عام

حكاية عندما يحب القلب

في أحد الأيام، أُصيب فؤاد بوعكة صحية مفاجئة أثناء اجتماع عمل ، ألم حاد في الصدر أجبره على التوقف والجلوس، مما أثار ذعر الحاضرين. نُقل فورًا إلى قسم الطوارئ في مستشفاه، وكانت المفارقة أن الطبيب المناوب في تلك اللحظة، قبل وصول سامر، كان لا يزال يستكمل الفحوصات الأولية بمساعدة… سمر نفسها.

دخلت الغرفة لتجد فؤاد ممددًا، وجهه شاحب من الألم، وتفاجأ هو أيضًا برؤيتها:

“إنتِ…” حاول الكلام بصعوبة.

“متتكلمش يا دكتور فؤاد، خلي بالك بس على نفسك.” قالتها بمهنية هادئة، متجاهلة كل التوتر الشخصي بينهما، وبدأت تتحقق من ضغطه ونبضه بحرفية تامة، تعطي التعليمات للممرضات الأخريات بثقة اكتسبتها من أشهر خبرة في المستشفى.

وصل سامر مسرعًا بعد دقائق، قلبه يكاد يتوقف من الخوف على والده رغم كل  بينهما. وجد سمر تتابع حالة والده بمهنية واهتمام حقيقيين، لا تفرقة أو استغلال للموقف.

” نتيجة فحوصاته؟” سأل بقلق وهو يفحص التقرير الأولي.

“أعراض تشبه الذبحة الصدرية، بس المؤشرات مش خطيرة أوي، محتاج يعمل قسطرة تشخيصية للتأكد.” أجابت سمر بمهنية، ثم أضافت بصوت أخفض: “أنا حاولت أطمنه قد ما أقدر رغم كل حاجة.”

نظر إليها سامر بامتنان صامت، مقدرًا موقفها الذي تجاوز فيه كل الجراح الشخصية من أجل واجبها الإنساني والمهني.

—

خلال ساعات علاجه، وبينما كانت سمر تتابع محاليله وتضبط أجهزته دون أن يطلب منها أحد ذلك تحديدًا، لاحظ فؤاد، رغم ألمه، مدى حرصها واهتمامها الحقيقي، غير المتصنع.في لحظة هدوء، وبينما كانا وحدهما في الغرفة لدقائق قليلة، حاول فؤاد الكلام رغم إرهاقه:

“ليه بتهتمي بيا كده؟ إنتِ عارفة إني ضد جوازك من ابني.”

نظرت إليه سمر بصدق: “لأني ممرضة يا دكتور فؤاد، وواجبي إني أعتني بأي مريض قدامي، بغض النظر عن أي خلاف شخصي. وكمان…” ترددت قليلاً، “إنت والد سامر، وسامر بيحبك جدًا رغم كل اللي حصل. أنا مش هينفعني أبدًا إنك تتألم وأنا واقفة أتفرج.”

صمت فؤاد طويلاً، ينظر إليها بتمعن جديد، وكأنه يراها لأول مرة بعيدًا عن كل الأحكام المسبقة التي بناها في رأسه.

—

بعد استقرار حالته وخروجه من المستشفى بعد يومين، جلس فؤاد مع نسرين في غرفتهما، صامتًا لفترة طويلة قبل أن يتحدث:

“البنت دي اعتنت بيا كويس أوي وأنا في المستشفى.”

رفعت نسرين عينيها بمفاجأة سارة: “بجد؟”

“أيوه. حتى وهي عارفة إني ضدها، مقصرتش في حاجة.” تنهد بثقل غير معتاد منه. “معرفش، حسيت في عنيها صدق مش متوقعه.”

لم تعلق نسرين، خشية أن تفسد هذه اللحظة النادرة من التفكير الهادئ عند زوجها، لكنها ابتسمت في سرها، مدركة أن أول بذرة حقيقية للتغيير قد بدأت تُزرع، ولو ببطء شديد.

لكن فؤاد، وبعناده المعتاد، سرعان ما استدرك: “بس ده مايغيرش من الموضوع حاجة. لسه مقتنع إن القرار ده كان متسرع وغلط.”

تنهدت نسرين بصمت، تعرف أن التغيير الحقيقي في قلب رجل مثل فؤاد يحتاج وقتًا أطول بكثير من مجرد موقف واحد، مهما كان مؤثرًا.

—

عاد سامر إلى الشقة في المساء منهكًا، الأيام الأخيرة أثقلت عليه أكثر من طاقته ، خوفه على والده، وتوتر العلاقة معه، وذنب لم يستطع التخلص منه تجاه سمر.

فتحت له الباب فوجدها قد أطفأت الإضاءة الرئيسية واكتفت بشموع صغيرة موزعة برفق في الصالة، كانت تعرف أنه يحبه هذا في ليالي التعب.

“مكنتش لازم تتعبي نفسك.” قالها بصوت متعب وهو يخلع سترته.

اقتربت منه دون كلام، واستكملت نزع سترته عنه بلطف، ثم أخذت يده وقادته نحو الأريكة: “اقعد بس، وسيبني أنا أعتني بيك شوية، زي ما إنت بتعتني بيا كل يوم.”

جلس، فجلست خلفه على حافة الأريكة، يداها تدلكان كتفيه المتشنجين برفق. أغمض عينيه، مستسلماً للمسها، وللمرة الأولى منذ أيام شعر بجسده يرتخي قليلًا من كل هذا الثقل.

“يومك كان صعب.” همست وشفتاها قريبتان من أذنه، فقشعرّ جسده. ” كان صعب لكن دلوقتي تعبي كله بدء يروح.”

واستدار نحوها ببطء، أمسك يديها وأوقفهما عن الحركة، وقرّبها منه حتى جلست في حضنه، وجهها قريب من وجهه: “إنتِ اللي بتخليني أقدر أكمل يا سمر. كل يوم صعب بيعدي، بيعدي عشان إنتِ موجودة.”

وضع يده خلف رقبتها برقة، أصابعه تتشابك في خصلات شعرها، وقرّب جبينه من جبينها، أنفاسهما تختلط في صمت مليء بكل ما لم يُقل. لامست شفتاه شفتيها بقبلة بطيئة، هادئة في بدايتها، ثم تعمّقت رويدًا وهي تحيط عنقه بذراعيها، تشعر بدقات قلبه المتسارعة تحت راحة يدها.

همست بصوت مبحوح بعد أن أبتعدت قليلًا عنه

: “أنا هفضل ماسكة إيدك ، دلوقتي وبعد النهاردة وكل يوم جاي، مهما حصل.” قبّلت جبينه، ثم خده، بلطف يشبه الوعد أكثر من كونه لمسة عابرة.

سحبها أقرب منه، يداه تحيطان بها بإحكام كأنه يخشى أن يفلتها الزمن، ووجهه يستقر في تجويف رقبتها، يستنشق دفء وجودها. بقيا هكذا دقائق طويلة، لا كلام بينهما، فقط أنفاس هادئة متزامنة، ودفء جسدين يبحثان عن الأمان في بعضهما وسط عاصفة لا تزال بعيدة عن الانتهاء.

ثم حملها بهدوء من على الأريكة، وسار بها نحو الغرفة بخطى بطيئة، تاركين الشموع تحترق خلفهما في الصالة الفارغة، وقد أرادوا أن ينسيا العالم كله، ولو لساعات، ويعيشا كزوجين يحب كل منهما الآخر بصدق لا تشوبه شائبة.

ارتجفت سمر بلطف من دفء أنفاسه على رقبتها، ثم شعرت بيده تسحب برفق شريط الفستان عن كتفها.

“سامر…” همست باسمه بصوت خافت مرتجف، رفع وجهه ليطالع عينيها للحظة، يقرأ فيهما ثقة كاملة وحبًا لا تشوبه شائبة، قبل أن يعود ليضمها بإحكام ، تاركين خلفهما بقايا أمسية قاسية.

لمتابعة بقية القصة تابع صفحة سحر الفيروز وستجد حكايات ممتعة.

## الفصل السادس عشر

في صباح يوم عادي كأي يوم آخر، استيقظ سامر مبكرًا استعدادًا لعملية جراحية دقيقة كان قد جدولها منذ أسابيع. قبّل جبين سمر النائمة برفق قبل أن يغادر.

في طريقه إلى المستشفى، وبينما كان يقود سيارته في شارع مزدحم تحت مطر خفيف بدأ يهطل فجأة، فقدت شاحنة نقل كبيرة السيطرة على مقودها في الطريق المقابل، وانحرفت بشكل مفاجئ لتصطدم بسيارته بقوة هائلة.

كان صوت الاصطدام مروعًا، تحطمت السيارة بالكامل تقريبًا، وتجمع المارة بذعر حول المشهد المروع، بينما استُدعيت سيارة إسعاف على الفور.

وصل الخبر إلى المستشفى كصاعقة: “الدكتور سامر السراجي في حادثة، هيوصل بعد شوية بحالة حرجة.”

وصلت سيارة الإسعاف، ونُقل سامر فاقد الوعي، جبينه ينزف، وذراعه اليسرى في وضع غير طبيعي واضح الكسر، وعلامات كدمات وإصابات متعددة تغطي جسده.

وصلا فؤاد و نسرين إلى المستشفى في حالة من الذعر لم يعرفاها من قبل. وجدا سمر واقفة أمام غرفة العمليات، وجهها شاحب.

اقتربت نسرين منها فورًا، احتضنتها بقوة دون أي تردد: “هو كويس؟ قوليلي هو كويس؟”

“لسه جواه .” كانت سمر بالكاد تستطيع الكلام من شدة البكاء والخوف.

وقف فؤاد على مسافة قليلة، وجهه شاحب كالورقة، يداه ترتجفان بشكل لم تعتده العائلة منه، رجل عرف بصلابته طوال حياته، ينهار الآن من الداخل خوفًا على ابنه الوحيد.

—

مرّت ساعات العملية كالدهر، الجميع صامت في الانتظار.

أخيرًا، خرج الجراح المسؤول عن العملية، وجهه يحمل تعبًا شديدًا لكن بريقًا من الأمل: “الحمد لله، العملية نجحت. فيه كسر في الذراع هيحتاج وقت للشفاء، وارتجاج بسيط في المخ محتاج متابعة، بس بشكل عام، حالته مستقرة والخطر عدى.”

انهارت سمر باكية من الارتياح،  نسرين بقوة وهي أيضًا تبكي: “الحمد لله يا بنتي، الحمد لله.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى