قصص وروايات

الاكل مالح

قلت له وأنا بمسح دموعي: “طنط طول عمرها عايشة في بيت عيلة في السيدة زينب، الدوشة، والزحمة، والناس اللي داخلة وطالعة، وعم كمال الله يرحمه كان أزمه في الملح.. صح؟ انت مش حكيتلي قبل كده إن أباك كان يحب الأكل حادق جداً وأمك كانت تقعد تتخانق معاه كل يوم على السفرة عشان الضغط؟”

مصطفى اتسمر مكانه، عينيه اتوسعت وخطف أنفاسه: “صح.. صح يا ولاء! أهو ده اللي كان بيحصل! أبويا كان يمسك الملاحة ويرش على الأكل بغشم، وأمي تصرخ فيه وتقول له ‘الأكل كده هيبقى مالح يا كمال!’، وهو يضحك ويقول لها ‘المهم ناكله سوا يا أم مصطفى’.. كانت الخناقة اليومية الوحيدة بينهم على السفره!”

دموعي نزلت أكتر وقلت له: “طنط مش قصدها تقولك الأكل مالح يا ولاء.. طنط لما بتأكل الأكل العادم في الهدوء القاتل ده، بتحس إنها غريبة.. بتفتكر أيام الخناق واللمة، بتفتكر الحس اللي كان في البيت. الملح بالنسبة لها مش طعم.. الملح كان الطريقة الوحيدة اللي بتحسسها إن فيه ‘حس’ وروح في العيشة! ولما بتقولنا بالليل ‘الأكل مالح’، هي مش بتتكلم عن الملح اللي في الطبق يا مصطفى.. هي بتتكلم عن ‘وحدتها’.. عيشتها طول اليوم هي اللي مرارة ومالحة على قلبها! الكلمة دي كانت الطريقة الوحيدة اللي بتخلينا نتلم حواليها بالليل ونرجع نتكلم ونناقشها ونركز معاها، حتى لو كان الكلام عن الملح!”

مصطفى حط إيديه على وشه وبكى بحرقة، صوت شهقاته كان يكسر القلب: “أنا السبب.. أنا اللي سبتها بين أربع حيطان وطالع أجري ورا الشغل والمصاريف، فاكر إن لما أجيبها شقة في التجمع وأوفر لها أكل متقسم في العلب وأدفع اشتراك التلفزيون يبقى أنا كده بارّ بيها! أنا دفنتها وهي حية يا ولاء..”

قربت منه وطبطبت عليه: “اهدى يا حبيبي.. الحمد لله إننا عرفنا قبل ما يجرا لها حاجة. الملح ده كان الاستغاثة بتاعتها.. هي مش قادرة تقولنا ‘أنا زهقانه، أنا وحدانية، أنا خايفة من الهدوء’.. خايفة تتعبنا أو تتقل علينا، فقالتها بالطريقة دي.”

مصطفى قام وقف وهو بيمسح دموعه بعنف: “أنا هروح لها دلوقت.. هسيب الشغل، هاخد أجازة، هقلب الدنيا.. مش هسيبها قعدتها دي تاني!”

مسكت إيده وقلت له بثبات: “استنى يا مصطفى.. لو دخلت لها دلوقت وشلت علبة الملح وواجهتها، هتكسرها وهتحس إننا بنراقبها وإنها بقت عبء علينا. الستات الكبار كرامتهم عزيزة أوي.. إحنا لازم نعالج الأزمة دي بذكاء، من غير ما تحس إحنا عرفنا إزاي.”

مصطفى بصلي بقلة حيلة: “نعمل إيه يا ولاء؟ أرجوكي قوليلي نعمل إيه.. أنا خايف عليها تأكل ملح تاني بكرة وتطب ساكتة بالضغط!”

ابتسمت وسط دموعي وقام عقلي يشتغل بسرعة عشان ألاقي الخطة اللي ترجع الروح للبيت ده.. وقلت له: “بكرة.. حياتنا كلها هتتغير يا مصطفى.”

بصلي مصطفى بعيون مليانة حيرة وأمل في نفس الوقت: “هتتغير إزاي يا ولاء؟ انتي ناوي تعملي إيه بالظبط؟”

قعدت جنبه على السرير وقلت له بتركيز: “أول حاجة لازم نعملها، هي إننا نرجع لها ‘الحَس’ اللي اتسرق منها. طنط مش محتاجة علب أكل متقسمة بنظام في الميكرويف، طنط محتاجة تحس إنها لسه الست اللي الشتيمة والبركة في إيدها، مش مجرد ضيفة شرف مستنية أخر اليوم عشان تسألنا عملتوا إيه.”

مصطفى اتنهد وقال: “بس الشغل يا ولاء.. انتي عارفة القرية الذكية ومصر الجديدة والزحمة، إحنا بنطلع 6 ونص الصبح!”

ابتسمت له وقلت بثقة: “الشغل يترتب يا مصطفى. أنا هكلم شركتي وأطلب أشتغل يومين من البيت أونلاين، وأنت نفس الكلام، اتصرف مع مديرك وظبط شغلك بحيث تروح أيام وأيام. وحتى الأيام اللي هنخرج فيها.. مش هنسيبها بين أربع حيطان تتفرج على التلفزيون المطفي.”

تاني يوم الصبح، المنبه رن الساعة 6 ونص زي العادة.

بدل ما أطير على المطبخ بجرية الملهوف وأحضر علب الأكل، دخلت أوضة طنط بالراحة، فتحت الستائر وخليت شمس ربنا تدخل.. وقعدت جنبه على السرير، وطبطبت على إيدها بصوت دافي:

“صباح الخير يا أحلى طنط في الدنيا.. صح النوم.”

فتحت عينيها بتفاجؤ، بصت للساعة اللي جنبها، وبعدين بصتلي باستغراب: “صباح النور يا بنتي.. انتي متأخرة عن الشغل ولا إيه؟ الساعة 7 يا ولاء!”

ابتسمت وقلت لها بمنتهى البساطة: “لا يا طنط.. أنا أخدت إجازة النهاردة، ومصطفى رايح الشركة متأخر شوية. وقلت خلاص بقى، كفاية أكل علب وميكرويف.. النهاردة أنا اللي جيعانة ونفسي أكل من إيديكي حبة فول بالزيت الحار وطعمية سخنة زي اللي بتعمليها.”

عينين طنط لمعت بلمعة غريبة.. لمعة أنا ماشوفتهاش من يوم ما جُت عاشت معانا!

قعدت بسرعة على السرير وسألتني بذهول: “بجد يا ولاء؟ انتي عايزة تأكلي من إيدي أنا؟”

“طبعاً يا طنط! هو أنا أطول؟ يلا بينا على المطبخ نسخن العيش ونعمل أحلى فطار سوا.”

في المطبخ، الموقف اتقلب 180 درجة.

بدل الهدوء والسرعة القاتلة، المطبخ بقى مليان كركبة دافية. طنط بقت هي اللي واقفة على البوتاجاز، وأنا جنبها بغسل الخيار وأقطع القوطة. مصطفى دخل علينا، وقف على باب المطبخ يبتسم، وقام حاطط الراديو على محطة “القرآن الكريم” وبعدها “أغاني زمان”..

صوت الشيخ، وصوت كركبة الصحون، وضحكة مصطفى لما طنط ضربته بالمعلقة الخشب على إيده عشان بيسرق طعمية سخنة.. الشقة فجأة بقت شبه بيت السيدة زينب! بقت حية!

قعدنا كلنا على السفرة نفطر.. وطول ما إحنا قاعدين، مصطفى يفتح حكايات، وأنا أسألها عن وصفات زمان:

“صحيح يا طنط.. هو طاجن الباميا بتاع زمان كان بيطلع مظبوط إزاي؟ أنا كل ما أعمله بحس فيه حاجة ناقصة!”

طنط فردت ظهرها، ووشها نور، وبدأت تشرح وتتكلم وتتحرك بإيدها بحماس بقالنا شهور ماشوفناهوش. كانت بتتكلم وشغف الدنيا كله في صوتها.. نسيت الملح، ونسيت الوحدة، ونسيت الهدوء المرعب اللي كان بياكل في عقلها طول الظهرية.

ولما جه وقت الظهر، ومصطفى استأذن عشان ينزل الشغل، مسكت إيد طنط وقلت لها:

“يلا بقى يا طنط.. نلبس وننزل سوا!”

بصتلي بذهول: “ننزل نروح فين يا بنتي؟”

ابتسمت وقلت لها: “هننزل نشتري طلبات البيت من السوق بنفسنا.. وبعدين نروح نعدي على طنط سعاد جارتك القديمة في السيدة زينب ونشتري ياسمين وفل.. والنهارده الغدا إحنا اللي هنطبخه سوا، مش علب ولا ميكرويف!”

دمعة صغيرة نزلت من عين طنط.. بس المرة دي ما كانتش دمعة حزن ولا كسرة. كانت دمعة حد كان حاسس إنه اترمى على الرف.. وفجأة لقى إيد بتسحبه وترجعه للحياة تاني.

بس بالليل.. وبعد ما يومنا كان مليان ضحك وحركة وروح.. جه وقت الامتحان الحقيقي.

وقفت في المطبخ مع طنط نعمل العشا، والعلبة إياها بتاعة الملح كانت لسه مستخبية في الدرج..

وأنا واقفة بقلب الشوربة، لقيت طنط قربت مني، ومسكت الملاحة…

مسكت الملاحة بإيدها، وبصت للحلّة المقفولة، وبعدين بصتلي. في اللحظة دي الوقت اتجمد في المطبخ.. أنا ومصطفى اللي كان واقف عند باب الصالة حبسنا أنفاسنا تماماً. عينيا راحت تلقائياً للدرج اللي فيه علبة الملح المستخبية، وبعدين رجعت لوشها.

طنط قربت بالراحة، وحطت الملاحة على الرخامة جنب البوتاجاز من غير ما تفتحها، وابتسمت ابتسامة هادية جداً وقالتلي:

“ولاء يا بنتي.. ذوقي الشوربة كده وقوليلي، حاسة إنها محتاجة حاجة؟”

مديت إيدي بالمعلقة بالراااحة، أخدت نقطة شوربة وذوقتها.. طعمها كان مظبوط ودافي، بس الطعم الحقيقي كان في الحركة نفسها! طنط بتسألني عشان تشاركني، مش عشان تحط ملح وخلاص.

قلت لها بصوت مليان فرحة: “تسلم إيديكي يا طنط.. الشوربة طالعة زي الفل ومظبوطة على الشعرة!”

طبطبت على كتفي وقالتلي: “طب الحمد لله يا بنتي.. يارب بس تطلع تعجب مصطفى وما يقولش عادمة.”

دخل مصطفى المطبخ بخطوة سريعة وعينيه بتلمع، وقام حاضن أمه من ضهرها وباس رأسها بغشم: “هو حد يقدر يقول على أكلك حاجة يا أم مصطفى؟ ده أنا باكل من إيديكي حاف!”

قعدنا كلنا على السفرة نتغدى.. الأجواء كانت مختلفة تماماً عن كل الأيام اللي فاتت. مفيش صمت قاتل، مفيش صوت عقرب ثواني بيرن في أذن حد. الشباك كان مفتوح، وصوت الهواء مع صوت الراديو الشغال في الصالة وصوت ضحكاتنا إحنا التلاتة مالين المكان.

وأول ما طنط أخدت أول معلقة أكل من الطبق اللي طبخناه سوا.. أنا ومصطفى بصينا لبعض بلهفة ونفس مكتوم.

سكتت ثواني.. وبصت للطبق، وبعدين رفعت رأسها وبصتلنا.

قلبي كان بيموت من القلق.. يا ترى هتول إيه؟ هل السر القديم لسه مأثر عليها؟ هل الأيام اللي عاشتها في الوحدة هترجع تسيطر على لسانها؟

ابتسمت طنط ابتسامة صافية طالعة من جوة قلبها، وقالت بصوت هادي ودافي:

“الأكل النهاردة.. مظبوط بالملي يا ولاء، يسلم إيديكي يا بنتي، سكر زي العسل.”

في اللحظة دي، حسيت كأن جبل شالوه من على صدري! مصطفى بصلي بعيون مليانة دموع امتنان، ومسك إيدي تحت الترابيزة وضغط عليها بقوة. الكلمة دي.. “الأكل مظبوط يا ولاء”.. كانت أكبر شهادة تقدير أخدتها في حياتي، مش عشان شطارتي في الطبيخ، لكن عشان عرفنا نرجع الضحكة والروح للست الطيبة دي من غير ما نكسر خاطرها ولا نعرفها إننا كشفنا سرها.

بعد العشا، مصطفى أخد أمه وقعدوا في الصالة يتفرجوا على مسرحية قديمة وبيضحكوا بصوت عالٍ. وأنا دخلت المطبخ بلم الأطباق وأنا طايرة من الفرحة.

بس وأنا بمسح الرخامة وبقفل درف الدولاب.. عينيا جت على الدرج الصغير اللي في الصالة، الدرج اللي طنط كانت بتطلع منه علبة الملح بالظهرية عشان تغرق بيها طبقها وتداري بيه وحدتها وتفتكر بيه الخناقة اليومية مع عم كمال الله يرحمه.

قربت من الدرج بالراحة الشديدة عشان محدش يحس بيا.. فتحته بشويش ومديت إيدي ورا الأوراق القديمة…

وفجأة! إيدي اتجمدت مكانها.. العلبة مكنتش لوحدها!

سحبت إيدي بالراحة وطلّعت اللي ورا الأوراق القديمة.

جنب علبة الملح الصغيره.. كان فيه أجندة قديمة جلدها متآكل ومقشر من الأطراف، مفصولة بشرائط ستان زرقاء باهتة، وتحتها صور أبيض وأسود ملفوفة بأستك أسود مقطوع ومربوط مرتين.

وقفت في مكان إيدي بترتع.. بصيت ناحية الصالة، لقيت مصطفى لسه قاعد مع أمه، بيضحكوا على المسرحية، وصوت الأغنية اللي شغالة في التلفزيون مغطي على حركة إيدي.

سحبت الأجندة والصور بشويش، ودخلت بيهُم أوضتي وقفلت الباب بالراحة.

قعدت على طرف السرير وفتحت الأجندة.. أول صفحة كان مكتوب فيها بخط إيد مائل وواضح:

*”مذكرات فرحتي وحزني.. كمال وسعاد.”*

قلبت الصفحات ببطء الشديد، ودموعي بدأت تنزل صفحة ورا صفحة.

الأجندة مكنتش مجرد خواطر.. دي كانت تاريخ حبايب عاشوا مع بعض 40 سنة!

طنط كانت كاتبة كل حاجة بالتفصيل الممل:

*”النهاردة كمال اتخانق معايا عشان حطيت ملح قليل في الطبيخ، قاللي يا سعاد الأكل عادم زي العيشة من غيرك، ضحكت وقلتله الضغط يا كمال! قاللي الملح هو اللي بيبيّن طعم اللقمة، طول ما الأكل فيه ملح، يبقى البيت فيه روح.”*

وفي صفحة ثانية مؤاريخة بعد وفاة عم كمال بسنة:

*”البيت فضي يا كمال.. مفيش حد يتخانق معايا على الملح، مفيش حد يزعل إن الأكل عادم. بقيت أحط الملح في الطبق عشان أفتكر صوتك وأنت بتزعقلي وتضحك، الملح هو الحاجة الوحيدة اللي بيفكرني إنك كنت هنا.”*

وفي صفحة حديثة جداً.. مكتوبة بخط إيد مرتعش ومكسور، بتاريخ من كام شهر بس، أول ما جُت عاشت معانا في التجمع:

*”مصطفى وولاء طيبين أوي معايا، بيعملولي كل حاجة، أكل في العلب وميكرويف وشقة نضيفة ومكيف.. بس البيت هادي أوي يا كمال. هادي لدرجة ترعب. بقيت أصحى الظهرية أسمع صوت الميكرويف بيصفر وأقعد أكل لوحدي. الشقة واسعة ومفيهاش دوشة السيدة زينب، مفيش بياعين في الشارع، مفيش جيران يبتسموا في وشي. ولاء بتعبها معايا وبتقف تطبخ طول الليل، وأنا مش عارفة أرد لها جميلها ولا عارفة أقولهم إن الهدوء ده بيموتني بالبطيء.. بقيت أحط الملح المألوف اللي كنت بتحبه، وبقول الأكل مالح عشان يتلموا حواليا بالليل، عشان مصطفى يرفع راسه من المطبخ ويسألني، عشان ولاء تقعد جنبي وتقوللي من بكرة هظبطه يا طنط.. الكلمة دي هي الحبل الوحيد اللي با فاضلي عشان أحس إن ليا وجود في البيت ده.”*

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى