
وقلت بهدوء تام:
«الحساب خمسين وميتين جنيه يا حماتي.»
حماتي برقت عينيها، ووشها احمر من الغيظ.
وقالت بصوت عالي:
«نعم يا بنتي؟ حساب إيه؟ إنتِ بتطلبي مني تمن أكل بيتي وبيت ابني؟ إنتِ نسيتي نفسك ولا جمال اتصل واداكي مقلب في دماغك؟»
قولتلها بنفس الهدوء، وأنا قافلة درج الفلوس بالمفتاح:
«ابنك كلمني وقال إن المحل محلك يا أمي، بس ابنك نسي يقولك إن البضاعة دي جاية على حساب الموردين ومش مدفوع تمنها. والتاجر الكبير جاي العصر وعايز حسابه. لو مادفعتش، هتحصل لي مشكلة كبيرة معاه. فحضرتك لو عايزة تاخدي، ادفعي حق الحاجة عشان أسدد للتاجر. غير كده مفيش حاجة هتطلع من هنا من غير حساب.»
صوتها علي أكتر، وبدأت تنادي الجيران:
«تعالوا شوفوا مرات الغايب بتعمل إيه! جاية تستقوى عليا في بيتي وبتقولي ادفعي!»
على صوتها، نزلت سلفتي الكبيرة، وبصتلي وقالت:
«جري إيه يا سمر؟ بتعلي صوتك على ستك وتاج راسك؟ إنتِ فاكرة نفسك صاحبة مال؟ ده إنتِ شغالة هنا وجمال سايبك مسؤولة عن المحل، مش مديرة علينا!»
بصيت لسلفتي وقلت:
«كويس إنك نزلتي. افتحي كده الدفتر معايا. ليكي تلات آلاف جنيه منظفات ومكرونات وحاجات للعيال. ومش هقولك هاتي القديم، بس الجديد بالفلوس. عندك كاش اتفضلي خدي، معندكيش اطلعي شقتك ودبري احتياجات بيتك بطريقة تانية.»
الموضوع سخن.
والناس في الشارع بدأت تتجمع على باب المحل.
في اللحظة دي نزل محروس، أخو جوزي.
أول ما شاف الزحمة وسمع والدته، دخل المحل وهو متضايق وقال:
«إنتِ اتجننتي؟ بتطلبي من أمي تمن حاجتها؟ اقفلي المحل واطلعي برة. إحنا اللي هنديره ونعرفك حدودك!»
رجعت خطوة لورا.
ومسكت عصاية المقشة اللي كانت ورا الباب، ورفعتها في إيده وأنا بقول بصوت واضح:
«محدش يقرب مني. المحل باسم جوزي وفي عهدتي أنا، والبطاقة الضريبية ورخصة المكان في إيدي. وأي حد هيمد إيده على بضاعة من غير حساب، هطلب المساعدة الرسمية فورًا.»
الجيران لما شافوا الموضوع كبر، دخل عم الحاج إبراهيم، صاحب الفرن اللي جنبنا.
راجل كبير ومسموع الكلمة.
مسك محروس ووقفه بعيد، وقال:
«عيب يا محروس! إيه اللي بيحصل هنا يا أم جمال؟ الست بتطلب حق البضاعة. التجارة فيها كسوف ولا خلافات؟»
حماتي بدأت تشتكي وقالت:
«شوفت يا حج؟ بتعايرنا وبتبيع وتشتري فينا في بيتنا! ابننا مسافر وهي عايزة تتحكم في كل حاجة!»
رديت بسرعة قبل ما حد يفهم الموضوع غلط.
وفتحت الدفتر قدام الحاج إبراهيم والجيران وقلت بصوت باكي لكن قوي:
«اشهدوا يا ناس، المحل ده كان مليان بضاعة بمية وخمسين ألف جنيه أول ما جمال سافر. النهاردة مفيهوش بعشرين ألف. وكل اللي خرج راح لبيت حماتي وسلايفي على ورقة وقلم، ومفيش مليم دخل. التاجر طالب حسابه، وولادي محتاجين أكل ومصاريف، وجوزي برة ومش بيبعت فلوس. يرضي مين ده؟»
الناس بدأت تبص لبعض وتهز راسها بأسف.
الحاج إبراهيم بص لحماتي وقال بحسم:
«الحق أحق أن يُتبع يا أم جمال. التجارة تجارة، والحساب حساب. الست مش هتشيل ديون المحل لوحدها وابنك متغرب. الحساب يتصفى بالمعروف.»
حماتي شدت محروس من إيده، وبصتلي وقالت بصوت منخفض:
«أنا مش هسيبك، وهخلي جمال ياخد موقف منك. افتكري كلامي ده كويس!»
طلعوا وسابوا المحل.
وأنا رجلي مكنتش شيلاني.
قعدت على الكرسي الخشب ورا الفاترينة وأنا بنهج، وروحي مرهقة من اللي حصل.
الجيران بدأوا يتفرقوا.
وفجأة، عربية نقل صغيرة وقفت قدام باب المحل.
نزل منها المعلم شوقي، تاجر الجملة الكبير اللي ليه عندنا حوالي سبعين ألف جنيه من ثمن البضاعة القديمة.
دخل المعلم شوقي، وما كانش شكله مطمئن.
كان ماسك دفتر الفواتير.
بص للمحل الفاضي وقال:
«ها يا مدام سمر؟ الأسبوع خلص. فين الفلوس اللي قولتي هتكون جاهزة النهاردة؟ المحل شبه فاضي أهو. يعني بعتي ولميتي الفلوس. هتدفعي ولا نروح نحل الموضوع بالطريقة الرسمية؟»
بصيت لدفتر الفواتير.
وبصيت للشارع.
وحسيت إن الدنيا بتضيق عليا من كل ناحية.
والامتحان الحقيقي بدأ دلوقتي…




