
مرّت أيام على مقابلة السيدة نسرين لها، أيام لم يتغير فيهما موقف فؤاد كثيرًا، بل ازداد تعنتًا في بعض الأحيان. كان يتعامل مع الموضوع وكأنه أزمة إدارية يمكن حلها بالقرارات الحاسمة، لا قصة حب حقيقية بين ابنه وامرأة يحبها.
في أحد الأيام، استدعى فؤاد … سامر إلى مكتبه بنبرة رسمية باردة لم يعتدها منه في التعاملات الشخصية.
“أقعد خلينا نتكلم.”
أشار إلى الكرسي المقابل دون أن يرفع عينيه عن الأوراق أمامه.
جلس سامر بصمت، يعرف أن المواجهة قادمة لا محالة.
” أنا فكرت في الموضوع كويس وقرارّي إني هساعدك تخرج من الغلطة دي بأقل خسائر ممكنة.”
صاح سامر قائلاً:
“مفيش غلطة يا بابا. سمر مراتي، وده قرار نهائي، مش موضوع للنقاش.”
“اسمعني الأول قبل ما ترفض.” قالها فوائد وهو يرفع يده بحزم.
ثم أضاف :
ـ “أنا مستعد أرتب طلاق هادي، وأدفع لها أي تعويض معقول تطلبه، وناخد بالنا إن الموضوع كله يتنسى بسرعة. محدش هيعرف حاجة، وحياتك هترجع زي ما كانت.”
اشتعل غضب سامر: “إنت بتكلمني عن مراتي وكأنها صفقة تجارية يا بابا! سمر مش موظفة هتاخد مكافأة نهاية خدمة!”
“أنا بحاول أحميك من غلطة هتندم عليها!” رفع فؤاد صوته بدوره. “إنت جراح بمستقبل كبير، واسم عيلتنا محتاج يفضل نضيف وسط الدوائر اللي إحنا فيها! دي بنت من بيئة تانية خالص، مفيش قواسم مشتركة بينكم غير…”
“غير الحب يا بابا؟” قاطعه سامر بحدة. “غير إنها بتحبني وأنا بحبها؟ إنت فاكر إن الحياة كلها مصالح وحسابات ؟”
توقف فؤاد للحظة، كلمات ابنه أصابته بشكل غير متوقع، لكنه سرعان ما استعاد صلابته: “الحب مش كفاية يا سامر. الحياة عبارة عن مسؤوليات، وواجبات، ومكانة لازم تتحافظ عليها.”
نهض سامر واقفًا، صوته يحمل حزمًا لم يظهره لوالده من قبل: “أنا آسف يا بابا، بس أنا مش هسيب سمر مهما كان. لو فضلت مصر على موقفك ده، هبقى مضطر أختار، وأنا مش هختارك إنت ضدها.”
خرج سامر من المكتب تاركًا فؤاد في صمت ثقيل، صدمة حقيقية من صلابة ابنه التي لم يعهدها من قبل، وإن كانت مصحوبة بغضب لم يخفت بعد.
….
عاد سامر إلى الشقة في المساء مرهقًا نفسيًا من المواجهة. فتحت له سمر الباب، ولاحظت التعب على وجهه فورًا:
” شكلك تعبان أوي.” سألته بقلق.
“بابا عرض عليا يطلقك مقابل تعويض.” قالها بمرارة واضحة وهو يخلع سترته.
توقفت سمر عن الحركة للحظة من صدمة ما سمعت، ثم بدأت تستوعب ما قاله واقتربت منه بهدوء ووضعت يدها على صدره:
“وأنت قلتله إيه؟”
“قلتله إني مش هسيبك مهما كان.” أحاط خصرها بذراعه وضمّها إليه بلطف، يستنشق عبق شعرها وكأنه يبحث عن طمأنينة لا يجدها إلا في قربها.
“معلش يا سمر، أنا آسف إنك بتتعرضي لكل ده بسببي.”
رفعت وجهها إليه وقد تلاقت نظراتهما:
“متعتذرش، أنا اخترت الطريق ده وأنا عارفة إنه صعب.”
ثم همست وهي تلعب بأصابعها في ياقة قميصه. “بس… يخوفني إني أكون سبب في خلافك مع بابا.”
“إنتِ مراتي، وحبي ليكي مش هيتغير عشان بابا زعلان.”
اقترب أكثر، جبينه يلامس جبينها.
“خليني بس أفكرك بحاجة واحدة، إنك مهما حصل، مش لوحدك. إحنا في المركب دي مع بعض.”
قبّلها قبلة هادئة طويلة، قبلة حملت كل ما عجزت الكلمات عن قوله من طمأنة وحب، شعرت سمر خلالها بكل توترها يذوب شيئًا فشيئًا.
ثم همس وهو لا يزال قريبًا منها وأنفاسهما تختلط.
” إنتِ أحسن حاجة حصلتلي يا سمر.”
احمرّ وجه سمر، وابتسمت ابتسامة صادقة، ثم سحبته من يده بخفة نحو الصالة: “تعالى بس اقعد عشان نتعشا، طبختلك أكلك المفضل، ومش هخليك تفكر في حاجة تانية الليلة غير إننا مع بعض.”
….
بعد العشاء، جلسا على الأريكة، الأضواء خافتة، وموسيقى هادئة تنبعث من الهاتف الموضوع على الطاولة. استندت سمر برأسها على صدره، فيما أحاطها بذراعيه، يداعب خصلات شعرها بهدوء.
“فاكر أول مرة شفتيني؟” سألته بابتسامة خفيفة، صوتها يحمل دفئًا.
“أكيد فاكر.” اقترب فمه من أذنها همسًا. “كنتِ بتحاولي تثبتي المحلول لمريض وأيدك بتترعش.”
رفعت رأسها لتنظر إليه، فالتقت شفتاهما مرة أخرى، قبلة أعمق هذه المرة ، تحمل كل شوق أسبوعين من التوتر والخوف. سحبها إلى صدره ، يده تستقر على ظهرها بحنان يخلط بين الحماية والرغبة.
“خايفة يا سامر من الجاي.”
همست بعد أن ابتعدت قليلاً، جبينها لا يزال ملاصقًا لجبينه. “حاسة إن العاصفة لسه في الأول.”
“مهما جه، أنا معاكي.” رفع يدها إلى شفتيه وقبّل أصابعها واحدة تلو الأخرى، ثم راحة يدها. “الحب اللي بينا أقوى من أي عاصفة.”
ثم حملها بلطف بين ذراعيه وهو يقف، فضحكت بمفاجأة وهي تلف ذراعيها حول رقبته.
شدد من ضمها إلى صدره وهو يحملها، تاركين خلفهما كل ضغوط اليوم عند عتبة الباب، وحدهما في عالمهما الصغير الذي لا يملك فيه أحد سلطة عليهما، ولو لساعات قليلة.
الفصل الثاني عشر
لم يكتفِ فؤاد بمحاولته الأولى، بل بدأ يبحث عن طرق أخرى غير مباشرة للضغط على الوضع، مقتنعًا في داخله أن هذا الزواج مجرد “أزمة عابرة” يمكن حلها بالحكمة والصبر، لا بالمواجهة المباشرة التي أثبتت فشلها مع سامر.
في صباح يوم جديد، استدعى فؤاد مدير الموارد البشرية للمستشفى إلى مكتبه.
“عايزك تراجعلي تقييم المتدربة سمر سراج بدقة.” قالها بنبرة رسمية باردة. “وعايزك كمان تشوفلي لو فيه قسم تاني محتاج متدربين، يمكن تفيد أكتر لو اتنقلت وأهم حاجة يكون بعيد عن قسم دكتور سامر.”
فهم المدير المقصود فورًا، لكنه تردد: “دكتور فؤاد، تقييمها ممتاز، ومفيش سبب مهني للنقل…”
“أنا مش بطلب سبب مهني، أنا بطلب حل إداري.” قاطعه فؤاد بحزم. ”
خرج المدير من المكتب بقلق، يدرك أن الأمر أبعد من مجرد قرار إداري روتيني.
—
في اليوم التالي، فوجئت سمر باستدعائها لمكتب الإدارة، لتُبلَّغ بقرار نقلها من قسم الذي أحبته وتعلقت به، إلى قسم بعيد ومختلف تمامًا، بحجة “إعادة توزيع الكوادر”.
خرجت من الاجتماع مصدومة، والتقت بخديجة في الممر فورًا:
“يا أستاذة خديجة، هما بينقلوني لقسم التغذية العلاجية؟! أنا اتدربت على الطوارئ من يوم ما جيت، ده مش تخصصي خالص!”
نظرت خديجة إليها بحزن ممزوج بغضب مكتوم: “أنا حاسة إن فيه إيد وراء القرار ده يا بنتي ، ربنا معاكي.”
في المساء، أخبرت سمر سامر بما حدث، فاشتعل غضبه فورًا:
“ده بابا بيعمل كده! مفيش سبب إداري منطقي لنقلك بعد كل التقييمات الممتازة اللي عندك!”
“سامر، أرجوك متعملش مشكلة زيادة.” حاولت تهدئته، لمست ذراعه بلطف. “أنا هتأقلم، مش أول مرة أواجه صعوبة.”
“المشكلة مش في تأقلمك يا سمر، المشكلة إن بابا بيحاول يضغط عليكِ بطريقة غير مباشرة عشان يكسر إرادتك، وده مش هيحصل وأنا موجود.” قالها بحزم وهو يمسك هاتفه ليتصل بوالده مباشرة.
في مكتب فؤاد، جاءت المكالمة حادة ومباشرة:
“بابا، عارف إن النقل ده بتاعك.”
“مفيش دليل على كلامك ده.” رد فؤاد ببرود.
“بابا، أرجوك بلاش نلعب اللعبة دي. لو عندك مشكلة معايا، خدها معايا مباشرة، بلاش تدفع التمن سمر في شغلها ومستقبلها المهني. هي مالهاش ذنب في خلافاتنا.”
صمت فؤاد للحظة، ثم قال بنبرة أقل حدة قليلًا: “أنا بس بحاول ألاقي حل وسط يريح الجميع.”
“الحل الوسط الوحيد اللي هيريحني يا بابا، إنك تقبل جوازي، مش إنك تضايق مراتي في شغلها.” أنهى المكالمة دون انتظار رد.
—
في اليوم التالي، وبتدخل غير متوقع من نسرين التي علمت بالأمر وواجهت زوجها مباشرة في المنزل، تراجع قرار النقل بشكل مفاجئ، وعادت سمر إلى قسمها الأصلي دون تفسير رسمي واضح.
شكرت سمر خديجة على وقوفها معها، فردت الأخيرة بابتسامة: “أنا بس ساعدت شوية، اللي هدّى الموضوع فعلاً هي مدام نسرين، ربنا يخليها ليكم.”
—
في تلك الليلة، وبعد يوم متعب من التوتر، عاد سامر للشقة ليجد سمر قد أعدت له حمامًا دافئًا ومكانًا هادئًا للجلوس، محاولة أن تمنحه لحظة راحة وسط كل هذا .
“إنتِ تعبانة زيي بالظبط، ومع ذلك بتفكري في راحتي.” قال وهو يجلس بجانبها، يمسك يدها ويقبّلها برفق.
“لأنك سندي يا سامر، وأنا مش هقصر في إني أكون سندك برضه.” وضعت رأسها على كتفه بحنان. “مهما بابا حاول يفرقنا، إحنا هنفضل أقوى.”
احتضنها بحنان صامت، يستمد منها القوة اللازمة لمواجهة معركة لم يتوقع يومًا أنه سيخوضها ضد أقرب الناس إليه.
الفصل الثالث عشر
بعد فشل محاولة النقل، دخل فؤاد في حالة من الصمت الثقيل تجاه الموضوع، صمت أقلق سامر أكثر من أي مواجهة صريحة، لأنه كان يعرف والده جيدًا ، فؤاد الصامت أخطر بكثير من فؤاد الغاضب.
مرّت أسابيع هادئة نسبيًا، حاول خلالها سامر وسمر أن يعيشا حياتهما الزوجية بأقرب ما يكون للطبيعية، رغم أن السرية رغم الشكوك لا تزال قائمة أمام الجميع باستثناء نسرين وخديجة وهيثم.
—




