منوعات

أبنى

* “سعاد! عمل إيه أحمد؟ الدكتور قال إيه؟ والله العظيم أنا كنت…”

ما خليتوش يكمل كلامه… رفعت إيدي وضربته بلمسة بكل قوتي على وشه، ضربة رنت في الصالة كلها وقوّمت الأمن اللي كان واقف.

 

* “أنت مالكش عين تيجي هنا؟” صرخت فيه وأنا بجيب آخري: “الدكتور قال الأنسجة اتدمرت! ورجل الولد ممكن تتدمر طول عمره بسبب الملقاط والقرف اللي كنت بتعمله فيه! أنت مجرم يا مصطفى… مجرم وخاين!”

 

أمي دخلت بيني وبينه وهي بتعيط وتلطم على خدودها:

 

* “حرام عليكِ يا سعاد! ده أخوكي الصغير وحبيبك! هو كان قصده يستغفلكم ولا كان خايف؟ الولد غلطان بس جلّ من لا يسهو، أستري على أخوكي عشان خاطر أبوه المتوفي، ما توديش أخوكي في داهية!”

 

بصيت لأمي باستنكار وشعور بالخيانة لا يقل عن خيانة مصطفى:

 

* “تستر عليه؟ يتدمر مستقبلي وابني يضيع وأستر عليه عشان خايف على زعل الناس؟”

 

وفي وسط الزعيق والصريخ ده، قرب مننا دكتور العناية ومعه رجلين ببدل رسمية، وبصلي وقالي:

 

* ” مدام سعاد؟ إحنا بلغنا إدارة المستشفى، ونظراً لأن الحالة بتشمل إصابة بطفيل غريب ووافد وتأذى بأساليب جراحية غير مصرحة في البيت أدت لتسمم نسيجي… فيه لجنة من وزارة الصحة وضابط من الشؤون الجنائية موجودين تحت ولازم يحرروا محضر ويسمعوا الأقوال لمعرفة مصدر الطفيل ومين اللي قام بالتدخل الطبي البدائي ده.”

 

مصطفى أول ما سمع كلمة “الشؤون الجنائية” و”محضر”، ركبه خبطت في بعضها وبص لأمي برعب، وحاول يتراجع لورا ناحية السلالم عشان يهرب.

 

لكن قبل ما يخطو خطوة واحدة، اتفتح باب الأسانسير… وخرج منه “حمادة” جوزي، اللي كان حاجز على أول طيارة وجاي من المطار مباشرة لسه بشنطة سفره في إيده، وعينيه أحمر من الدم والغل!

 

بص حمادة لمصطفى واقف عند السلم، وبصلي وأنا واقفة بدموعي قدام أطباء الشؤون الجنائية… وتجمّدت الحركة في الممر كله، وكأن الزمن وقف مستني الانفجار اللي جاي…

 

الزمن اتجمّد في ممر المستشفى الكئيب. نبرة أجهزة القياس الطبي المنتظمة جوة العناية كانت الصوت الوحيد اللي بيخترق الصمت الرهيب، قصاد النظرات المرعبة اللي كانت بتطلع من عينين “حمادة” جوزي.

 

كان واقف عند باب الأسانسير، هدوم السفر عليه ودقنه خفيفة من تعب الطريق، وعينيه مثبتة على مصطفى أخويا اللي كان واقف زي الشبح على أول درجة من درجات سلم الطوارئ، وجسمه كله بيترعش.

حمادة ساب شنطة السفر تقع من إيده على الأرض بصوت دبدبة مكتومة. مشي خطوات بطيئة وثقيلة ناحية مصطفى… كل خطوة كانت كأنها عاصفة بتتقرب. مصطفى رفع إيديه الاثنين بفزع وجرّي لورا خطوة:

 

* “حمادة… استهدى بالله يا أبو أحمد… والله العظيم الموضوع فهموهولك غلط… أنا…”

 

ما لحقش يكمل كلمته. حمادة هجم عليه زي الوحش الجريح، مسكه من ياقة قميصه وهزه بكل قوته وهو بيدبه في حيطة الممر:

 

* “فهموهولي غلط؟ ابن ست سنين رجله بتأكله وتتعفن بعاهة مستديمة وأنت خايف على نفسك يا واطي؟ يلعن أبوه الخوف اللي يخليك تدبح طفل وتكتم أنفاسه عشان تداري على خيبتك!”

 

أمي صرخت ولطمت على وشها وجريت تحجز بينهم وهي بتترجى حمادة:

 

* “عشان خاطري يا حمادة! بلاش يا بني في المستشفى… سيبه وأنا هضربه بنفسي، بس ما تضيعش نفسك وتضيع البيت!”

 

حمادة زق مصطفى في الأرض بقوة خلت جسمه يصطدم بالبلاط، وبص لأمي بنظرة كسرت كل بقايا الاحترام:

 

* “يا حجة… أنتِ ابنك ده مش راجل! أنتِ ابنك ده مجرم! واللي يداري على مجرم يبقى شريك معاه في الجريمة! أحمد ابني وحيدي… لو رجله جرالها حاجة، قسمًا بالله ما هيرحمه حد من إيدي!”

 

في اللحظة دي، حراس الأمن ورجال الشرطة اللي كانوا جايين مع لجنة وزارة الصحة اتدخلوا ومسكوا حمادة بالعافية، وحجزوا بينه وبين مصطفى اللي كان قاعد على الأرض بينزف من شفته وبيعيط بهستيريا.

 

ظابط المباحث قرب مننا بنظرة حازمة وبص لمصطفى وهو بيمسكه من إيده ويقوّمه:

 

* “أنت بقى مصطفى؟ أنت اللي قمت بالتطهير والتدخل الطبي الجراحي غير المصرح به للطفل؟”

 

مصطفى بص للظابط برعب وهز رأسه بالنفي وهو بيتعلثم:

 

* “لا يا باشا… أنا بس… أنا كنت بساعده…”

 

الظابط بص للتقرير الطبي اللي في إيده وقاله بصوت صارم:

 

* “المساعدة دي أدت لتلف نسجي حاد وتسمم طفيلي كان هيودي بحياة طفل. أنت مطلوب معانا في القسم فورًا لتحرير محضر بالإهمال الجسيم والإضرار العمدي بصحة طفل وتضليل العدالة.”

 

أمي صرخت ونزلت على ركبها قدام الظابط تبكي وتترجاه، بس الظابط كلّف أمين شرطة ياخد مصطفى ويقبض عليه فوراً. مصطفى وهو بيتسحب بالكلبشات، بصلي بنظرة رجاء أخيرة وقال بصوت مخنوق:

* “سامحيني يا سعاد… والله كنت بحبه… والله ما كنت أقصد أؤذيه…”

 

ما قدرتوش أرد عليه ولا أبصله حتى. درت وشي ناحية أوضة العناية المركزة، وجسمي كله بيهتز من البكاء والتعب.

 

حمادة قرب مني بخطوات مكسورة. أول مرة أشوف راجل بطوله وهيبته بالكسرة دي. مسك إيدي الاثنين وحط رأسه على كتفي وبدأ يعيط بصوت مكتوم زي الأطفال:

 

* “سامحيني يا سعاد… أنا اللي سبتكم وسافرت… أنا اللي سبت ابننا للغربة والناس تاكل في لحمه… أنا السبب في كل اللي حصل ده…”

 

حطيت إيدي على رأسه وقلتله بصوت حزين ومجهد:

 

* “المهم أحمد دلوقتي يا حمادة… المهم ابننا يقوم بالسلامة.”

 

دخلنا سوا بالرداء الطبي العازل لأوضة العناية. أحمد كان بدأ يفوق تدريجيًا من أثر البنج. فتح عينيه الصغيرتين ببطء شديد، وبص حواليه بتشتت، لحد ما وقعت عينيه عليا وعلى أبوه واقفين جنبه.

 

ابتسامة باهتة أوي اترسمت على وشه الأصفر، ومد إيده الصغيرة الضعيفة ناحية حمادة:

 

* “بابا؟ أنت جيت من السفر؟”

 

حمادة نزل على ركبه جنب السرير ومسك إيد أحمد وباسها ميت مرة وهو بيبكي:

 

* “جيت يا قلب بابا… جيت ومش هسيبك تاني أبدًا… مش هسيبك أبدًا يا أحمد.”

 

أحمد بصلي ودمعة نزلت من عينيه، وقالي بصوت واطي ومجهد:

 

* “يا ماما… أنا أسف إني كدبت عليكِ… خالو مصطفى قال لي السحر هيتفك لو سكتنا… بس رجلية لسه بتوجعني أوي…”

 

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة… “السحر”؟

 

بصيت لحمادة برعب، ورجعت بصيت لأحمد وقلتله بذهول:

 

* “سحر إيه يا أحمد؟ خالك قالك إيه بالظبط؟”

 

أحمد حرك رأسه بالراحة وقال بتلعثم وهو بيصارع النوم والبنج:

 

* “خالو قالي… إن الدودة دي مش من الورشة… قالي إن فيه حد عملنا سحر في البيت… وهو كان بيحاول يطلعه بالملقاط عشان… عشان يفك العمل اللي محطوط تحت سريري…”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى