
مستشفى “السراجي التخصصي” ، هذا الصرح الطبي العريق، الذي أسسه الجد الراحل قبل خمسة وعشرون عامًا، لم يكن مجرد مبنى من الزجاج والإسمنت، بل كان تاريخًا كاملًا لعائلة السراجي.في الطابق السادس، حيث تقع أقسام الجراحة العامة، كان الدكتور سامر السراجي يبدأ يومه كما اعتاد منذ ثلاثة أعوام يصل قبل الجميع، يراجع ملفات مرضاه بدقة متناهية، ثم يقف أمام النافذة الكبيرة المطلة على حديقة المستشفى يحتسي قهوته في صمت. هو في السادسة والثلاثين من عمره، جراحًا بارعًا يُشار إليه بالبنان، لكن يومه كان دائمًا نفس اليوم: عملية، جولة، ملفات، بيت فارغ، ونوم متأخر لا يحمل راحة حقيقية.
فقد سامر زوجته “لينا” منذ ثلاثة أعوام في ، امرأة كانت – كما يصفها من عرفها – تعشق الحياة بكل تفاصيلها، تملأ البيت ضحكًا، وتصر على أن تكون كل لحظة تستحق أن تُعاش. رحيلها المفاجئ ترك في داخله فراغًا لم يستطع أحد ملأه، فانغمس في عمله كطبيب جراح، وتحول بيته إلى مجرد مكان للنوم، وقلبه إلى حصن مغلق لا يسمح لأحد بالدخول إليه مجددًا.
في استراحة الأطباء، كان زميله الدكتور “هيثم” يحاول كعادته، وللمرة العاشرة هذا الشهر، أن يقنعه بشيء:
“يا سامر، إنت لسه شاب، وحياتك مالهاش لازمة تفضل كده. أختي عندها صاحبة دكتورة أسنان، لطيفة جدًا، تحب أعرّفكم؟”
ابتسم سامر ابتسامة متعبة وهو يقلّب في أوراقه: “يا هيثم، قولتلك قبل كده، أنا مش جاهز.”
“هتفضل مش جاهز لإمتى؟ لينا ربنا يرحمها، بس إنت لسه عندك حياة تعيشها.”
” هيثم ، من فضلك اقفل السيرة.” ثم أردف بجدية هادئة، وقد كان صوته لا يحمل غضبًا بقدر ما يحمل تعبًا . “أنا مش حاسس إني عايز حد يدخل حياتي تاني. خلاص اتعودت على الشكل ده.”
نهض هيثم وهو يربّت على كتفه: “زي ما تحب، بس متسيبش نفسك للماضي يا صاحبي.”
مرّت الكلمات على سامر كما تمر كل مرة، دون أن تترك أثرًا يُذكر. كان قد أقنع نفسه تمامًا أن هذا الفصل من حياته قد أُغلق للأبد.
لكن الكلمة كانت قد خرجت بالفعل من القمقم.
في اليوم التالي، وبينما كان فؤاد يتناول قهوته الصباحية في مكتبه، دخلت عليه سكرتيرته الخاصة بوجه مرتبك:
“دكتور فؤاد، آسفة أزعجك، بس… فيه إشاعة بتنتشر في المستشفى محتاجة حضرتك تعرفها.”
“إشاعة؟ عن إيه؟”
ترددت السكرتيرة قليلاً: “عن الدكتور سامر… وواحدة من الممرضات المتدربات. بيقولوا إن بينهم علاقة، وبعض الناس بتقول كمان إنهم ممكن يكونوا… متجوزين سرًا.”
توقف فؤاد عن الحركة تمامًا، نظراته تجمدت للحظة قبل أن تشتعل غضبًا مكتومًا: “مين اللي بيقول الكلام ده؟”
“الإشاعة منتشرة يا دكتور فؤاد، مش حد معين.”
استدعى فؤاد فورًا مدير الموارد البشرية طالبًا ملف “سمر سراج” الشخصي، ثم أمر بمراجعة سجلات الحضور والانصراف الخاصة بها وبابنه خلال الأشهر الماضية بعناية فائقة، محاولًا التأكد بنفسه قبل أن ينفجر غضبه على أي أساس.
—
وبينما كان سامر يستعد للانصراف من مكتبه، دخل عليه والده دون استئذان، وجهه يحمل غضبًا لم يعتد سامر رؤيته بهذه الحدة من قبل.
“إنت متجوز يا سامر؟”
جمد سامر مكانه، أدرك فورًا أن اللحظة التي كان يخطط لتأجيلها قد وصلت بطريقة لم يتحكم فيها: “بابا، خليني أشرحلك…”
“جاوبني بس! إنت متجوز من الممرضة سمر ولا لأ؟!” ارتفع صوت فؤاد بشكل لم يعتده أحد في المستشفى منه.
بعد صمت ثقيل، أجاب سامر بثبات رغم اضطرابه الداخلي: “أيوه يا بابا، أنا متجوز من سمر. من شهرين.”
اتسعت عينا فؤاد بصدمة حقيقية، لم يتوقع أن يكون الأمر حقيقيًا رغم كل مؤشرات الإشاعة: “أنت جننت؟! تتجوز واحدة ممرضة، متدربة، من غير خلفية، من غير عيلة، من غير حتى ما تستأذني أنا وأمك؟! إنت عارف إنت بتعمل فيا إيه قدام كل معارفي؟!”
“بابا، أنا معنديش وقت أستأذن حد، الظروف كانت…”
“مفيش ظروف تبرر إنك تكدب على عيلتك شهرين كاملين!” قاطعه فؤاد بغضب متصاعد. “أنا كنت بخطط أجوزك لبنت عادل، اتفاق كان هيغيّر مستقبل المستشفى دي كلها، وإنت كنت بتتجوز وتكدب من وراي!”
نظر سامر إلى والده بعينين ثابتتين رغم الألم: “أنا آسف إني كدبت عليك يا بابا، ده كان غلط مني، وهعترف بيه. بس أنا مش نادم إني اتجوزت سمر. بحبها، وهي كانت محتاجة حمايتي بعد وفاة أبوها، ومكنش عندي وقت أستنى موافقتك وسط كل اللي كان بيحصل.”
“حمايتك؟!” ضحك فؤاد ضحكة مريرة. “إنت مش محتاج تحمي حد بجواز يا سامر، دي بنت عرفت تصطادك صح وإنت وقعت في الفخ زي أي راجل ضعيف قدام دموع بنت!”
اشتعل غضب سامر لأول مرة أمام والده: “بلاش تتكلم عن سمر بالشكل ده يا بابا! إنت مش عارفها، ومفيش حق ليك تحكم عليها من غير ما تعرفها!”
“أنا أبوك، وليّا الحق أحكم على أي حد بيأثر على مستقبل ابني ومستقبل العيلة!” صرخ فؤاد. “من دلوقتي، أنا مش موافق على الجوازه ديه، وهعمل اللي في إيدي عشان أخلّصك من البنت ديه!”
خرج فؤاد من المكتب مغلقًا الباب بعنف خلفه، تاركًا سامر واقفًا في صدمة، يدرك أن أسوأ سيناريو كان يخشاه قد وقع بالفعل، وبطريقة أعنف وأسرع مما توقع.
## الفصل العاشر: بين حبين
سمعت نسرين صوت الصراخ من غرفة مكتب سامر وهي في طريقها لزيارته بالمشفى، فأسرعت بقلق نحو المكتب لتجد فؤاد خارجًا منه بوجه محتقن بالغضب.
“فؤاد، في إيه؟ إنت طالع كده ليه؟”
“اسأليه هو!” أشار بيده نحو المكتب دون أن يتوقف عن السير. “ابنك اللي رباه معايا سنين طويلة، قرر يتجوز من غير علمنا، وطلع كداب كمان!”
جمدت نسرين مكانها للحظة، ثم أسرعت نحو مكتب ابنها. وجدته جالسًا خلف مكتبه، رأسه بين يديه، في حالة انهيار لم تره عليه من قبل، حتى في أصعب أيام حزنه على لينا.
“سامر… إنت كويس؟ هو كلام بابا ده صح؟”
رفع رأسه ليجد عيني أمه، العيون الوحيدة التي كان يثق أنها لن تحكم عليه قبل أن تسمعه: “أنا متجوز يا أمي. من سمر. من أكثر من شهرين تقريبًا.”
جلست نسرين بثقل على الكرسي المقابل، تستوعب الصدمة بهدوء أكبر بكثير من زوجها: “ليه ما قولتليش يا سامر؟ إنتِ عارف إني كنت هفهمك.”
“خفت يا أمي. خفت من رد فعل بابا، وخفت كمان إني أحطك في موقف صعب بينه وبيني.” تنهد بألم. “بس الحقيقة إن الجواز مكانش مترتب له، كان قرار سريع بعد وفاة والدها. كانت لوحدها في الدنيا، معندهاش حد، وأنا حبيتها فعلاً يا أمي، مش مجرد شفقة.”
استمعت نسرين بصمت لكل التفاصيل: قصة سمر، وفاة والدها، رعاية سامر لها، ثم القرار المفاجئ بالزواج السري. كانت تسمع بقلب الأم، لا بغضب الزوج الذي خرج للتو من الغرفة.
“سامر، أنا مش هكدب عليك، الموضوع صدمني. مكنتش متخيلة إن ابني يقدر يخبي عليا حاجة.”
قالتها بحزن حقيقي أكثر من الغضب.
“بس أنا عارفة إن أبني راجل عاقل، ومش هتاخد قرار زي ده من غير سبب حقيقي. عايزة أقابلها.”
رفع سامر رأسه بأمل مفاجئ: “بجد يا أمي؟”
“أيوه. عايزة أشوف بعنيا مين البنت اللي خلت ابني يخاطر بكل حاجة عشانها.”
—
في اليوم التالي، وبترتيب حذر من سامر، جلست نسرين مع سمر في مقهى هادئ بعيدًا عن أعين المستشفى. كانت سمر متوترة بشدة، ترتدي أبسط ملابسها احترامًا للموقف، ويداها ترتجفان وهي تمسك بكوب الشاي أمامها.
راقبتها نسرين بصمت لدقائق، بعين خبيرة تحاول قراءة الفتاة التي أمامها بعيدًا عن أي انطباعات مسبقة.
“سمر… صح؟”
“أيوه نسرين هانم.” أجابت بصوت مرتجف ثم أضافت.
“أنا آسفة جدًا على الطريقة اللي اتعرفتوا بيها على الموضوع. مكنش المفروض يحصل كده.”
“وإزاي كان المفروض يحصل؟” سألتها نسرين بهدوء لا يحمل عدائية، لكنه لا يخلو من الجدية.
فكرت سمر قليلاً قبل أن تجيب بصدق: “الصراحة؟ مكنش المفروض يحصل أصلاً بالسرعة دي. كنا لازم ننتظر، نجهز نفسينا صح، ونيجي لكم بطريقة محترمة. بس بابا اتوفى، وأنا لقيت نفسي لوحدي في الدنيا كلها، وسامر… سامر كان أكتر من حد وقف جنبي، كان سندي الوحيد في أصعب لحظة عدت بيها.”
“وليه اتجوزتيه بالذات؟ مش كفاية إنه يكون صاحبك أو سندك، ليه الجواز بالذات؟”
نظرت سمر إليها مباشرة، عيناها تحملان صدقًا لا يمكن تصنعه: “لأني بحبه يا حاجة نسرين. مش عشان اسمه، ولا عشان فلوسه، أنا أصلاً معنديش دعوة بالحاجات دي. بحبه لأنه إنسان طيب، بيحترمني، وبيشوفني كإنسانة قبل ما يشوفني كممرضة أو كبنت من طبقة تانية. وهو كان اللي طلب الجواز، مش أنا.”
صمتت نسرين لحظات طويلة، تراقب صدق الفتاة أمامها، صدق لا يمكن إنكاره مهما حاولت أن تكون موضوعية. لكنها أيضًا كانت تعرف زوجها جيدًا، وتعرف حجم المعركة القادمة.
“سمر، أنا مش هكدب عليكِ، إنتِ بنت طيبة وواضح إنك بتحبي ابني بصدق. بس المشكلة مش فيكِ بس، المشكلة في مجتمع كامل بيحكم بالمظاهر، وفي زوجي اللي عمره ما هيقبل بسهولة إن ابنه الوحيد يتجوز من غير ‘بنت من مكانة اجتماعية مناسبة’ في نظره.”
تنهدت بثقل واستكملت كلامها.
“أنا هقف جنبكم قد ما أقدر، بس مش هقدر أوعدك إن الطريق هيكون سهل.”
دمعت عينا سمر: “أنا مش خايفة من الطريق الصعب يا حاجة نسرين، أنا خايفة بس إني أكون سبب في تفريق سامر عن عيلته.”
أمسكت نسرين يدها بحنان مفاجئ: “لو حبك ليه حقيقي زي ما شايفة، إنتِ مش هتفرقيه عن عيلته، إنتِ هتضيفيله حاجة كان ناقصها من زمان. سيبيلي أنا موضوع فؤاد، هحاول أهدّي الأمور شوية شوية.”
عادت نسرين إلى البيت في تلك الليلة لتجد فؤاد جالسًا في عرفة مكتبه، غارقًا في أوراق ومستندات، وجهه لا يزال يحمل آثار الغضب.
“قابلتها.” قالت وهي تدخل، دون مقدمات.
رفع فؤاد عينيه بحدة: “وبعدين؟ عايزاني أهنيك على القرار الغبي ده؟”
“البنت طيبة يا فؤاد، وبتحب ابنك بصدق. مش كل حاجة بتتقاس بالمكانة الاجتماعية.”
نهض فؤاد بغضب: “نسرين، إنتِ عارفة إحنا مين؟ إحنا عيلة السراجي! اسمنا له وضع قدام الدكاترة، قدام رجال الأعمال، قدام كل حد في البلد ! سامر مش بس ابننا، هو مستقبل المستشفى دي والعيلة! ازاي أسيبه يربط مستقبله ببنت مالهاش خلفية ولا مكانة؟!”
“وإيه يعني ‘خلفية’ يا فؤاد؟” ردت نسرين بحدة نادرة منها. “إحنا كمان كنا يوم من الأيام ناس بسيطة ! نسيت إزاي بدأنا؟”
توقف فؤاد للحظة، كلمات زوجته أصابت وترًا حساسًا لم يتوقعه، لكنه سرعان ما استعاد صلابته: “الزمن اختلف يا نسرين. إحنا دلوقتي في مكانة تانية، ومسؤوليتنا تجاه اسم العيلة أكبر.”
“مسؤوليتنا الحقيقية تجاه سعادة ابننا، مش تجاه اسم مكتوب على لافتة.” قالتها نسرين بحزم، ثم أضافت بصوت أهدأ: “أنا مش بطلب منك توافق دلوقتي يا فؤاد. بس بطلب منك تدّيها فرصة. اتعرف عليها، شوفها بنفسك، بعدين احكم.”
صمت فؤاد طويلاً، الصراع واضح على ملامحه بين عناده المعتاد وبين ثقته في حكم زوجته التي لطالما احترم رأيها: “مش واعد بحاجة يا نسرين. بس… هفكر في الموضوع.”
كانت تلك أول شقوق صغيرة في جدار الرفض الصلب، شقوق بدأتها نسرين بحكمتها، ستحتاج الكثير من الوقت والأحداث لتتسع أكثر.
لمتابعة بقية القصة تابع صفحة سحر الفيروز وستجد حكايات ممتعة.
الفصل الحادي عشر




