منوعات

أبنى

* “صباح الخير يا ختي… أنتِ صحيتي إزاي دلوقتي؟” قالها بصوت متوتر وهو بيحاول يداري كيس بلاستيك أسود كان ماسكه في إيده.

 

قربت منه بخطوات بطيئة، وعيني ثابتة في عينيه:

 

* “طالع فين يا مصطفى في العز ده؟ والإيه الكيس ده؟”

 

ارتبك وبص للأرض، وحط الكيس ورا ظهره:

 

* “ده… ده شوية زبالة أصلها كانت عاملة ريحة في المطبخ، قلت أرميها وأنا نازل أجيب فول وطعمية للفطار.”

 

ما ادتلوش فرصة يفكر، مديت إيدي وشدت الكيس منه بقوة. حاول يمنعني، بس أنا كنت زي المجنونة. فتحت الكيس، ولقيت جواه مراهم غريبة، وعلبة دواء فاضية مكتوب عليها بلغة أجنبية مش فاهمة منها غير كلمة واحدة بالإنجليزي (Parasites)، ومعاهم ملقاط طبي متلوث بنفس المادة الصفرا!

 

مسكت الملقاط والعلبة ورفعتهم في وشه وأنا بجأر بصوت مكتوم عشان أحمد ما يصحاش:

 

* “إيه ده يا مصطفى؟ ابني فيه إيه؟ وأنت بتعمل في رجل أحمد إيه من ورانا؟ نططق بسرعة بدل ما ألم عليك المنطقة كلها أخليهم يأكلوك بأسنانهم!”

 

مصطفى اتنفض ونزل على ركبه في الأرض، ومسك إيدي وهو بيبكي بانهيار غير طبيعي:

* “والله العظيم ما كان قصدي يا سعاد! والله العظيم كنت فاكر الموضوع بسيط وهعديه من غير ما تعرفي… استريني الله يخليكي، أنا كنت هموت نفسي من الخوف عليه!”

مسكته من ياقة قميصه وغرست ضوافري فيها:

 

* “انطق يا مصطفى! رجل ابني فيها إيه؟ وإيه الحركة اللي تحت جلده دي؟”

 

مسح دموعه بإيد بتترعش، وبدأ يتكلم وصوته بيدوب من الخوف والندم:

 

* “من أسبوعين… لما خدت أحمد معايا الورشة في الحرفيين عشان أصلح عربية زبون… كان فيه دبة خشب قديمة مستوردة من إفريقيا جاية مع قطع غيار مستعملة. أحمد كان بيلعب حافي ورجليه عريانة، وجاتله ذبابة غريبة كده وقفت على رجله وقرصته. هو صرخ وقتها، وأنا حطيتله شوية بتادين وقولت بسيطة… بس بعد كم يوم، بدأ يشتكيلي إن رجله بتوجعه. لما شفتها، لقيت حباية غريبة، ولما دورت على النت وسألت واحد صاحبي دكتور بيطري شغال في المزارع… قالي إن دي بويضة دودة طفيلية بتدخل تحت الجلد وتكبر وتتغذى على الأنسجة!”

 

لساني اتعقد، والكون كله دار بيا. مسكت في حرف الترابيزة عشان ما أقعش:

 

* “دودة؟ ابني جوا رجله دودة بتأكله؟ وأنت تسكت يا مجرم؟ تسيب الطفل يتلوى كل الأيام دي وترشله مراهم وتسكت؟”

 

مصطفى عيط بصوت أعلى وحط إيده على رأسه:

 

* “أنا خفت من جوزك! خفت من أخوكي الكبير لما يعرف إني أهملت في الولد ووديته مكان خطر زي ده! وكمان لما سألت صاحبي الدكتور قالي إن الدودة دي لما بتكبر بتفرز مادة بتخدر المكان عشان كده الوجع بيجي ويروح، بس لو حاولت تطلعها غلط وماتت جوة الجلد… بتعمل مادة سمية ممكن تقطع الرجل كلها! عشان كده أنا اتخضيت ومسكت أحمد وترجيته ما يقولكيش، وقعدت كل يوم بالليل أحاول أحطله مخدر موضعي وأسحبها بالملقاط لما تطلع تتنفس… بس كل ما أقرب منها بغرزة الملقاط بتغرس جوة أكتر والولد يصرخ ومستحملش الوجع!”

 

صرخت فيه وأنا بضربه في صدره بكل قوتي:

 

* “يا مرارك يا سعاد! يا خراب بيتك يا سعاد! يعني أنت بقالك أيام بتجرب في رجل الولد ومشورك بالملقاط والتطفيش عشان خايف من كلام الناس وحمادة جوزي؟ حديت حيات ابني عشان خايف على منظرك؟”

 

* “يا سعاد افهميني!” قاطعني وهو بيترعش: “أنا لما لقيت الموضوع خرج عن السيطرة، والمادة الصفرا بقت بتنزل بكثرة والجلد بيزرق، قلتلك حجزتي عند الدكتور ولا لسه عشان توديه أنتِ وكأنك أنتِ اللي اكتشفتيها فجأة، وما يقعش العتب عليا! أنا كنت خايف… خايف أوي يا سعاد!”

سيبته مطروح على الأرض وجريت على أوضة أحمد. فتحت النور فجأة، أحمد كان صاحي، قاعد على السرير، وشه أصفر زي الليمونة، وعينيه مليانة دموع ورعب. كان سامع كل كلمة دارت بيني وبين خاله برة.

 

قربت منه وخدته في حضني، حطيت رأسه في صدري وأنا بعيط وببوس كل شبر في وشه:

 

* “ليه يا أحمد؟ ليه يا قلب أمك تخبي عليا؟ ليه تسمع كلام خوالك وتستحمل العذاب ده كله؟”

 

أحمد مسك في جلابيتي بظوافر صغيرة بتترعش وقال وهو بينهنه:

 

* “خالو مصطفى قالي لو ماما عرفت، بابا هيزعل منها وهيطلقها ويرمينا في الشارع… وقالي إنه بيلعب معايا لعبة الشجعان، وإن الدودة دي شقية وعاوزين نطلعها لوحدنا من غير ما نعملوش مشكلة لماما…”

 

الكلام ينزل على قلبي زي مية المغلية. بصيت لمصطفى اللي كان واقف عند باب الأوضة زي الحرامي، عينيا كانت بتطلع نار.

 

* “أنت مش أخويا… أنت بني آدم مريض وخسيس! تضحك على طفل ست سنين وتهدده بأمه وعيلته عشان داري على خيبتك؟”

 

قمت وقفت، وبأقصى سرعة مسكت ملاية سرير وشيلت أحمد فيها، لفيته كويس عشان البرد، ومسكت شنطتي.

 

مصطفى قفل الباب بجسمه وهو بيصرخ:

 

* “أنتِ رايحة فين يا سعاد في الوقت ده؟ لو رحتي المستشفى الحكومي هيعملوا سين وجيم وهيطلبوا البوليس عشان الإهمال، ووزارة الصحة هتخش في الموضوع لأن الطفيل ده مش مصري وتعرفي السيناريو ده هيروح فين! استني لما نكلم دكتور خاص يجي لحد هنا!”

 

زقيته بكل قوتي في صدره لحد ما وقع على الكنبة:

 

* “أنت تقفل بقك خالص وماتنطقش ولا كلمة! البوليس، الصحة، الدنيا كلها تغور في 60 داهية قصاد صباع من رجل ابني! ابني بيموت وأنت خايف على سين وجيم؟ أوعى من وشي!”

 

فتحت باب الشقة ونزلت على السلم وأنا شايلة أحمد بين إيديا، الوجع كان مخليه يصرخ بصوت واطي مع كل خطوة على السلم. الشارع كان لسه فاضي والدنيا غبشة. طلعت أجري في شوارع شبرا الخيمة، مش شايفه قدامي غير وش ابني الدبلان، وصوت أنفاسه المجهدة.

 

ركبت أول عربية تكسي قابلتني، وقلت للسواق بصرخة هزت العربية:

 

* “على مستشفى القصر العيني الفرنساوي فوراً يا أسطى… بسرعة وحياة عيالك ابني بيموت في إيدي!”

 

السواق بص في المراية وشاف وش أحمد والأشياء اللي طالعة من رجله، داس بنزين بكل قوته. طول الطريق كنت ماسكة رجل أحمد، والمادة الصفرا بدأت تسيل بغزارة أكتر، والمنطقة المكلكعة بقت حامية زي الجمرة. أحمد بدأ يخرف ويهزي بكلام مش مفهوم:

* “يا ماما… النمل الأبيض بياكل في العظم… خليهم يشيلوا الرجل يا ماما مش عاوزها…”

 

دموعي كانت بتنزل على وشه، وأنا بدعي ربنا إنه يسترها وما يضيعش مني. وصلنا المستشفى، وجريت بيه على قسم الطوارئ. أول ما الدكاترة شافوا منظره والمنطقة الميتة في رجله، اتلموا حواليه فوراً. دكتور التجميل والجراحة بصلها واستغرب، وجاب عدسة مكبرة.

 

أول ما بص بالعدسة، وشه اتغير تماماً، وبص للممرضة وقال بصوت شادد:

 

* “اطلبي غرفة العمليات فوراً! وعايز تحليل عينات طفيلية عاجل… الحالة دي مش مجرد التهاب، الطفيل ده اخترق النسيج الخلوي وقريب جداً من الشريان الرئيسي للقدم!”

 

ساعتها الممرضة سحبتني لورا عشان يجهزوا أحمد للعمليات، وقفت ورا الزجاج وأنا بشوفهم بيربطوا إيديه ورجليه وهو بيصرخ وينادي عليا: “يا ماما ما تسيبينيش! خليهم يرجعوا خالي مصطفى يسحبها!”

 

وفي لحظة، وأنا واقفة مستنية بقلب محروق، تليفوني رن… كان رقم غريب. فتحت الخط بصوت مخنوق، أصل الصوت كان من الخليج… صوت جوزي “حمادة”!

 

* “ألو يا سعاد… مصطفى أخوكي لسه مكلمني وبيعيط وبيقولي إن أحمد في المستشفى وإنك اتهجمتي عليه… في إيه يا سعاد؟ وأحمد ماله؟”

 

هنا كل الطاقة اللي كانت جوايا انفجرت، ومبقاش قدامي غير إني أقول الحقيقة اللي هتقلب حياتنا كلنا رأس على عقب…

تسمرت في مكاني وأنا ضاغطة على الموبايل بين إيديا لحد ما صوابعي أبيضت، صوت “حمادة” جوزي القادم من الغربة كان جاف وفيه نبرة اتهام وغضب، نبرة واحد اتصل بيه أخو مراته يلوّي الحقيقة ويستنجد بيه عشان يلبّسني أنا التهمة!

 

أخدت نفس عميق ومخنوك، وصرخت في التليفون بصوت كان طالع من محيط وجعي وخوفي على ابني، صوت هز الطابق كله في المستشفى:

 

* “أحمد بيموت يا حمادة! ابني في أوضة العمليات دلوقتي بيفتحوا رجله عشان يشيلوا دودة قذرة بتأكل في لحمه وعظمه بقالها أسبوعين! وأخوك مصطفى… أخوك اللي مأمنه على بيتك وولادك، هو اللي اتستر على المصيبة، وهو اللي ساب الولد ينزف وتفرز رجله صديد وسموم عشان خايف على منظره وقرفانه من خيبته!”

 

السكوت حلّ على الناحية التانية من الخط لكام ثانية، سكوت صدمة مرعبة، قبل ما يرجع صوت حمادة وهو بيترعش ويتلعثم:

 

* “دودة إيه؟ ومصطفى إيه؟ سعاد أنتِ بتتكلمي عن إيه؟ مصطفى قالي إنك اتجننتي وضربتيه وخدي الولد وطلعتي تجري في الشوارع من غير سبب!”

 

* “تعالى يا حمادة!” قلتها وأنا ببكي بانهيار: “اركب أول طيارة وتعالى شوف ابنك اللي كان خاله بيمشي على رجله ملقاط طبي متلوث عشان يداري إن الولد اتقرص في ورشة الحرفيين! تعال شوف خاله اللي هدد طفل عنده ست سنين وقاله إن أمه هتترفض وتترامى في الشارع لو فتح بقه! لو أحمد جراله حاجة أو رجله اتبرت يا حمادة… أنا مش هسامح حد، ولا هسيب أخوك طليق يمتع بحياته!”

 

قفلت السكة في وشه من غير ما أستنى منه رد، وقعدت على الأرض قدام باب العمليات. الشباك الزجاجي الصغير كان مبينلي خيالات الدكاترة والممرضات وهم يتحركوا بسرعة وحركة إيديهم فوق رجل أحمد اللي كانت متغطية بملايات بيضا. كل شوية كان بيطلع شاش متلوث بالمادة الصفرا الغريبة، وكان فيه أجهزة بتصوّت أصوات متقطعة بتخلّي قلبي يقف مع كل نبرة.

 

بعد ساعتين مروا عليا كأنهم ألف سنة، خرج الدكتور الرئيسي وهو بيقلع الجوانتي الطبي المليان دم ومواد غريبة. جافيت دموعي وقمت جريت عليه ومسكت في بالطوه:

 

* “طمني يا دكتور! أرجوك قول إنه بخير… ابني أحمد حصله إيه؟”

 

الدكتور مسح عرقه وبصلي بنظرة مليانة حسرة وشفقة، وقالي بصوت هادي عشان يمتص الصدمة:

* “الحمد لله إحنا لحقناه في أخر لحظة يا مدام… الطفيل اللي كان جوة رجله مش دودة العادية، ده نوع خطير جداً اسمه (ذبابة التنعيم) أو الـ Dermatobia hominis، وده طفيل مش موجود في مصر أصلاً ومصنف كـ’مرض وافد’، بيبيض تحت الجلد وينمو بالتشعب في الأنسجة العضلية.”

 

اتنهد الدكتور وكمل وهو بيوريني برطمان زجاجي فيه سائل شفاف وجواه حاجة بيضا مقرفة حجمها أطول من عقلة الصباع:

 

* “الطفيل ده استأصلناه بالكامل، بس المشكلة الكبيرة مش في الطفيل نفسه… المشكلة في المحاولات العنيفة والبدائية اللي اتعملت عشان سحبه قبل ما ييجي هنا. اللي كان بيحاول يشيله بالملقاط غرس أجزاء منه جوة النسيج، والطفيل لما أحس بالخطر فرز كمية سموم وأحماض خلت جزء كبير من العضلة يحصلها ‘تنكُّر’ أو موت في الأنسجة.”

 

حطيت إيدي على قلبي وسألته بصوت مرعوب:

 

* “يعني إيه يا دكتور؟ رجله هتمشي تاني؟ هيمشي على رجليه زي الأول؟”

 

* “إحنا نظفنا المكان وعملنا استئصال للأنسجة الميتة…” رد الدكتور بثقل: “بس الأنسجة المحيطة بالشريان تضررت، وأحمد هيحتاج مرحلة علاج طويلة جداً، وعملية ترقيع جلدي وثقافي، وما أقدرش أضمنلك دلوقتي هل هيرجع يعرج ولا الحركة هتتأثر بشكل دائم… ده غير إن المادة السمية سابت أثر في دمه ولازم يفضل تحت ملاحظة مشددة لمدة 48 ساعة عشان نضمن إن السموم ما وصلتش للكلى.”

 

في اللحظة دي، حسيت الدنيا بتظلم في عيني. أحمد… طفلي الجميل اللي كان بيجري ويرقص في الشقة، ممكن يعرج بقية حياته بسبب جبن وخوف أخويا!

 

دخلوه غرفة العناية المركزة المتوسطة، كان غايب عن الوعي تحت تأثير البنج، وشه أبيض كالملاية، ورجله ملفوفة برباط ضاغط ضخم متوصل بوصلات وشفاطات طبية. قعدت جنبه، مسكت إيده الصغيرة الباردة وبقيت أبوسها وأستسمحه إنه يسامحني لأني ما انتبهتش من أول يوم.

 

وفجأة، سمعت دبة خطوات سريعة وصوت زعيق برة في الطابق. فتحت باب الأوضة بالراحة وخرجت… لقيت مصطفى أخويا داخل يجري وفي وشه علامات الخوف، ومعاه أمي (جدة أحمد) وهي بتصرخ وتبكي.

 

أول ما مصطفى شافني، قرب وهو بيحاول يعمل نفسه متأثر ومصدوم:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى