
جوزي عنده محل بقالة في بيت عيلة، وجات له فرصة سفر وسافر فعلًا.
وأنا قلت له: «أنا همسك المحل وأفتحه لحد ما تظبط أمورك.»
وفعلًا، هو سافر وأنا وقفت في المحل بداله.
من ساعة ما وقفت، كل طلبات حماتي كانت بتتاخد من غير حساب؛ منظفات، مكرونات، زيت، وأي حاجة تحتاجها كانت بتنزل تاخدها.
وواحدة واحدة، بقوا سلايفي ياخدوا ويأجلوا الحساب، وبعدها يحصل خلاف لو طلبت تمن الحاجة.
بقى مكسب المحل كله تقريبًا بيروح في تمن البضاعة اللي هما بياخدوها.
حتى أخو جوزي كان كل يوم لازم ياخد طلباته، وأوقات كان يجيب ناس من معارفه ويطلب لهم من المحل.
ولما بطلت أجيب له الطلبات دي، حصل خلاف كبير معايا.
عدى شهرين، وكل تعبي ومكسب المحل بيروح في شراء بقالة حماتي وسلايفي.
قررت إني أجمعهم وأتكلم معاهم.
وأول ما بدأت كلام، حماتي غضبت جدًا وقالتلي:
«إنتِ ساكنة في بيتي، وده حقي. إنتِ مش بتدفعي حاجة مقابل إنك تكملي شغل هنا. احمدي ربنا إني سايبالك فرصة تكملي شغلك.»
لما قولتلها:
«خلاص نمشيها رسمي، وخدي إيجار.»
وقتها الخلاف زاد.
وقالت:
«إنتِ بتاخدي على قلبك كل حاجة ليه؟»
قولتلها بقلة حيلة وبصوت مخنوق:
«يا حماتي، والله العظيم ابنك شغله هناك لسه مش مستقر، ومبيبعتش ولا مليم، وإحنا عايشين بالعافية. والمحل ده هو اللي ساندنا، وبنأكل منه أنا وعياله. البضاعة لو خلصت مش هنلاقي ناكل!»
بصتلي ببرود وقالت:
«وماليش فيه! مش مستقر دي مشكلتكم. ده بيتي وأنا أخد اللي يعجبني، ومحدش يقدر يمنعني في ملكي.»
حسيت بكسرة نفسي ودموعي غلبتني.
سبتها وطلعت شقتي بالعافية.
دخلت وقفلت الباب، ومسكت التليفون وإيدي بتترعش.
رنيت على جوزي وأنا بعيط وبشهق من القهر، وقلتله:
«ألحقني يا جمال، أمك بتقولي مالهاش دعوة بمشكلتنا، وبتاخد من شقانا وأكل عيالنا قدام عيني. هتعمل إيه في المصيبة دي؟»
لكن رد جوزي كان الصدمة اللي كسرتني.
سكت جمال لثواني على التليفون.
كنت سامعة صوت نفسه التقيل، وتخيلت للحظة إنه هيثور ويقولي:
«حقك عليا، وأنا هكلم أمي وأوقف الكل عند حدهم.»
لكن صوته خرج بارد، وقال:
«جري إيه يا سمر؟ هو أنا مسافر عشان أسمع شكاوي ومشاكل البيت؟ أمي تاخد اللي هي عايزاه، ده بيتها وده محل ابنها. إنتِ عايزاني أعمل مشاكل مع أهلي وأنا متغرب وفي أول طريقي؟ كبري عقلك، وماتعمليش من الحبة قبة. والقرشين اللي ياخدوهم اعتبريهم بركة للمحل.»
الكلمة نزلت على دماغي بقوة.
صوتي راح من الصدمة.
قلتله وأنا مش مصدقة:
«بركة يا جمال؟ بركة وإحنا رأس مالنا بيضيع؟ الأرفف فضيت، والموردين كل يوم بيطلبوا فلوس البضاعة القديمة، وأنا بستلف عشان أأكل عيالك، وأنت تقولي بركة؟ حتى أخوك بياخد طلباته من المحل من غير حساب!»
لقيته رفع صوته فجأة وقال:
«قولتلك خلاص اقفلي السيرة دي! أمي خط أحمر، وإخواتي محدش يكسر عينهم. لو مش قادرة تشيلي المحل، اقفليه واقعدي في شقتك. ما تذلينيش بوقفتك فيه!»
وقفل المكالمة.
التليفون فصل، ومعاه حسيت إن كل حبل كنت متعلقة بيه اتقطع في لحظة واحدة.
قعدت على الأرض ورا باب الشقة، ضامة ركبي لصدري وببكي بحرقة ومرارة.
بقى ده الراجل اللي وافقت أقف في ضهره؟
ده اللي قولتله: «سافر وأنا هشيل بيتك ومحلك وأربي لك عيالك؟»
سابني أواجه كل ده لوحدي، وبدل ما يكون سندي، اختار يقف بعيد.
قومت بالعافية بعد ما مسحت دموعي.
دخلت على عيالي لقيتهم نايمين.
بصيت لوشوشهم الصغيرة.
بنتي الصغيرة كانت تعبانة من قلة الأكل، وابني الكبير محتاج مصاريف مدرسته وكتبه.
وأنا مش معايا في جيبي غير عشرين جنيه، هي كل اللي فضل معايا من إيراد إمبارح.
وقفت قدام المراية.
عيوني كانت وارمة وحمرا من القهر.
لكن حسيت بنار تانية بتقيد جوايا.
نار الصحوة.
قلت في سري:
«ماشي يا جمال، ماشي يا حماتي. إن ما وريتكم إزاي القرش ده بييجي بطلوع الروح، مابقاش أنا.»
نزلت الصبح بدري قبل ما حد في البيت يصحى.
فتحت باب المحل.
الهوا البارد دخل مع ريحة البقالة الفاضية.
وبصيت للأرفف اللي بقت شبه عريانة.
السكر خلصان، والزيت مفيش منه غير زجاجتين، والجبن والتلاجات فاضية تقريبًا، وكراتين الشيبسي والبسكوت اتسحبت ومفضلش منها غير الفوارغ.
مسكت الدفتر وقعدت أجمع الحسابات.
لقيت إن ليهم عندي فوق العشرين ألف جنيه بضاعة مسحوبة على مدار الشهرين اللي فاتوا من غير ما يدخل الدرج مليم.
الساعة دقت تسعة الصبح.
وسمعت صوت حماتي وهي نازلة على السلالم.
دخلت المحل من غير حتى ما تسلم، ولفت عينيها على الأرفف وقالت:
«هاتيلي اتنين كيلو سكر، وباكوَين شاي، وقالب جبنة بيضا من التلاجة، وماتنسيش علبة سمنة من الكبيرة دي. أخو جوزك صحي وعايز يفطر.»
اتسمرت في مكاني.
وبصتلها في عينها بثبات معرفش جه منين.




