعافية من صدره:
— “تصبحي على خير يا مريم.. وأنا مش هنسى ده”
أومأت له برأسها وسابت القلم، واتجهت للكنبة الجانبية بكل هدوء، نامت وغطت نفسها باللحاف وهي مديّة له ظهرها.
أما هو، فقعد على كرسي المكتب طول الليل ما غمضتش له عين.. مش بيراجع أوراق الشغل اللي بقت مضمونة في جيبه خلاص، بل كان بيبص للكشكول بتاعها، ولخيالها النايم على الكنبة الصغيرة، والأسئلة بتاكل في عقله ونار الغيرة والندم بتاكل في قلبه:
كيف لبنت صامتة.. أن تقلب كبرياء رجل بحجمه، وتسكن جوه روحه رغماً عنه، دون أن تنطق بكلمة واحدة؟
يتبع …….
الفصل الثالث: لما الثلج يدوب.. ويبدأ جحيم الغيرة
الليل في بيت العطار مكنش بيعدي بسهولة على حد، بس الليلة دي بالذات كانت مختلفة تماماً. الشتا بره كان بيرزع في شبابيك الأوضة العالية، والريح بتصفر بين شجر الجاردينيا اللي تحت التراس، بس الجو جوه الأوضة كان أشد سخونة من أي نار.
“آدم” قعد على كرسي المكتب لحد ما نور الفجر بدأ يشق الضباب الأبيض اللي مغطي الأراضي. عينيه كانت رايحة جاية بين الكشكول المفتوح بخط مريم الناعم المتناسق، وبين شكلها وهي نايمة على الكنبة الجانبية، منكمشة في اللحاف ومغطية رجلها المربوطة بالشاش. لأول مرة يحس آدم إن دماغه مش مشغولة بالإهانة، بل مشغولة ببنت .. بنت مش بتنطق حرف، بس حضورها مالي الأوضة ومالك كيانه كله.
قام من على الكرسي بالراحة، خطواته كانت تقيلة بس حريصة ما تعملش صوت على الخشب عشان ما يقلقهاش. قرب منها ووقف فوق راسها ثواني. ملامحها وهي نايمة كانت هادية بشكل جذاب، مفيهاش التوتر الجاف اللي بيبان في عينها وهي باصة له في النهار. لاحظ إن اللحاف اتزحزح شوية من على كتفها ، فمد إيده ببطء شديد، و مسك طرف اللحاف غطاها بيه لحد رقبتها.
أول ما صوابعه لمست طرف قماش بيجامتها، مريم اترعشت في نومها وحركت راسها بسرعة. آدم سحب إيده لورا كأنه اتقبض عليه في جريمة، ووقف يتنفس بصوت واطي لحد ما رجعت في نومها العميق. هز راسه بقلة حيلة وخرج من الأوضة بالراحة، نازل يجيب حقه وحق العيلة بالقانون والبنود اللي هي طلعتها له.
على الساعة تمانية الصبح، كانت المضيفة الكبيرة بتاعت بيت العطار مليانة على آخرها. كبار عيلة “الرواشدة” جم ومعاهم تجار السوق ورجالة البلد، داخلين بوشوش ناشفة فاكرين إنهم زنقوا آدم العطار في الزاوية، وإن محاصيل القصب هتسوس في الأراضي والشركة هتغرمه الشرط الجزائي.
“هنادي الرواشدة” قعد حاطط رجل على رجل، وفي إيده عصايته الأبنوس، وقال بنبرة مليانة غرور وهو بيعدل جلابيته الصوف:
— “يا آدم بيه، كلام كتير ملهوش عازة.. طرمبات المية مقفولة بقرار منا، والعقود اللي بيننا مفيهاش بند يجبرنا نسلم التوريد في ميعاد مطر وسيل. لو عايز المية تنزل أراضيك، اتنازل عن نص نصيبك في تجارة الفاكهة السنة دي.. يا إما المحصول يتلف، والتجار يرفعوا عليك قضايا شيكات بكرة الصبح!”
في اللحظة دي، آدم ابتسم ابتسامة هادية جداً.. ابتسامة مفيهاش أي عصبية من بتاعة زمان. مد إيده في جيب جاكيته وطلع ورقة فلوسكاب متصورة من العقد القديم، ورماها على الطاولة قدام هنادي الرواشدة بكل برود وسكينة.
— “اقرأ يا هنادي.. اقرأ الملحق التاني من العقد السكني اللي أبوك الله يرحمه بصم عليه سنة ألفين وخمسة.”
هنادي حواجب المعلم اتعقدت، ومسك الورقة وهو بيستخف بالموضوع. بس أول ما عينيه جت على البندين اللي عليهم العلامة الحمرا، وشه اتغير.. حمر، وبعدين اصفر، وإيده بدأت ترتعش!
كمل آدم وهو بيقوم يقف بطوله ويثبت نظراته الفولاذية في وسط الصالة:
— “البند السابع في الملحق بيثبت حق عيلة العطار الحصري في مجرى المية والترعة الشرقية، والبند التاسع يلزم عيلتك بشرط جزائي قدره أربعة مليون جنيه لو المية اتعطلت ساعة واحدة عن أراضينا! وأنا صابح الصبح عند وكيل النيابة بطلب تعويض وتشميع لأراضيكم!”
في أقل من نص ساعة، كانت عيلة الرواشدة موقعة على العقود ومسلّمة المية، وخرجوا من السرايا مطأطئين الرأس، وهيبة و سيطرة بيت العطار رجعت أشد وأقوى من الأول في وسط البلد كلها بفضل الورقة اللي طلعتها مريم.
************
بعد الظهر، كانت مريم قاعدة في الصالون تحت ، رجلها الملفوفة بالرباط الضاغط مسنودة على شلتة قطيفة بالراحة، وماسكة كتاب بتقرأ فيه تحت عين الحاجة صفية اللي بدأت نظراتها تلين وتتغير ناحيتها بعد اللي حصل.
فجأة، دخل “طارق الشافعي” — ابن عمها الشاب الوحيد اللي كان دايماً زي أخوها وداعم ليها في عيلتها، والشخص الوحيد اللي اتعلم لغة الإشارة عشان يتواصل معاها من صغرهم بحب وأخوة صافية.
أول ما مريم شافته داخل من باب السرايا، عيونها وسعت ووشها أشرق بابتسامة دافية وصافية جداً.. ابتسامة طالعة من أعماق قلبها مكنش حد في بيت العطار كله شافها منها قبل كده!
طارق جري عليها بخطوات سريعة ونزل على ركبته قدام كرسيها وقال بلهفة وأخوة:
“مريم! ألف سلامة عليكي يا حبيبتي.. عرفت إن رجلك اتجزعت وإيدك اتجرحت فجيت جري أطمن عليكي بنفسي.”
مريم ما مسكتش كشكول ولا قلم! رفعت إيديها وبدأت تحرك صوابعها بسرعة ومهارة عالية بـ لغة الإشارة، وملامح وشها كانت بتتحرك بعفوية، وضحكت بصوت خفيض رقيق وهي بتشرح له إن الجرح بسيط وإنه مكانش له لزوم يتعب نفسه وييجي في البرد ده.
طارق ضحك ورد عليها بالإشارة برضه بمهارة اللى اتعلمها مخصوص عشانها و بقى يكلمها بيها من ساعتها عشان متحسش بالنقص ، وهو بيمسك إيدها المربوطة بالراحة ويتفقدها بحنية أخوية.
في اللحظة دي بالذات، دخل “آدم” الصالون راجع من الأراضي.
أول ما آدم بص على المشهد، رجله اتسمرت في الأرض، والدم فار في عروقه! شاف مريم بتهزر وبتضحك ووشها ينور بابتسامة مع الشخص ده، وبتتكلم معاه بإيديها بمنتهى الطلاقة والسلاسة، في حين إنها معاه هو دايماً جافة، صامتة، ومحاوطة نفسها بجدار جليدي!
الغيرة عميت عين آدم في ثانية.. حس كأن نارا شعلت في صدره، وكرامته ورجولته اتضربوا في مقتل وهو شايف مراته بتتفاعل بالضحك واللغة السريعة دي مع راجل غريب من عيلتها ومحدش في القاعدة فاهم هم بيقولوا إيه!
قرب آدم بخطوات ثقيلة كأنها الرعد، وصوته الجهوري جهز الصالة:
“يا أهلاً.. مين الضيف اللي منور السرايا ومحدش عرفنا بوجوده ده؟”
طارق قام وقف بالراحة ورحب بآدم بثبات، بس آدم مكنش باصص لطارق خالص.. كانت عينيه المليانة شرار متثبتة على وش مريم اللي الابتسامة اختفت منه فوراً أول ما سمعت صوت آدم ورجعت لجمودها القديم!
آدم قعد قدامهم وحط رجل على رجل، وكل ما طارق يكلم مريم بالإشارة ومريم ترد عليه وتتكلم معاه بالرموز، آدم يحس إن رأسه هتنفجر من الغيظ! مكنش فاهم كلمة واحدة من اللي بيدور بينهما، وكان حاسس إنه بره اللعبة، وإنه غريب في بيته ووسط مراته!
قعد آدم يكتم في غيظه بالعافية، وكل ما طارق يضحك، آدم يكز على سنانه لحد ما حسم الموقف وقال بنبرة حادة وصارمة:
“معلش يا طارق .. مريم تعبانة ومحتاجة ترتاح في أوضتها فوق، الدكتور منبه عليها ما تقعدش كتير ولا تتكلم كتير.”
طارق فهم نبرة آدم المحمومة، فنزل راسه واستأذن ومشي بعد ما طمن على مريم.
أول ما طارق خرج من الباب، آدم مسك إيد مريم بالراحة بس بضغط حاد، وشالها وطلع بيها الأوضة فوق بسرعة وخطواته بتهز السلم.
دخل الأوضة و هبد الباب برجله، وحطها على السرير بقوة وجسمه كله بيترعش من القهر والغيرة!
وقفت قدامها وعينيه حمرا زي الدم، ونطق بصوت مكتوم ومحروق:
“بتضحكي … كنتي بتضحكي معاه على إيه؟ وبتقولوا لبعض إيه بالإشارات دي وأنا قاعد زي الأطرش في الزفة مش فاهم حاجة؟!”
مريم اتصدمت من هجومه، وجابت الكشكول بسرعة وكتبت بخط مرتعش:
“ده طارق ابن عمي.. زي أخويا، وهو الوحيد اللي اتعلم إشارة عشان يفهموني في العيلة! أنت بتزعق ليه؟”
آدم مسك الورقة وقرأها ورماها في الأرض بغضب أعمى وقال وهو بيقرب منها زي الأسد الثائر:
“أخوكي مش أخوكي ده ميهمنيش! أنتِ مراتي أنا.. اسمك على اسم آدم العطار! شغل الضحك والابتسامات ده ما شوفتهوش منك مرة واحدة معايا هنا! معايا صمت ، ومعاه هو الضحكة من الودن للودن؟”
مريم بصت له بذهول واستنكار، وكتبت بغضب و سخرية :
“دي غيرة دي ان شاء الله… أنت بتغير؟ ولا خايف على منظرك قدام الناس؟”
كلمة “أنت بتغير” كانت زي الكرباج على قلب آدم وكرامته!
صرخ بقلة حيلة وهو بيلف حولين نفسه في الأوضة:




